الرباط- فتح المغرب صفحة سياسية جديدة بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة، في سابقة تتجاوز بعدها الرمزي إلى اختبار سياسي للحكومة الجديدة في مرحلة تتزامن مع تحديات اقتصادية واجتماعية واستحقاقات تنموية كبيرة.
وأعلن القصر الملكي، الثلاثاء، أن العاهل المغربي الملك محمد السادس استقبل المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك بعد أيام من تصدر حزبها الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول الجاري.
وتحمل الخطوة دلالة خاصة على مستوى تمثيل المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية، خصوصاً أن المنصوري تدخل الحكومة من موقع سياسي متقدم، وليس باعتبارها شخصية مستقلة عن المسار الانتخابي. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، والاستقلال بـ65 مقعداً، والعدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
◄ وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السلطة التنفيذية الجديدة على تحويل التمثيل السياسي إلى سياسات اقتصادية واجتماعية
وبموجب الدستور المغربي، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، فيما يتولى رئيس الحكومة اقتراح أعضاء الحكومة. وتأتي تسمية المنصوري بالتالي في إطار المسار الدستوري الذي أعقب الانتخابات، وليس كقرار منفصل عن نتائجها.
لكن السابقة التاريخية لا تلغي الاختبار السياسي المباشر الذي ينتظر رئيسة الحكومة المكلفة. فحصول حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً لا يمنحه الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة منفرداً، إذ تحتاج الأغلبية البرلمانية إلى 198 مقعداً على الأقل. وهذا يعني أن المنصوري ستبدأ مهمتها بمشاورات سياسية لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين الدعم البرلماني للحكومة الجديدة.
وتزداد أهمية هذه المشاورات في ضوء التغير الذي أفرزته الانتخابات داخل الخريطة الحزبية. فقد تراجع حضور التجمع الوطني للأحرار مقارنة بالانتخابات السابقة، بينما استعاد حزب العدالة والتنمية جزءاً مهماً من حضوره البرلماني بحصوله على 54 مقعداً، بعد أن كان قد تراجع إلى 13 مقعداً في انتخابات 2021. وفي المقابل، حافظ حزب الاستقلال على موقع متقدم بحصوله على 65 مقعداً.
وبعيداً عن الحسابات العددية، تواجه الحكومة المقبلة اختباراً اجتماعياً لا يقل أهمية عن اختبار تشكيل الأغلبية. فقد جرت الانتخابات في أجواء اتسمت بتراجع المشاركة، إذ بلغت نسبة التصويت نحو 38 في المئة، وهو مستوى يعكس استمرار مشكلة المشاركة السياسية، خصوصاً في أوساط الشباب.
ومن هنا، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السلطة التنفيذية الجديدة على تحويل التمثيل السياسي إلى سياسات تستجيب للملفات التي كانت حاضرة في النقاش الانتخابي. فالمنصوري ستواجه، إلى جانب بناء الائتلاف، ملفات تتعلق بالتشغيل والأجور والخدمات الاجتماعية والاستثمار وتقليص الفوارق، وهي ملفات سبق أن شكلت جزءاً من تعهدات الأحزاب خلال الحملة الانتخابية.
◄ تملك المنصوري خبرة تنفيذية وسياسية؛ فهي محامية تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما شغلت منصب عمدة مراكش
كما ستتولى الحكومة الجديدة إدارة مرحلة استثنائية من الاستثمار والاستعداد لاستضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، نهائيات كأس العالم 2030. وينتظر أن تشرف الحكومة المقبلة على المراحل النهائية من برنامج استثماري كبير للتحضير للحدث، بالتوازي مع مبادرات تستهدف تقليص التفاوت والاستجابة لمطالب الشباب.
وتملك المنصوري خبرة تنفيذية وسياسية سابقة؛ فهي محامية تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما شغلت منصب عمدة مراكش، وكانت منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. ويمنحها ذلك مساراً سياسياً وإدارياً قبل انتقالها إلى رئاسة الحكومة، وإن كان المنصب الجديد يضعها أمام نطاق أوسع بكثير من المسؤوليات.
وتأتي السابقة المغربية بعد تجربة تونسية سبقتها في العالم العربي، حين تولت نجلاء بودن رئاسة الحكومة التونسية في 2021، لتصبح أول امرأة في تونس والعالم العربي تشغل المنصب. أما في الحالة المغربية، فتكتسب الخطوة خصوصيتها من ارتباطها بنتيجة انتخابية وتكليف دستوري مباشر للحزب المتصدر.
وبذلك، لا يقتصر تعيين المنصوري على كونه لحظة رمزية في مسار مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية، بل يضعها أمام مهمة سياسية كاملة تبدأ بتشكيل أغلبية وتنتهي بإدارة مرحلة تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية مع طموحات الاستثمار والتنمية والاستعداد لمونديال 2030. وتبقى قيمة السابقة مرتبطة، في النهاية، بما ستستطيع الحكومة الجديدة إنجازه في الملفات التي دفعت الناخبين إلى صناديق الاقتراع، وبقدرتها على تحويل التغيير في رأس السلطة التنفيذية إلى أداء حكومي ملموس.