تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • الكتابة في زمن بلا شهود
  • مقالات رأي

الكتابة في زمن بلا شهود

المحرر Editor 23 ديسمبر، 2025 تمت قراءة 1 دقيقة
سمر يزبك 2 (3)

سمر يزبك

في الأزمنة التي تختلّ فيها شروط الإصغاء، تتوقف الكتابة عن ممارسة فعل تواصل تبادلي، لتصبح، بقدرٍ ما من التأويل، مسألة تحديد موقع: من يتكلم، ولأي فراغ، وضمن أي افتراض أخلاقي عن وجود شاهد محتمل. من هذا الموضع تحديداً، تبدأ الكتابة، اليوم، بوصفها تفكيراً في العلاقة التي تفكّكت بين القول ومن يُفترض أن يتلقّاه، أو بعبارة أخرى: بين القارئ والكاتب.
لم أكتب يوماً سعياً إلى قارئ، ولم أكن أتصوّر العلاقة بيننا علاقةَ استهلاك أو تفاعل. القارئ في تجربتي، لم يكن رقماً ولا جمهوراً بقدر ما كان افتراضاً أخلاقيّاً: وجوداً آخر يُفترض أن يرى ما أراه، ويمنحه صفة الواقع. الكتابة، في هذا المعنى، ليست خطاباً موجّهاً، إنما محاولة تثبيت لما يتفلت من الذاكرة، لما يتسرّب من بين أصابع اليد، تسجيلاً لما يخشى أن يضيع في الضجيج العام أو في النسيان السريع. غياب القارئ هنا لا يُحدٍث سوء تفاهم، وإنما يُحدِث فراغاً في الشهادة. النص يظلّ قائماً، لكن بلا من يؤكّد أنه لم يكن هلوسة فردية، بلا من يعترف بأن ما كُتب لم يكن مبالغةً ولا ترفاً لغويّاً، بقدر ما كان أثراً حقيقيّاً لتجربة عيشٍ لا يمكن ردّها إلى الصمت. لذلك لا أشعر اليوم أنني أكتب في عالم توقّف عن القراءة، وإنما هو عالم لم يعد يمتلك طاقة أن يكون شاهداً. عالم يتقدّم مثقلاً، مثخناً بالهزائم، حيث تصبح القراءة فعل مواجهة مؤلما أكثر من كونها فعل معرفة. في هذا السياق، يتحوّل غياب القارئ من فشل تواصلي إلى علامة زمنية: زمن تتراكم فيه الوقائع أسرع من قدرتنا على الاعتراف بها، ويصبح فيه النص نداءً معلّقاً، لا يبحث عمّن يجيبه، وإنما يبحث عمّن يجرؤ على الإصغاء من دون أن يشيح بوجهه.
لم تتغيّر اللغة بعد سقوط النظام في سورية بقدر ما تغيّر موضعها. الكلمات نفسها، الأدوات نفسها، لكن الفضاء الذي كانت تُلقى فيه انزاح. ما كان يُكتب سابقًا بوصفه تحريضاً على الواقع، صار يُكتب داخله، جزءاً من كتلة هذا الواقع الثقيلة، خطاباً موازياً له (وإن ادّعى العكس). لم تعد الكتابة تقف على مسافة تسمح لها بأن تشير أو تحذّر أو تقترح، صارت محاصَرة بالحدث، مشدودة إلى لحظةٍ لا تنتهي. في هذا الوضع، لا يعود النص نداءً ينتظر استجابة، وإنما يصبح أثراً ينجم عن الاحتكاك المباشر مع ما حدث ويستمر في الحدوث. كأن الواقع نفسه صار مكتظّاً إلى درجة لا تسمح له باستقبال طبقة إضافية من المعنى تخالف السائد. ليس لأن الكتابة أصبحت غير ضرورية، وإنما لأن الضرورة نفسها فقدت قدرتها على التحوّل إلى وعي.
لم يكن غياب التفاعل يوماً دليلاً كافياً على اللامبالاة، ولا يمكن اختزاله في فكرة قارئ أدبر ظهره. ما يتبدّى اليوم أقرب إلى إنهاك عام، إلى ذات جماعية استُهلكت قدرتها على التلقّي قبل أن تُستنفد رغبتها فيه. القراءة، بوصفها فعل تركيز وبطء واستعداد لتحمّل المعنى، تفترض فائضاً من الطاقة النفسية لم يعد متاحاً. الناس أصبحوا محاصرين بما هو أثقل من أن يُقرأ؛ وقائع متراكمة، خسارات غير مكتملة الحداد، تواريخ وأحداث لم تُهضم بعد. ومن هنا، لا يبدو صمت القارئ حكماً على النص، بقدر ما قد يكون علامة على عطب أعمق في علاقة الإنسان بالمعنى. القراءة تتطلّب مسافة، والواقع اليوم يضغط بلا هوادة، يلغـي المسافات، ويفرض حضوراً كثيفاً لا يترك مجالًا للتأمل. في هذا الضغط المستمر، يتحوّل الامتناع عن القراءة إلى آلية دفاع. وهنا تكون الكتابة ممارسة حدّية أكثر من كونها فعل تأثير، أو وسيلة تواصل، تكون أشبه بمحاولة إبقاء شيء ما قائماً في الداخل بينما كل ما حوله يتداعى، الكتابة تعمل ضد التلاشي البطيء، ضد الذوبان في سيل الوقائع اليومية التي لا تترك أثراً.
الكتابة في زمن بلا شهود، لا تعد بشيء، ولا تطلب شيئاً، سوى أن تُترك لتؤدّي وظيفتها الوحيدة الممكنة: أن تُبقي باب المعنى موارباً، حتى في أكثر الأزمنة انغلاقاً.

 

العربي الجديد

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: هل من فضاء حرٍّ في سورية؟
التالي: إيران واستراتيجية الأمن القومي الأميركي

قصص ذات صلة

222182
  • مقالات رأي

وثائقي لبناني على “آرتي” يرصد حياة بلدة جنوبية تحت الاحتلال

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

الغارات الأردنية… هشاشة الشراكة الأمنية مع سوريا

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
5E9985E5-435D-4BA4-BDDE-77DB47580149 (1)
  • مقالات رأي

“المؤشّر السوري”: تثبيت الهوية الوطنية وحسابات الأمن الإقليمي

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • وثائقي لبناني على “آرتي” يرصد حياة بلدة جنوبية تحت الاحتلال
  •  انتخابات أميركا 2026: زلزال سياسي في واشنطن… هل تتغير ملامح النظام الدولي؟
  • الغارات الأردنية… هشاشة الشراكة الأمنية مع سوريا
  • طرق عباس بيضون وصوته بلا توقف
  • الراقص الديني في حقل السماء

لربما فاتك

222182
  • مقالات رأي

وثائقي لبناني على “آرتي” يرصد حياة بلدة جنوبية تحت الاحتلال

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
cropped-logo.png
  • الافتتاحية

 انتخابات أميركا 2026: زلزال سياسي في واشنطن… هل تتغير ملامح النظام الدولي؟

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

الغارات الأردنية… هشاشة الشراكة الأمنية مع سوريا

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

طرق عباس بيضون وصوته بلا توقف

المحرر Editor 5 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.