هاني عضاضة.. المصدر موقع درج
فسَّر ماركس بالتفصيل المملّ كيف يَمْثُلُ الوعي الاحتجاجي البدائي نحو التخريب والتدمير أولاً، وانطلاقاً من هذا التفسير، ليس كل وعي احتجاجي ثورياً، ولكن في الوقت ذاته، ليس كل وعي احتجاجي وليد ثقافة صاحبه أو هويته، بل هو وليد الظروف المادية التي تفرض عليه الشعور بالغربة والاستلاب الماديين.
ليس في الاحتجاجات الفرنسية لغزٌ مستحيل الحل حقاً، لكن العقل الأحادي الذي ينظر إلى كل ظاهرة أو حدث من زاوية التماثل، يستعصي عليه فهم أي شيء من خارج منطق الثنائيات. ومعادلة التماثل الضحلة هذه، المكوّنة من ثنائيات متضادة مستقلة بذاتها ومطلقة في جوهرانيتها، ولا تحتملُ تركيباً أو تداخلاً معقداً، تنطبق على كل شيء تقريباً في نظر هذا العقل، من السلطة والشعب، إلى النظام والفوضى، والمواطن والمهاجر، والشرق والغرب، وأي ثقافة ضد أخرى، وأي حضارة ضد أخرى… إلخ، وصولاً إلى عجزه عن استيعاب الثابت والمتغيّر في حدّ ذاتهما، إذ لا يلحظ مواضع التغيّر في الثابت ولا الثابت في كونه عاملاً محدِّداً في المتغيّر.
وهو العجزُ ذاته الذي يتمظهر اليوم في قراءة هذا العقل الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح فرنسا وعدداً من الدول الأوروبية، إذ يختزل الاحتجاجات المنطوية على مجموعة كبيرة من التراكمات، والعوامل المباشرة وغير المباشرة والمحلية والخارجية، والتعقيدات الاجتماعية والاقتصادية، في ثنائيّة مسطّحة يمكن اختصارها في عبارتين: “همجية غوغائية” و”ثورة نقية”.
ويتشارك أقصى اليسار “الووكيزمي” وأقصى اليمين “الأنتي-ووكيزمي”، الثقافويّان بامتياز، في هذه الفيتشية الجوهرانية، الجاثية أمام الكهنوت الهويّاتي، وإن كان من موقعين متضادّين في الظاهر، فيما تنهل تيارات وسطية عدة من واحة هذين التيارين الأقصويين عبر أخذ ما يطيب لها منها و”تنقيتها” من “الشوائب” وقولبة صياغتها من دون المسّ بجوهرها ثم إعادة طرحها في عالم السياسة والفكر، كمثلِ من يطلبُ من برنامج ذكاءٍ اصطناعي تزويده بأفكار “جديدة” ليفسّر بها واقعه في الحاضر، مغفلاً (أو متغافلاً) أنها معادٌ تدويرها وتعكسُ ماضياً لن يعود وظروفاً لن تتكرّر. وإن تشابهت الأحداث والظواهر في الشكل، إلا أن العوامل الكامنة خلف ولادتها متغيّرة في ترتيبها ومتحوّلة في طبيعتها ومرنة في ديناميكياتها الداخلية في كل آن.
من السهل حقاً أن يتناول المرء حدثاً معيناً بالتقييم والنقد من موقع الحكم الأخلاقي، ملقياً ما في جعبته من تصوّرات مسبقة وأحكام جاهزة، متجاوزاً تفكيك الحدث ضمن سياقه الواقعي وشروطه المادية التاريخية بقفزةٍ واحدة وبخفّة ورشاقة لا مثيل لهما. ولا طائل من مواجهة هذا المنطق التبسيطي من خلال التركيز على الحدث نفسه، من موقع أخلاقي مضادّ يتخذ من الدفاع والتبرير نهجاً. مثل هذا المنطق يُعالج بالنقض لا النقد، وبهدم الأسس الفكرية والأيديولوجية التي ينبني عليها في الأصل.
لا بدّ لأي امرئٍ يرى في الحضارة البشرية وتمظهراتها العمرانية التاريخية قيمةً لا تُعوَّض، أن يشعر بعظيمِ السخط تجاه مشاهد إحراق الممتلكات العامة والأثرية وتخريبها، ولا سيما مبنى بلدية ليموج التاريخي، وأن يجد في هذا الفعل قدراً هائلاً من “الغوغائية التخريبية”.
لكن أن يتوقّف عند هذا الحدّ، وأن يستكين للإحالة التلقائية لفعل الإحراق إلى فوضى الغوغاء، والإرادة الفردية أو الجماعية المستمدَّة من الثقافة والأخلاق، فهو قصورٌ فكري في حدّ ذاته، يستحيل بدوره قصوراً أخلاقياً ودفعاً في ركاب الفاشية حين يتحوّل إلى تعميمات عشوائية ونمطية وشمولية تجاه مجموعات من البشر يُرجِع إليها “غياب الأخلاق” و”ثقافة العنف”، وكأن الفرد في هذه الجماعة أو تلك يولدُ همجياً بطبيعته، وليس نتاجاً اجتماعياً يستمد أفكاره وسلوكياته من بنية المجتمع والنظام اللذين يعيش فيهما.
أصبحت “الثقافوية” في زماننا هي الاتجاه المهيمن يميناً ويساراً ووسطاً. على رغم أن هذا الزمان نفسه هو أكثر الأزمنة توثيقاً وإنتاجاً للمعرفة في التاريخ البشري بأسره، وهذه المفارقة مبكيةٌ مضحكة، ولكنها تقودُ إلى نقاشٍ آخر. وفي إخضاعها لجميع العوامل والأسباب الكامنة وراء الظواهر الاجتماعية على اختلافها للتفسير الثقافي الأحادي، تُخفِق الثقافوية في رؤية الثقافة نفسها كمنتجٍ للواقع المادي والبُنى الاجتماعية المسيطرة فيه، حتى وإن تفاعلت معه معيدةً إنتاجه بدورها، فهي في تأثيرها فيه يُعاد إنتاجها فتتأثّر به وتتحوّل، أي يتحوّلان معاً ليتقاطعا في بنًى جديدة من الواقع المادي والفكر، مضيّقَين الفجوة كلما اتسعت بينهما، لتعود فتتّسع ويتصادم الفكرُ مع الواقع، وهلُمَّ جرّا. أما اعتبار العنف وما ينتج من الفئات المحتجّة من سلوكٍ عنيف في لحظة الذروة من الصدام الاجتماعي، “علّةً” ثقافية متأصلة ومتصلة بـ”ثقافة الفقر” أو “ثقافة المهاجرين” وما شابه، فذلك هو الفخ الثقافوي بالذات: إحالة الثقافة إلى الثقافة في انفصالٍ تامٍ عن الواقع الملموس، وما يعنيه ذلك من عوامل اقتصادية واجتماعية كغلاء المعيشة وتراجع قيمة الرواتب والأجور وسياسات التقشّف والبطالة وتدهور مستوى التعليم والطبابة والخدمات العامة… إلخ، وما يرتبط بذلك كله من تدهور اقتصادي عالمي نتيجة الحربين الجاريتين في أوكرانيا والشرق الأوسط.
ولا بد كذلك، في مجابهة الثقافوية، وهي الركيزة الأساسية في عملية انبناء “سياسات الهوية”، أن يُستعادَ مفهوم “الاستلاب” لكارل ماركس، فلا مفهوم آخر يمكنه أن يفسّر بعمقٍ كافٍ إقدام شريحة من المجتمع على إحراق ما هو ملكٌ له وتدميره. فالثقافوية تُحيل هذا الفعل التدميري إلى دوافع ثقافية وهوياتية، بينما هو في الواقع يمثّل ذروة اغترابٍ سياسي واجتماعي يعيشه أفراد وجماعات جُرِّدوا من إنسانيتهم وشعورهم بالانتماء، إلى درجة أن تصبح الأملاك العامة في نظرهم تعبيراتٍ ورموزاً وتجسيداتٍ ماديةً للنظام الذي نزع عنهم الطابع الإنساني أمام أنفسهم في المرآة قبل أي شيء آخر، فيتحوّل فعل التدمير إلى فعل أنسنة واستعادة للانتماء بعد فقدانه، بخاصة في ظل ضعف البدائل السياسية الجادة وتحوّلها إلى بدائل أيديولوجية-ثقافوية بدورها، كاليسار الشعاراتي الشعبوي الذي يرفع الشعارات الكبرى ويعجز عن تحويل أصغر الوعود إلى سياسات قابلة للتطبيق.
وقد فسَّر ماركس بالتفصيل المملّ كيف يَمْثُلُ الوعي الاحتجاجي البدائي نحو التخريب والتدمير أولاً، وانطلاقاً من هذا التفسير، ليس كل وعي احتجاجي ثورياً، ولكن في الوقت ذاته، ليس كل وعي احتجاجي وليد ثقافة صاحبه أو هويته، بل هو وليد الظروف المادية التي تفرض عليه الشعور بالغربة والاستلاب الماديين. أما “الثقافوي”، فيعيش بدوره حالةً خاصةً من الاستلاب، حين يعجز عن رؤية آليات الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية وبناها، فيهرُب في استلابه الثقافي نحو الهوية ليجابه نتائج هروب المستلَبِ مادياً في الاتجاه المعاكس بدلاً من أن ينظر في الأسباب. يعيد وعي الثقافوي الممسوخ توليد نفسه باستمرار، فيُصاب بالعفن والعجز عن التفسير، ثم يلجأ إلى الصراخ في الفراغ تفريغاً للمكبوت. فيما يصطدم الوعي الاحتجاجي البدائي بظروف واقعٍ معقّدٍ ومليء بالمخاطر، فيوضع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام والتقهقر أو المثابرة والتجاوز، وعادةً ما يتقهقر في ظل غياب رافعةٍ سياسية مدجّجة بالخبرات والقدرات، قادرة على تحويل احتجاجه العنيف إلى قوةٍ منظّمة وفاعلة.
في هذا السياق صعود اليمين المتطرّف هو أحد منتجات الأزمة البنيوية وليس مجرد انحرافٍ ثقافي، أو رد فعلٍ ثقافي، بل هو دوماً ما يأتي في سياق رد الفعل على الإضراب والاحتجاج في مراحل متقدّمة، على رغم سطوة الوعي الاحتجاجي البدائي، أي حين يجنح الاحتجاج نحو الهمجية والتخريب العشوائي، فيلبس اليمين المتطرف لبوس الحفاظ على الأمن والنظام العام و”الحضارة”، بينما يعبّر في الواقع عن دخول الأزمة البنيوية مرحلةً جديدة من التشظّي التناقضي الداخلي، وحينها يتحوّل حريق “الغوغاء” إلى حريقٍ عامٍ يمتدُّ إلى كل بيت ويصيب كل فردٍ ومجموعةٍ وحزبٍ ونقابة، وصولاً إلى هدم أسس الديمقراطية البرجوازية واستبدالها بهياكل حكمٍ فاشية. غير أن هذا الانقلاب في البنية السياسية إن هو اكتمل، فهو مدفوعٌ بشكل أساسي بعجز الطبقة الحاكمة عن تقديم التنازلات للطبقات التي فقدت مكتسباتها، وحينها سيصير استهداف المهاجرين والأقليات والفئات الأكثر فقراً أداة لاستعادة “هيبة الدولة”، ويصبح التحوّل الفاشي الطريق الأوحد لفرضها.