في وقتٍ يبدو أنّ حسابات الحرب والسلم مع إيران لم تعد شأنًا أميركيًا منفردًا، تتكشف أبعاد جديدة لعلاقة الرئيس دونالد ترامب بحلفائه الخليجيين، تثبت أنّ واشنطن لن تذهب إلى الحرب في اليمن لوحدها، أي من دون حلفائها، وسط تململ متصاعد داخل أوساط “الدولة العميقة” في واشنطن من سياسات عربية عدة، تتقاطع فيها ملفات التطبيع والتقارب مع بكين وإسلام آباد.
طرح انقلاب الأمور بعد التطورات الميدانية في اليمن، أسئلة عدة لدى المتصلين بالدولة العميقة للإدارة الأميركية. يسجل هؤلاء امتعاضهم من بعض السياسات الخليجية:
- رفض التطبيع مع إسرائيل على الرغم من إلحاح ترامب على ذلك باعتباره جزءاً من حملته الإعلامية المرافقة لحربه ضد إيران، والتي شاركته فيها إسرائيل. تعتقد أوساط الدولة العميقة في واشنطن أنّ دول المنطقة تستفيد مما أنجزه الرئيس الأميركي في إضعاف طهران في صراعها مع جيرانها، وأنّ على الأخيرة رد الجميل بالانضمام إلى هذه الاتفاقات.
يذهب مؤيدو ترامب إلى حدّ احتساب رفض التطبيع مع إسرائيل معاكساً لمصالحه الانتخابية قبيل الانتخابات النصفية، لأنه سيعوّض له الانتقادات الداخلية بأنه خاض الحرب من دون القدرة على إنهائها. ينسب بعض المراقبين الأميركيين لجوء بعض الدول العربية إلى التعاون مع الدولة العبرية في مواجهة المخاطر الإيرانية على أمنها، إلى محاولتها استدراك الامتعاض الأميركي من رفضها التطبيع.
من هنا جاء اجتماع بعض العسكريين العرب والخليجيين في روما قبل زهاء أسبوع مع رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي إيغال زامير في ألمانيا… فالانتلجنسيا الأميركية الترامبية الحاكمة تفضّل أن يتجّه العرب إلى “استرضاء” إسرائيل بدل السياسة المتبعة حالياً…
مراهنة على باكستان والصين؟
- بالنسبة إلى واشنطن، لا يعني قبولها بوساطة باكستان التي تحركت بتشجيع من الصين، أن تراهن الدول العربية لا سيما الخليجية، على هاتين الدولتين في مواجهة إيران وإسرئيل. وعلى الرغم من تضامن واشنطن مع الدول الخليجية في مواجهة التهديد الإيراني، فإنّ مؤيدي إسرائيل في الدولة العميقة الأميركية لا يرتاحون للتوجّه الخليجي بالاعتماد على قوى دولية وإقليمية من أجل ضمان أمن الملاحة البحرية وسوق الطاقة.
تعتقد واشنطن أنّ مراهنة هذه الدول على بكين وباكستان يجافي تكبّدها الأكلاف المادية والسياسية، الداخلية، لتعطيل قيام طهران بتهديد مصالح الخليج العربي، عبر محاصرتها لطموح “حرس الثورة” لفرض هيمنته على المنطقة.
يشمل الامتعاض الأميركي تركيا أيضاً، التي تتعاطى بقدر من الحيادية في الحرب الأميركية مع إيران، حيث يتم مراقبة سلوك أنقرة ومدى التزامها الحصار الاقتصادي على طهران. هذا فضلاً عن أنّ البعض في واشنطن يرى أنّ إيران نفسها والدول العربية تخطئ في قراءة الموقف الصيني ولحدود تعاطفه مع الجانب الإيراني، الذي يبالغ في الترويج لتقاربه مع الصين في تأمين الحماية له.
مراقبة الجالية الشيعية في أميركا؟
- يستعيد بعض أوساط الدولة العميقة في واشنطن رفض بعض الدول الخليجية مرور الطائرات الأميركية والإسرائيلية في أجوائها من أجل قصف الأهداف في إيران. يذكّر هؤلاء بعدم مراعاة طهران لموقف هذه الدول، واستهداف منشآتها النفطية والمدنية فيها، وتولي القوات الأميركية الرد على هذا الاستهداف.
- يلفت من يلتقون رموز الدولة العميقة في واشنطن إلى أنّ هؤلاء يتحدّثون بلهجة عدم الاطمئنان إلى تحريض طهران الجاليات الشيعية في أميركا ضد سياسة إدارة ترامب بمواجهة إيران و”الحزب” في لبنان. باتت هذه الجاليات في بعض الولايات الأميركية خاضعة للمراقبة أكثر من السابق. ترتكز الشكوك وعلامات الاستفهام حول بعض أنشطة هذه الجاليات إلى القاعدة التي تقول إنها “ليست ضد سياسات أميركا في المنطقة بل هي ضد أميركا نفسها”.
يبدو أنّ العوامل المذكورة أعلاه وغيرها، ستكون حاضرة في دوافع “القرار الكبير” الذي وعد به ترامب سواء كان عسكرياً أم تفاوضياً وفي لقائه مع ممثلي الدول الخليجية في نيويورك. لكنه لن يقبل أن يحارب وحده بل المطلوب من الحلفاء أن يشاركوا في هذه الحرب.
رهان المتشددين بين حدين
إلى ذلك، وعلى الرغم من تحذيرالمفاوض الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف من أنّ “رفض التفاوض” من قبل المتشددين في بلاده “خطأ استراتيجي يدفع البلاد نحو الاستنزاف وحرب لا نهاية لها”، فإنّ طهران ما زالت على سياستها التحكم بمنطقة الخليج والحصول من واشنطن على تأييدها لدورها الإقليمي.
وإذ توجه قاليباف بكلامه إلى النواب الذين سبق أن خوّنوا التفاوض داخل البرلمان، فإنّ التطورات على الساحل الغربي اليمني أخذت الوضع في الخليج إلى مكان آخر. يرى المتشددون أنّ الحرب أسقطت الرهان على تعهّدات واشنطن الأمنية، وأنّ التحوّلات الجارية تعيد رسم التوازنات الإقليمية لصالح تعزيز نفوذ إيران وترسيخ مكانتها كركيزة لا غنى عنها لأمن الطاقة واستقرار المنطقة.
تتراوح مراهنة المتشددين بين حدّين:
- أن يجبر تحكمها في اقتصادات المنطقة، دول الخليج، على التفاوض معها وفقاً لشروطها، سواء في شأن هرمز أو نفوذها الإقليمي.
- أن تنجح وساطة الصين المنتظرة أثناء لقاء ترامب مع الرئيس شي جينغ بينغ في واشنطن في 27 أيلول الجاري، في خفض المطالب الأميركية من طهران سواء بالنسبة إلى دورها الإقليمي أو في حماية حلفائها في اليمن والعراق ولبنان… فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سلّم وفق بعض التقديرات أوراقاً تفاوضية لبكين أثناء زيارته لها الأسبوع الماضي.
