عبد الكريم البليخ.. المصدر جريدة المدى
ليست الصحف جميعها سواءً في علاقتها بالزمن؛ فثمّة صحف تولد مع ضوء الصباح، ثم تنطفئ قبل أن يحلّ المساء، فلا تترك في ذاكرة القارئ سوى أثرٍ عابر، وثمّة صحف لا تكتفي بأن تعبر السنوات، بل تصنع في داخلها زمناً خاصاً بها، وتحوّل صفحاتها إلى سجلّ نابض لذاكرة الناس، ومرآة لتحولات المجتمع، وجزء لا ينفصل عن سيرة الأوطان.
ومن هذا الطراز المضيء جاءت صحيفة «المدى»، التي تحتفل بمرور ثلاثة وعشرين عاماً على انطلاقتها، وتدخل عامها الرابع والعشرين أكثر رسوخاً ونضجاً وحضوراً، وأكثر إصراراً على حماية الكلمة الحرة والدفاع عن حق الإنسان في المعرفة، في زمن تتعرض فيه الحقيقة لشتى أشكال الحصار والتشويه والتزييف.
ثلاثة وعشرون عاماً ليست رقماً عابراً في حياة صحيفة وُلدت في آب عام 2003، والعراق يخرج مثقلاً من حقبة استبداد طويلة، ويدخل مرحلة شديدة الاضطراب والالتباس؛ مرحلة اختلطت فيها الآمال الكبرى بالمخاوف العميقة، والحرية الناشئة بالفوضى، والرغبة في بناء دولة جديدة بإرث ثقيل من الحروب والحصار والانقسامات الاجتماعية والسياسية.
كانت البلاد يومها تقف عند مفترق بالغ الخطورة، تبحث عن ملامح مستقبلها وسط أنقاض الماضي، وتحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى صحافة لا تزيد الضجيج ضجيجاً، ولا تجعل من الجراح مادةً للمتاجرة، ولا تتحول إلى منبر للتحريض أو الاصطفاف، بل تكون صوتاً عاقلاً يسأل ويحلل، ويصغي إلى نبض المجتمع، ويحترم عقل القارئ وحقه في الوصول إلى المعلومة والرأي المختلف.
في تلك اللحظة العراقية المضطربة، ظهرت «المدى» لا بوصفها صحيفة يومية جديدة تُضاف إلى عشرات العناوين التي ازدحم بها المشهد الإعلامي، وإنما بوصفها مشروعاً ثقافياً وفكرياً ووطنياً، ينظر إلى الصحافة على أنها مسؤولية أخلاقية، تتجاوز نقل الأخبار وملاحقة الأحداث إلى المشاركة في بناء الوعي العام، وترسيخ قيم الحوار والمواطنة والعدالة.
لقد أدركت «المدى» منذ بداياتها أن الصحافة لا تكون مؤثرة بما تنشره من أخبار فقط، بل بما تخلقه من أسئلة، وما تفتحه من نوافذ في جدار الصمت، وما تمنحه للقارئ من قدرة على التفكير والمقارنة واكتشاف ما وراء الوقائع. كما آمنت بأن الثقافة ليست ترفاً للنخب، ولا زينة توضع في هوامش الصحف، بل ضرورة اجتماعية وروحية، تحفظ للإنسان قدرته على مقاومة القبح والعنف والخراب.
ولهذا لم تكن صفحاتها مساحاتٍ تتزاحم فيها العناوين والصور، بل فضاءً رحباً للأفكار والآراء والتجارب، وبيتاً للكُتّاب العراقيين والعرب، ومنبراً للأدباء والمفكرين والفنانين والباحثين، الذين وجدوا فيها احتراماً للاختلاف، وإيماناً بأن الحقيقة لا يمكن أن تُختصر في صوت واحد، ولا أن تُحتكر من طرف أو جماعة أو حزب.
ولعلّ أجمل ما جسّدته «المدى» طوال مسيرتها أنها لم تسأل الكاتب عن انتمائه قبل أن تسأله عن قيمة ما يكتب، ولم تزن المقالة بميزان الولاء، بل بميزان الفكر والمسؤولية والموقف الأخلاقي. ولم تجعل الاختلاف سبباً للإقصاء أو التشهير، وإنما اتخذت منه مدخلاً إلى الحوار، وفرصة لإغناء المجال العام وتوسيع دائرة الفهم.
وفي زمن راحت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة تغلق أبوابها أمام الرأي المختلف، وتتحول تدريجياً إلى أبواق للمصالح السياسية والحزبية، فتحت «المدى» نوافذها للكلمة التي تبحث عن النور، وأثبتت أن الحرية ليست شعاراً احتفالياً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية، وامتحاناً مهنياً وأخلاقياً يتجدد مع كل مقال جريء، وكل سؤال يخرج على المألوف، وكل رأي يرفض أن يساوم على ضميره.
وقد كان لي نصيب أعتزّ به من هذه التجربة؛ إذ وجدت في صفحات «المدى» مساحة أكتب فيها مطمئناً إلى أن الفكرة ستصل إلى القارئ محتفظة بروحها ومعناها، من دون أن تُفرغ من مضمونها، أو تُعاد صياغتها بما ينسجم مع حسابات لا صلة لها بجوهر العمل الصحفي.
ولم يكن امتناني لها امتنان كاتب نُشرت مقالاته فحسب، بل امتنان إنسان وجد من يصغي إلى صوته، ويحترم حقه في مراجعة التاريخ، ونقد التجارب، ومساءلة الواقع، وطرح الأسئلة التي قد لا ترحب بها منابر أخرى. فالكاتب لا يبحث عن مساحة للنشر وحدها، بل يبحث، قبل ذلك، عن منبر يحفظ لكتابته كرامتها، ولقارئه حقه في أن يطّلع على الرأي من دون وصاية أو مصادرة.
وبعض ما نشرته لي «المدى» كانت صحف أخرى قد رفضته بصمت، من دون أن تقدم تفسيراً أو تناقش فكرة، غير أن «المدى» استقبلته بثقة وانفتاح؛ لأن الرأي، في تقاليد الصحافة الحرة، لا يُواجَه بالمنع، بل برأي آخر، والحجّة لا تُهزَم بالإخفاء، وإنما بحجّة أكثر قوة وإقناعاً.
ولم تقف «المدى» بعيداً عن جراح العراق وآلام أبنائه. ففي سنوات العنف الطائفي، حين توزعت الأصوات على خنادق الانقسام، دافعت عن هوية وطنية جامعة، ورفضت أن تنحشر في المساحات الضيقة للمكونات والانتماءات الفرعية. وقدّمت العراق بوصفه وطناً يتسع لجميع أبنائه، لا ساحة لتنازع الطوائف والأحزاب.
وحين اجتاح الإرهاب مدناً عراقية، وهدد وجود جماعات أصيلة ضاربة الجذور في تاريخ البلاد، انحازت الصحيفة إلى الضحايا، ووثّقت الألم، ودافعت عن الإيزيديين والمسيحيين وسائر العراقيين الذين سُلبوا أمنهم وبيوتهم وأحلامهم. وأكدت، من خلال تغطياتها ومواقفها، أن الصحافة الحقيقية تصبح، في لحظات الانهيار، صوتاً لمن سُلبت أصواتهم، وذاكرةً لمن يُراد لمآسيهم أن تُنسى.
كما تصدت «المدى» للمحاصصة والفساد، وكشفت أمراض الدولة الريعية، ووقفت إلى جانب المطالبين بالعدالة والكرامة والدولة المدنية. ولم تنظر إلى الديمقراطية بوصفها صندوق اقتراع يُفتح في موسم الانتخابات ثم يُغلق، وإنما بوصفها ثقافةً تحترم الإنسان، ومؤسساتٍ تصون الحقوق، وقضاءً مستقلاً، واقتصاداً يوفر الحياة الكريمة، ومواطنة يتساوى في ظلها الجميع، بعيداً عن الولاءات الطائفية والحزبية والمناطقية.
وكان للثقافة في مشروع «المدى» مكان القلب من الجسد؛ فقد احتضنت الملاحق الأدبية والفكرية والتاريخية، وأقامت معارض الكتب والندوات والمهرجانات، وفتحت أبوابها للأجيال الجديدة، وأسهمت في صيانة الذاكرة العراقية من النسيان والتشويه.
لقد أدركت أن الثقافة هي الحصن الأخير للمجتمع حين تتصدع السياسة، وأن قصيدةً أو روايةً أو لوحةً فنية قد تحفظ للإنسان إنسانيته في زمن ترتفع فيه أصوات البنادق. فالبلدان لا تعيش بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل بما تختزنه من ذاكرة وفنون وآداب، وبما تمنحه لمبدعيها من حرية وقدرة على التعبير.
ولم يكن لهذا المشروع أن يستمر ويترسخ لولا رؤية مؤسس الصحيفة ورئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها الأستاذ فخري كريم، وإيمانه العميق بأن المؤسسات تُبنى بالإنسان قبل الأبنية والمطابع، وأن الصحافة لا تكتمل رسالتها إلا حين تكون حارسةً للوعي والحرية، لا تابعاً للسلطة أو أسيرةً للمصالح.
كما يعود هذا النجاح إلى رئيس التحرير التنفيذي الأستاذ علي حسين، وإلى هيئة التحرير والمحررين والكُتّاب والمراسلين والفنيين والإداريين، الذين صنعوا بإخلاصهم وجهدهم اليومي تقليداً مهنياً وثقافياً يليق بتاريخ العراق، ونجحوا في الحفاظ على حضور الصحيفة وسط تحولات سياسية واقتصادية وإعلامية متسارعة، لم يكن تجاوزها بالأمر اليسير.
إن استمرار صحيفة حرة طوال هذه السنوات في بيئة مشحونة بالتجاذبات والضغوط ليس أمراً عادياً، بل هو شهادة على صلابة المشروع، وعلى قدرة القائمين عليه على حماية استقلاله وهويته، وعلى وفاء القارئ الذي رأى في «المدى» منبراً قريباً من أسئلته وهمومه وتطلعاته.
واليوم، وهي تدخل عامها الرابع والعشرين، لا تحتفل «المدى» بعدد من السنوات فحسب، بل تحتفل بأثر تركته في العقول والقلوب، وبثقة بُنيت بصبر، وبذاكرة صحفية وثقافية أصبحت جزءاً من تاريخ العراق الحديث.
إنها تحتفل بكل كلمة أنارت زاويةً معتمة، وكل تحقيق كشف خللاً، وكل مقال فتح باباً للنقاش، وكل صفحة احتضنت صوتاً كان يخشى أن يضيع في الزحام.
ثلاثة وعشرون عاماً من الصحافة ليست مجرد أرشيف من الورق والحبر، بل حياة كاملة من المواقف والأسئلة والوجوه والقصص.
هي ذاكرة وطن شهد الانكسارات والانتفاضات والآمال المؤجلة، وظل يبحث، وسط العتمة، عن نافذة يدخل منها الضوء.
كل عام و«المدى» بيتاً للكلمة الحرة، وفضاءً للاختلاف المسؤول، ومنارةً لا تنطفئ في وجه العتمة. وكل عام وأسرتها الصحفية والثقافية أكثر حضوراً وإشراقاً، متمسكة بإيمانها بأن الأوطان لا تُبنى بالقوة والثروة وحدهما، بل بالكلمة الصادقة أيضاً؛ تلك الكلمة التي قد لا تغيّر العالم في لحظة، لكنها تظل قادرة على حماية ضميره من الصمت والنسيان.