يخشى مسؤولون وعسكريون أكراد في العراق من انكشاف إقليم كردستان أمام هجمات الفصائل الموالية لإيران، ومن عودة تنظيم داعش، بعد انسحاب القوات الأميركية والتحالف من العراق.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، اكتمال مغادرة آخر القوات من قاعدة أربيل، منهية مهمة “العزم الصلب” ضد داعش، في إطار الانتقال إلى علاقة دفاعية ثنائية بين بغداد وواشنطن.
وكانت القوات الأميركية قد انسحبت في وقت سابق من قاعدة عين الأسد في الأنبار وقواعد أخرى متفرقة في أنحاء العراق كانت تضم معظم أفراد القوات الأميركية وقوات التحالف البالغ عددهم الإجمالي 1500 فرد.
ومع انسحاب التحالف، يفقد إقليم كردستان أبرز سلاح استراتيجي، وهو منظومة الدفاع الجوي الأميركية، التي تصدت لغالبية الطائرات المسيرة والصواريخ التي أطلقتها إيران والجماعات العراقية المدعومة منها على الإقليم منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية في فبراير الماضي.
وتستهدف إيران وجماعات عراقية موالية لها إقليم كردستان، بذريعة وجود جماعات كردية إيرانية معارضة وقواعد ومنشآت عسكرية أميركية.
وكان من المفترض أن يتزامن انسحاب القوات الأميركية في 30 سبتمبر مع نزع سلاح تلك الجماعات المدعومة من إيران، إلا أن أغلبها تجاهل وتحدى دعوات نزع السلاح. وصرح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بتمديد المهلة الزمنية المحددة لنزع سلاح هذه الجماعات حتى يونيو 2027.
وتقول عضوة لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، چيمن بابكر بارزاني لـ”الحرة”، إن السلاح لا يزال موجودا في أيدي بعض الجماعات الخارجة عن سيطرة الدولة العراقية، التي شنت في الماضي هجمات عديدة على إقليم كردستان.
وتضيف أن انسحاب القوات الأميركية سيمنح هذه الجماعات فرصا أكبر لمواصلة هجماتها.
وترى أن خروج القوات الأميركية وقوات التحالف في هذا “الوقت الحساس”، يُشكل تهديدات جدية على أمن إقليم كردستان، بسبب ثغرات أمنية في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم وبغداد.
وقال القائد الكردي سيروان بارزاني، إن غياب المعلومات الاستخباراتية والدعم بالإمداد والتموين والطائرات المسيرة الأميركية سيمنح تنظيم الدولة الإسلامية فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، حسبما نقلت عنه رويترز.
وأضاف “على مدى أكثر من أسبوعين، رصدنا تحركات لخلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وذلك عقب الإعلان في وسائل الإعلام عن انسحاب التحالف الدولي رسميا من العراق بحلول نهاية سبتمبر”.
إلا أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني طمأن سكان الإقليم بعد الانسحاب الأميركي بأن هناك “تنسيقا جيدا للغاية” مع الحكومة العراقية الاتحادية لمواجهة أي نوع من التهديدات أو المخاطر، سواء أكانت تحت اسم داعش أو أي مسمى آخر.
وقبل هزيمته في 2017، سيطر تنظيم داعش، الذي تصنفه الولايات المتحدة جماعة إرهابية، عام 2014 على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، وارتكب انتهاكات واسعة، شملت قتل آلاف المدنيين واستعباد مئات الإيزيديين في شمال غربي العراق.
وقالت چيمن بابكر بارزاني إن ممثلين من حكومة إقليم كردستان العراق عقدوا عدة اجتماعات مع الحكومة العراقية لضمان إدراج الإقليم وحمايته ضمن منظومة الدفاع العراقية.
ووقعت بغداد رسميا اتفاقيات مع تركيا وفرنسا لشراء منظومات دفاع جوي متطورة، لكن هذه المنظومات لم تصل بعد إلى أيدي القوات العراقية.
ويقول الزميل الأول غير المقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي عقيل عباس إن الانسحاب الأميركي سيترك “الأكراد مكشوفين” أمام هجمات إيران والفصائل الموالية لها في العراق.
ووفق إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة البيشمركة، في سبتمبر الماضي، تعرض إقليم كردستان منذ نهاية فبراير الماضي، لأكثر من ألف هجوم بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، سقط جزء منها على المناطق المدنية، مما أسفر عن وقوع العديد من القتلى والجرحى، فضلا عن الأضرار المادية.
ورغم أن الوزارة أشارت في بيان، إلى أن الانسحاب الأميركي في ظل الأوضاع الإقليمية الحالية أمر يبعث على القلق، إلا أنها أعربت عن يقينها بأن حماية أجواء الإقليم كجزء من المجال الجوي العراقي، تقع ضمن الأولويات القصوى للحكومة العراقية.
ويلفت القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، غياث سورجي، في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن إقليم كردستان لا يمتلك الصلاحية القانونية أو القدرة على شراء أو تشغيل منظومة دفاع جوي مستقلة أو أسلحة متطورة بشكل مباشر دون العودة إلى الحكومة العراقية.
ولذلك يعوّل مسؤولون أكراد بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق على الحكومة الاتحادية في بغداد لتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمن الإقليم.
ويرى منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان، ديندار زيباري، أن مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي ينبغي أن تقوم على التنسيق المؤسسي بين الجهات الاتحادية ومؤسسات إقليم كردستان خاصة في التعامل مع الملفات الأمنية.
ويقول زيباري لـ “الحرة” إن الوضع الدستوري لإقليم كردستان يستند إلى الدستور العراقي، وليس إلى وجود أو دعم أي قوة أجنبية.
ويقول السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في حديثه لـ”الحرة” إن الأكراد اعتمدوا على الوجود الأميركي كدعم عسكري وكإشارة نفسية إلى التزام واشنطن تجاه إقليم كردستان، والآن “اختفى هذا الوجود”.
وقبيل الانسحاب الأميركي، تحرك إقليم كردستان لترتيب أوضاعه الأمنية، وأعلن عن توحيد القوات الكردية تحت مظلة وزارة البيشمركة، بعد أن كانت غالبية قطعاتها منقسمة ما بين قوتين رئيسيتين، إحداهما تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والأخرى للاتحاد الوطني الكردستاني، الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق.