لم تعد الأزمة داخل المعارضة التركيّة خلافاً على رئاسة حزب الشعب الجمهوريّ وحسب، بل تحوّلت إلى اختبار سياسيّ جديد قد يعيد رسم خريطتها بأكملها. فبعدما أطاح حكم قضائيّ بأوزغور أوزال من رئاسة الحزب، في ذروة صراعه مع سلفه كمال كيليتشدار أوغلو، اختار الرجل الانتقال من موقع الدفاع عن شرعيّته داخل الحزب إلى محاولة تأسيس شرعيّة جديدة خارجه، معلناً إطلاق “الحزب الجديد”.
بذلك انتقلت المعارضة التركيّة من معركة قضائيّة وتنظيميّة إلى امتحان سياسيّ أكثر تعقيداً: هل يشكّل الحزب الوليد بداية إعادة توحيد المعارضة حول مشروع مختلف أم يضيف انقساماً جديداً إلى معسكر يعاني أصلاً من تشتّت القيادة وتضارب الخيارات؟ فنجاح أوزال أو إخفاقه لن يحدّد مستقبل تجربته الشخصيّة فحسب، بل قد يرسم أيضاً ملامح المعارضة التركيّة في مواجهة الرئيس رجب طيّب إردوغان خلال السنوات المقبلة.
لا يعني الانتقال من داخل مؤسّسة حزبيّة ذات تاريخ عريق إلى تشكيل حزب سياسيّ بديل تموضعاً يمنح بالضرورة المغادرين المزيد من الثقل والدور. فالحزب يمنح القياديّ الشرعيّة والتنظيم والهويّة السياسيّة، لكنّ الخروج منه يفرض عليه البحث عن بدائل وخيارات أفضل وليس من سيجلس على مقعد القيادة.
يمتلك أوزغور أوزال المنشقّ عن “حزب الشعب الجمهوريّ” ومؤسّس “الحزب الجديد” عناصر قوّة لا يمكن تجاهلها: خبرة سياسيّة طويلة، حضوراً برلمانيّاً، شبكة علاقات داخل المعارضة، وكتلة برلمانيّة وحزبيّة خرجت معه. لكنّه يواجه في المقابل اختباراً مختلفاً: هل يستطيع إقناع القواعد الحزبيّة والشعبيّة بأنّ مشروعه ليس نتيجة لأزمة داخل الحزب الأمّ فقط، بل محاولة لبناء طريق سياسيّ جديد؟
لا تنجح الأحزاب الجديدة فقط لأنّها تولد في لحظة أزمة، بل لأنّها تستطيع تحويل الأزمة إلى فرصة، وتحويل الاعتراض إلى ثقة، وتحويل القيادة الحزبيّة إلى قيادة وطنيّة.
من الانشقاق إلى اختبار الشّرعيّة السّياسيّة
لم يعد التحدّي أمام أوزال متعلّقاً فقط بالخروج من حزب الشعب أو تأسيس حزب جديد، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكثر صعوبة: هل يستطيع تحويل موقعه كقياديّ سابق في أكبر أحزاب المعارضة التركيّة إلى مشروع سياسيّ قادر على قلب التوازنات وتغيير المعادلات في المسار السياسيّ والحزبيّ التركيّ؟
لا تكمن الصعوبة في السياسة التركيّة دائماً في الوصول إلى موقع القيادة، بل في تحويل هذا الموقع إلى قدرة على إعادة تشكيل التوازنات. لذلك لا تتمثّل مهمّة أوزال الأساسيّة في مغادرة حزب الشعب الجمهوريّ، بل في بناء شرعيّة سياسيّة تتجاوز إعادة ترتيب صفوف المعارضة. ففي السياسة، هناك فرق بين من يغادر مكاناً ومن يفتح طريقاً جديداً.
وقد عرف أوزال أنّ التحدّي لا يكمن في إقناع الذين خرجوا معه فقط، بل في الوصول إلى الذين لم يكونوا جزءاً من هذه المعركة أصلاً.
يمثّل انتقال أوزال من داخل حزب الشعب إلى مشروع سياسيّ مستقلّ أصعب امتحان في مسيرته السياسيّة. فالقيادة داخل حزب تاريخيّ تمنح صاحبها أدوات مهمّة بينها الشرعيّة التنظيميّة، الذاكرة الحزبيّة، القاعدة الانتخابيّة، والهويّة السياسيّة الجاهزة. لكنّ المشكلة التي تواجه كثيراً من المنشقّين عن الأحزاب الكبرى أنّهم لا يقدّمون دائماً رؤية المستقبل. ويبقى خطابهم مرتبطاً بالأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل أكثر من ارتباطه بالأسئلة التي ينتظر الناخب الإجابة عنها.
هنا يكمن المنعطف الكبير أمام أوزال: هل يكون مشروعه تمرّداً على ما حلّ بحزبه وقياداته وبلديّاته أم محاولة تصفية حسابات مع كمال كيليشدار أوغلو الذي أزاحه عن رئاسة الحزب بقرار قضائيّ؟ لا يستطيع الحزب الجديد أن يعيش طويلاً على سؤال “لماذا غادرنا حزب الشعب؟”، بل عليه أن ينتقل سريعاً إلى سؤال “لماذا يحتاج الناخب التركيّ إلينا؟”.
المعارضة بين التّكرار والتّجديد
المسافة بين الزعيم الحزبيّ والزعيم الوطنيّ لا تُقاس بحجم الموقع الذي غادره، بل بحجم المساحة الجديدة التي يستطيع بناءها. فأوزال لا يواجه فقط مهمّة تأسيس إطار تنظيميّ جديد، بل مهمّة إعادة تعريف موقعه في قلب التوازنات السياسيّة والحزبيّة التركيّة المقبلة.
تاريخيّاً، لم تفشل الكثير من المشاريع السياسيّة بسبب ضعف الفكرة، بل بسبب سوء توقيت الولادة. من هنا يدرك أوزال أنّ المعركة التي تنتظره ليست فقط حول شرعيّة القيادة، بل حول القدرة على تحويل اللحظة الحاليّة إلى حضور سياسيّ دائم. ولا يواجه أوزال خصومه السياسيّين فقط، بل يواجه أيضاً سباقاً مع الزمن. عند هذه المرحلة يتحوّل النقاش من مسألة تنظيميّة إلى خيار استراتيجيّ يتّصل بقراءة اللحظة التركيّة المقبلة.
في قلب هذه المعادلة وقف أوزال أمام خيارين رجح الثاني منهما: انتظار نهاية معركة الشرعيّة داخل حزب الشعب الجمهوريّ في ضوء قرار محكمة التمييز بعد أسابيع، أو الانتقال سريعاً إلى بناء مشروع جديد قبل أن تضيق مساحة الحركة وتصعب لملمة ما تبعثر.
يمتلك أوزال ميزة مهمّة تتمثّل في أنّه لا يأتي من خارج المعارضة، بل من قلبها. فهو يعرف أدواتها، وخطابها، وحدودها، ونقاط ضعفها. لكنّه في الوقت نفسه يواجه تحدّياً معقّداً: كيف يحوّل خبرته داخل المعارضة إلى مشروع قادر على إعادة تعريف معارضة لا تحتاج إلى عدد أكبر من الأحزاب، بقدر ما تحتاج إلى قيادة مُقنعة وتحالفات أكثر فاعليّة؟
إذا بقيت التجربة محكومة بتوازنات الشخصيّات والخلافات الداخليّة، فقد تصبح إضافة جديدة إلى خريطة المعارضة من دون أيّ تغيير في قواعد اللعبة. ولهذا ستُقاس تجربة أوزال بقدرته على الإجابة عن سؤال جوهريّ: هل جاء ليقدّم نسخة جديدة من بيئة سياسيّة قديمة أم ليقدّم صيغة مختلفة للسياسة التركيّة؟
الرّهان على النّاخب لا الحزب
عرفت تركيا كثيراً من السياسيّين الذين خرجوا من مؤسّساتهم الحزبيّة والسياسيّة وهم يحملون شرعيّة الاعتراض، لكنّ القليل منهم استطاع تحويل هذه الشرعيّة إلى مشروع يغيّر قواعد اللعبة. فالناخب لا يمنح ثقته لمن يشرح له أزمة الماضي فقط، بل لمن يقنعه بأنّ المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً.
تكمن أهميّة تجربة أوزال في أنّ نجاحها لن يعني فقط اقتطاع جزء كبير من قاعدة حزب “الشعب الجمهوريّ”، بل قد يعني ظهور مركز سياسيّ جديد داخل التوازنات التركيّة.
لا يواجه أوزال سؤال بناء حزب فقط، بل سؤال بناء توازن جديد: كيف يكون حزباً مستقلّاً من دون أن يزيد من تشتّت المعارضة؟ وكيف يقود مساراً جديداً من دون أن يتحوّل إلى منافس إضافيّ داخل المعسكر نفسه؟
خرج أوزال من داخل حزب الشعب الجمهوريّ حاملاً معه فرصة سياسيّة كبيرة. لكنّه يدخل الآن مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة لا يكفي فيها أن يكون عنواناً للتغيير داخل حزب، بل يجب أن يصبح عنواناً للتغيير في تركيا بأكملها.
ما ينتظر أوزال ليس سؤال المنافسة مع حزب الشعب، بل قدرته على تقديم بديل سياسيّ يعيد رسم خيارات الناخب التركيّ. يعرف أنّ الأحزاب لا تصنع التاريخ لأنّها جديدة، بل لأنّها تأتي في اللحظة التي يصبح فيها المجتمع مستعدّاً للاستماع إلى فكرة جديدة.
ما يجري اليوم يعيد طرح سؤال قديم في السياسة التركيّة: متى يتحوّل الخروج من حزب تاريخيّ إلى بداية مسار سياسيّ جديد؟ ومتى يبقى فصلاً إضافيّاً في سجلّ الانقسامات الحزبيّة وحسب؟
