قد لا نعرف الحقيقة الكاملة في قصة بتول سليمان علوش في أي وقت، فهي وحدها تعرف كل الحكاية، لكن هناك حقائق نعرفها، من بينها أن جمهوراً عريضاً يستخدم مبدأ «حرية العقيدة» للقول إنها ليست مختطفة.

ما يلي ليس عن قصة بتول بالذات، بل عن «حرية العقيدة»، وعن قضية من باتوا يُعرَفون بـ«المهتدين». و«المهتدون»، حسب دعاية الجماعات الدعوية السلفية في الأيام القليلة الماضية، هم علويون وعلويات «اهتدوا إلى الإسلام بعد ضلال»:

المجازر: ينحدر «المهتدون» من جماعة تعرّضت قبل نحو عام لمجازر إبادية، وتقول رواية المدافعين عن «حرية العقيدة» إن «المهتدين يختارون بإرادتهم الحرة» أن ينتقلوا من الجماعة التي وقعت عليها المجازر إلى الجماعة التي ينحدر منها مرتكبو المجازر.

الاستباحةتتعرض الجماعة التي ينحدر منها «المهتدون» لمستويات متفاوتة من الاستباحة، اشتدت واستمرت بعد المجازر. استباحةٌ معنوية من قبل مؤثرين ومشايخ أغلبهم تربطه علاقة وثيقة بالسلطة، تتراوح أقوالهم بين تكفير العلويين، والدعوة للانتقام الشامل منهم بذريعة مسؤوليتهم الجماعية عن جرائم الأسدية، وإنكار حقهم في العدالة والمواطنة المتساوية والحقوق. واستباحةٌ فعلية يتغير مستواها من وقت إلى آخر ومن مكان آخر، من قتل شبه يومي في حمص دون إلقاء القبض على أي من القتلة، إلى خطف عشرات النساء مع إنكار رسمي لوقائع الخطف، إلى إقصاء ممنهج من المؤسسات العامة. يتم التعامل مع العلويين كجماعة مغلوبة يجب أن تخضع لجماعة غالبة، والانتقالُ من دين المغلوبين إلى دين الغالبين معروفٌ في تواريخ البشر، ولا يمكن أن ينسبه عاقلٌ منصفٌ إلى «حرية العقيدة».

السيادة: لدينا سياق قانوني وسلطوي يمنح السيادة الدينية التامة للإسلام بنُسخته السنّية، بالتزامن مع تكفير صريح للعلويين كما في فتوى صدرت مؤخراً للشيخ السلفي عبد الرزاق المهدي الدمشقي، أو تكفير ضمني يجعلُ تحوّلهم إلى المذهب السنّي دخولاً في الإسلام. يجري الحديث عن «حرية العقيدة» في سياق يَحظرُ تركَ الإسلام على المسلمين، ويَحظرُ الدعوةَ العلنية لأي دين غير الإسلام السنّي. في هذا السياق، تنشطُ جماعات دعوية سلفية مستفيدة من السلطة وسطوتها، ومن فتح المجال أمامها وإغلاقه في وجه غيرها، وهذا تناقضٌ لا يستقيم مع الحديث عن «حرية العقيدة».

غياب الدولة العامةلا تقف السلطة على مسافة واحدة من مواطنيها، وقد تجندت أجهزتها الرسمية، ومسؤولون فيها من مختلف المراتب والاختصاصات، مراراً للدفاع عن أنماط متنوعة من التمييز الديني والطائفي. ليست «الدولة» حَكَمَاً مُحايداً، ولو أن لدى أجهزتها إدراكاً لما ينبغي أن تكون عليه وظيفتها، لوجدت وسائل للتعامل مع قضايا بالغة الخطورة كهذه غير التريندات والاستعراضات الإعلامية واستخدام مؤثرين موالين لها كوسيلة للدعاية.

«حرية عقيدة» بلا «حرية»لا يمكن الحديث عن حرية عقيدة في سياقات قانونية وسلطوية ليس فيها حريات سياسية أو اجتماعية. لا توجد الحرية في الطبيعة، بل توجد فقط في ظلِّ قانون يكفلها ومؤسسات تُطبِّق هذا القانون، وهذا ما لا نعيشه أو نعرفه في سوريا.

والحال هذا، فإن الحديث عن «حرية العقيدة» في سوريا اليوم يبدو أشبه بمزحة سمجة، وخديعة لا تنطلي إلّا على من يريد سلفاً أن تنطلي عليه، خاصة عندما يأتي على ألسنة أشخاص لا يؤمنون بحق أحد في اختيار دينه، إلّا عندما ينصبُّ الاختيار حصراً على دينهم هُم. في أوضاع كهذه، تلك ليست دعوة دينية، بل هي عدوان على المجتمع، ومضخة للمجازر والحروب الأهلية.