لو تأملنا في تاريخ الكنيسة المسيحية، سنجد أن الصراع بين المذاهب لم يكن أقل حدّة من الصراع الذي عرفه العالم الإسلامي بين مدارسه الفقهية ومذاهبه العقائدية. الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت خاضوا حروبًا دموية، وأنتجوا انقسامات حادة في المجتمعات الأوروبية، حتى بدا أن الدين نفسه تحول إلى لعنة على وحدة الشعوب. لكن، مع تراكم التجارب السياسية والاجتماعية، استطاعت الكنيسة أن تتجاوز هذا الخلاف ليس بإلغاء الفوارق العقائدية، بل بخلق ثقافة جديدة تقوم على القبول بالآخر. لم يكن ذلك إنجازًا فرديًا لرجل دين أو حاكم، بل كان ثمرة مسار طويل من الإصلاحات، الحوارات، والتجارب المؤسسية التي امتدت من المجامع الكنسية إلى المدارس والجامعات، ومن البيت إلى الدولة والدستور.
هذا النموذج التاريخي يفتح الباب أمام مقارنة ضرورية مع ما يطرحه الرئيس السوري أحمد الشرع. الرجل أعلن عن مبادرة لتوحيد الخطاب الديني، تقوم على جمع الطوائف والمذاهب الفقهية تحت مظلة واحدة، دون إلغاء أي منها أو فرض مذهب على حساب الآخر. من حيث الشكل، تبدو الفكرة جذابة، بل طموحة إلى حدّ أنها توحي بمحاولة إنجاز ما عجز عنه علماء الدين والحكام على مدى 1450 عامًا. لكن السؤال الجوهري هو: هل يمكن لمبادرة فردية، مهما كانت نواياها، أن تحقق ما لم يتحقق عبر قرون؟
الشرع يقدّم مشروعه على أنه خطوة نحو الوسطية، لكن الوسطية ليست شعارًا يُرفع في خطاب سياسي أو ديني، بل هي ثقافة تُزرع في المجتمع عبر التربية والتعليم، وتُمارس في الحياة اليومية عبر الحوار والتعايش. التجربة المسيحية تُظهر أن تجاوز الانقسامات يحتاج إلى مؤسسات قوية، إلى تراكم من الحوارات والمراجعات، وإلى استعداد حقيقي للاعتراف بالآخر لا مجرد استيعابه تحت مظلة شكلية. لذلك فإن أي محاولة لتوحيد الخطاب الديني من أعلى، دون بناء قاعدة اجتماعية وثقافية واسعة، قد تتحول إلى صك على بياض يمنح المتشددين فرصة لإدارة الشأن الديني على هواهم.
مبادرة الشرع تعلن من جهة عن رغبة في جمع المختلفين، لكنها من جهة أخرى قد تُعيد إنتاج هيمنة جديدة باسم الوحدة. التاريخ الإسلامي مليء بمحاولات مشابهة، من محاولات الخلفاء لتوحيد المرجعية الدينية، إلى مشاريع الإصلاح الحديثة التي سعت إلى ضبط الخطاب الديني عبر مؤسسات الدولة. لكن النتيجة غالبًا ما كانت تنتهي بتعزيز سلطة مركزية على حساب التعددية الفكرية، وإضعاف حرية الاجتهاد التي شكّلت في الأصل مصدر ثراء الحضارة الإسلامية.
الشرع يحمل تاريخًا مليئًا بالمدلولات، وهذا يجعل مبادرته محلّ تساؤلات. هل هي فعلًا محاولة صادقة لبناء أرضية مشتركة، أم مجرد مشروع سياسي لإعادة إنتاج سلطة دينية مركزية؟ وهل يمكن أن تتحول إلى خطوة نحو الاعتدال، أم تفتح الباب أمام مزيد من التشدد تحت شعار الوحدة؟
الجواب لا يكمن في شخص الشرع وحده، بل في السياق الأوسع. إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى حوار طويل يبدأ من المدرسة والبيت ودور العبادة، وينتهي بمؤسسات الدولة والدستور، فإنها قد تفتح الباب أمام ثقافة جديدة شبيهة بما عرفته الكنيسة في أوروبا. لكن إذا بقيت مجرد إعلان سياسي أو رغبة شخصية، فإنها ستظل حبرًا على ورق، وربما تتحول إلى أداة جديدة للهيمنة.
إن توحيد الخطاب الديني مهمة معقدة، لا يمكن اختزالها في قرار أو مبادرة فردية. هي عملية تاريخية تحتاج إلى تراكم من التجارب، إلى إصلاحات مؤسسية، وإلى استعداد حقيقي من مختلف الأطراف للاعتراف بالآخر. التجربة المسيحية تُظهر أن الطريق طويل، وأن النجاح لا يأتي من إلغاء الفوارق بل من قبولها ضمن إطار أوسع.
لكن هنا يبرز البعد السياسي الذي لا يمكن تجاهله. فالمبادرات الكبرى التي تتعلق بالدين لا تنفصل عن السلطة، ولا عن رغبة الحكومات في ضبط المجال العام. الشرع، قد يجد نفسه في موقع يتيح له فرض خطاب موحد، لكنه بذلك يغامر بتحويل الدين إلى أداة سياسية جديدة، بدلًا من أن يكون فضاءً للتعددية. وهذا ما يجعل المبادرة محفوفة بالمخاطر؛ فهي قد تُعيد إنتاج الهيمنة باسم الوحدة، وتفتح الباب أمام مزيد من التشدد بدلًا من الاعتدال.
للمضي قدما يجب أن يطرح السؤال: كيف يمكن تحويل هذه المبادرة إلى خطة مؤسسية طويلة الأمد؟
هناك أربع ركائز يجب عدم إغفال أي منها إذا أريد للمبادرة أن تحقق النجاح وتحظى بقبول أكبر طيف من المجتمع السوري المتعدد الأطياف.
أول ما تحتاجه المبادرة هو تأسيس إطار مؤسسي مستقل، هيئة جامعة تضم ممثلين عن مختلف المذاهب والمدارس الفقهية، بحيث تكون منصة للحوار لا للهيمنة. هذا المجلس يجب أن يكون محصنًا من التدخل السياسي المباشر، لأن أي محاولة لفرض خطاب موحد من خلال السلطة ستحوّله إلى أداة جديدة للسيطرة.
لكن المؤسسة وحدها لا تكفي. المطلوب هو بناء ثقافة الاعتراف بالآخر، وهي ثقافة لا تُفرض بقرار، بل تُزرع عبر التعليم والإعلام والخطاب العام. الشرع يحتاج إلى إطلاق برامج تعليمية تبدأ من المدارس والجامعات، تُرسّخ قيمة التعددية، وتُبرز المشتركات بدلًا من تضخيم الفوارق. الإعلام بدوره يجب أن يُعيد صياغة خطابه ليجعل التنوع قيمة إيجابية، لا تهديدًا.
الحوار الطويل المدى هو الركيزة الثالثة. لا يمكن أن يُبنى خطاب ديني موحد بين ليلة وضحاها، بل عبر مؤتمرات دورية تجمع علماء الدين والمفكرين من مختلف الطوائف، لإنتاج خطاب مشترك حول القضايا الكبرى: العدالة، المواطنة، حقوق الإنسان. التركيز هنا يجب أن يكون على القضايا العملية التي تهم الناس في حياتهم اليومية، بدلًا من الغرق في الخلافات العقائدية القديمة.
كما استفادت أوروبا من تجربة مريرة لتبني ثقافة جديدة، يمكن لسوريا أن تستفيد من هذا التشابه التاريخي لتدرك أن الحل لا يكمن في إلغاء الفوارق، بل في ثقافة الاعتراف بالآخر
إصلاح المؤسسات الدينية والتعليمية يمثل الخطوة الرابعة. المناهج يجب أن تُقدّم صورة متوازنة عن المذاهب المختلفة، وتُبرز المشتركات، فيما تُحوّل دور العبادة إلى فضاءات للتربية على التسامح، لا ساحات للتعبئة الطائفية. هذه الإصلاحات يجب أن تُترجم في النهاية إلى بنية قانونية ودستورية تعترف بالتعددية، وتجعلها جزءًا من هوية الدولة.
لكن كل ذلك يحتاج إلى خطوات عملية تدريجية تُبني الثقة. يمكن البدء بمشاريع صغيرة مشتركة، خدمات اجتماعية أو مبادرات خيرية، تجمع ممثلين من مختلف الطوائف، لتُظهر أن التعاون ممكن وأن الوحدة ليست مجرد شعار. كما يمكن تطوير خطاب إعلامي موحد حول القضايا الإنسانية الكبرى مثل الفقر والجوع والعدالة الاجتماعية، ليكون نموذجًا عمليًا للوحدة.
نجاح الخطة يتوقف على شرط أساسي: أن يدرك القائمون على المبادرة أن ما يتم طرحه ليس مشروعًا قصير المدى، بل مسارًا تاريخيًا يحتاج إلى صبر، إلى مؤسسات، وإلى استعداد حقيقي من مختلف الأطراف للاعتراف بالآخر. الشرع إذا أراد أن ينجح، عليه أن يتبنى هذا المنطق، وأن يدرك أن الوحدة لا تعني الهيمنة، بل تعني الاعتراف المتبادل.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن تتحول المبادرة إلى خطوة نحو الاعتدال، أم أنها مجرد إعادة إنتاج للهيمنة باسم الوحدة؟ التاريخ وحده سيجيب، لكن المؤكد أن أي محاولة لتوحيد الخطاب الديني لن تنجح إلا إذا تحولت إلى خطة متدرجة، مؤسسية، طويلة الأمد، تُبنى على الحوار لا على الهيمنة.
التجربة الأوروبية في الماضي أظهرت أن الانقسامات المذهبية يمكن أن تتحول إلى حروب دامية، لكنها أيضًا أظهرت أن هذه الحروب يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو ثقافة جديدة. الحربان العالميتان الأولى والثانية لعبتا دورًا حاسمًا في دفع الكنائس إلى إدراك أن الانقسام يهدد وجودها، فبدأت مسيرة طويلة من الحوار انتهت إلى صيغة “الوحدة في التنوع”.
سوريا والمنطقة اليوم أمام وضع مشابه: صراعات طائفية أضعفت الدولة، ومزّقت النسيج الاجتماعي، وأنتجت أجيالًا من الكراهية. لكن كما استفادت أوروبا من تجربة مريرة لتبني ثقافة جديدة، يمكن لسوريا أن تستفيد من هذا التشابه التاريخي لتدرك أن الحل لا يكمن في إلغاء الفوارق أو فرض مذهب واحد، بل في بناء ثقافة الاعتراف بالآخر، وغرس قيم التعايش انطلاقا من المدرسة والبيت، وصولًا إلى مؤسسات الدولة والدستور.