ملخص
الرسام النهضوي بوتيتشيللي كان منذ زمن قد بدأ يحس بوخز الضمير إزاء رسومه الدنيوية التي كان أخوه سيمون يعدها فاحشة معادية للإيمان الصحيح
في مجرى حديثنا عن الرسام النهضوي بوتيتشيللي في هذا المكان بالذات قبل أيام قليلة، أشرنا بصورة عابرة إلى أن هذا المبدع الذي انتمى ذات حقبة “ذهبية” من حياته، وتحت رعاية لورنزو الكبير دي مديتشي، سيد فلورنسا وراعي الفكر والفنون فيها، إلى تلك الحلقة من المفكرين والمبدعين الإنسانويين التي انطلقت لإعادة إحياء الفكر الأفلاطوني ولو بصيغته الأفلوطينية الجديدة التي طورتها مدرسة الإسكندرية، في مناطق محيطة بفلورنسا باتت لحقبة أشبه بمستعمرة يسودها العقل والمنطق والانفتاح على العالم، هذا المبدع، أي بوتيتشيللي، انصرف قبل أعوام قليلة من حياته إلى تبني فكر ذلك الراهب المتمرد سافونا رولا الذي بعدما انطلق يذرع المدينة غضباً ومشاكسة من منظور رجعي متخلف حاول تحويل حركته إلى ثورة ضد السلطات القائمة فانتهى إلى المشنقة وبات لعنة من لعنات التاريخ.
صحيح أن هذا الجانب من الحكاية إنما هو الجانب الذي روته السلطات ويكاد ينطبق عليه القول المأثور “لو كانت الحجارة تنطق لأضحى التاريخ كله كذبة كبرى”، مصحوباً بالتأكيد الدائم بأن الحكاية إنما يكتبها المنتصرون في نهاية الأمر، لذا لا يصل إلينا منها إلا تلك الصياغة المغرضة التي يتركونها لنا، غير أن ذلك لا يمنعنا من التساؤل، في ما يخصنا هنا على أية حال، حول ما الذي دفع بوتيتشيللي إلى أحضان سافونا رولا بعدما كان الابن المدلل لحلقة الأفلاطونيين ولعائلة مديتشي؟
ضجر وخوف عابران؟
حدث ذلك أواسط خريف عام 1494 حين أطلق خطيب كاتدرائية سان ماركو غييرمو سافونا رولا، العنان لخطبه الجهنمية المتحدثة عن الفساد على الأرض وبخاصة فساد الحكام والمالكين وسادة الكنيسة الكبار جامعاً من حوله رعاع الأزقة والمستضعفين في ثورة جهنمية عنيفة. وأتى ذلك في وقت كان فيه لورنزو يلفظ أنفاسه وقد أقعده المرض والوهن عن أية مقاومة، تاركاً حثالة الأزقة يتصرفون على هواهم. وكأن ذلك لم يكن كافياً، إذ اختار شارل الثامن ملك فرنسا تلك اللحظة بالذات لشن حرب مكنته من استعادة مملكة نابولي، مما أدى إلى فرار بيترو وريث لورنزو.
وهكذا بدا أن نهاية آل مديتشي قد حلت، وراح بوتيتشيللي يراجع وضعه ومستقبله بعدما فقد كل حماية وعون وراحت فلورنسا نفسها تتهاوى. ووجد رسامنا نفسه، وبخاصة تحت تأثير أخيه سيمون الذي كان قد انضم إلى تمرد سافونا رولا، وتمكن من إقناعه بأن ما يحل إنما هو عقاب إلهي على التمرد الفكري والديني الأفلاطوني الذي ساد في عزبة كريجي تحت رعاية آل مديتشي أصحاب العزبة.
ويبدو أن ساندرو بوتيتشيللي وتحت ربقة خوفه وربما ضجره أيضاً، تبنى تلك الفكرة وانضم إلى الرعاع الذين راحوا يملأون الشوارع مناصرين الراهب الإرهابي الغاضب، وحتى وإن كان من المنطقي أن نفترض هنا بأن الرسام لم يكن مقتنعاً تماماً بما يفعل أو يقول، فإنه كان يملك من الدوافع ما يدفعه إلى صفوف المتمردين.
ثورة انتهازية؟
فرعاع سافونا رولا وجهوا سهامهم أول ما وجهوها ضد روما، وبوتيتشيللي كانت لديه كل الأسباب التي تجعله يكره روما التي بالكاد اعترفت به مفضلة عليه رساميها النهضويين الكبار الآخرين، وكان يحقد على آل بورجيا المهيمنين في الفاتيكان.
ولنضف إلى هذا أن بوتيتشيللي كان منذ زمن قد بدأ يحس بوخز الضمير إزاء رسومه الدنيوية التي كان أخوه سيمون يعدها فاحشة معادية للإيمان الصحيح.
وانطلاقاً من هذه الدوافع وحدها يمكننا أن نفهم مواقف بوتيتشيللي في تلك المرحلة المتقدمة من حياته، وفي الأقل حتى اللحظة التي وصل فيها حراك جماعة سافونا رولا إلى فلورنسا نفسها، فهناك كان من غير الممكن لبوتيتشيللي أن يشاهد بأم عينيه أعداداً كبيرة من مواطنين سيقول إنه كان يعرف معظمهم وفسقهم، وها هم يصرخون في الأزقة الآن زاعقين ضد كل ما هو فن وإبداع، معتبرين إياه من رجس الشيطان، وهو أمر وصل بهم إلى نصب المحارق في الشوارع والساحات يلقون فيها كل ما يقع تحت أيديهم ولا سيما الكتب والصور والمنشورات واللوحات والعطور والملابس وأدوات التبرج وآلات الموسيقى وما شابه ذلك من كل ما راحوا يعتبرونه متنافياً مع إيمانهم العميق (ترى هل يذكرنا هذا بفصول تنتمي إلى تاريخنا الحديث؟).
المهم من المؤكد أن جزءاً كبيراً من حماسة بوتيتشيللي للراهب المتمرد قد تبخر أمام مشاهد راحت تتابع أمام ناظري بوتيتشيللي.
لحظة شكسبيرية
وهكذا حين أصدر البابا ألكسندر السادس، حبر الفاتيكان الأعظم، أمام تلك الأحداث، قراره الذي يقضي بحرمان سافونا رولا وأتباعه كنسياً، وبات المطلوب من أعيان القوم إما الموافقة على البيان والتوقيع عليه وإما رفضه، على أن يقوم البابا في نهاية الأمر بإحصاء يتخذ على أساسه قراره في شأن مصير سافونا رولا وأتباعه، حدث ذلك المشهد الجدير بمسرحية شكسبيرية حقيقية: وصل سيمون إلى بيت أخيه ساندرو حاملاً بياناً مضاداً للبيان البابوي، يطلب من ساندرو التوقيع عليه، لكن ساندرو رفض التوقيع بعد شيء من التردد، بل إنه كشف لأخيه حقيقة لم تعجب هذا الأخير، لقد انتهى لتوه من رسم لوحة لا تستجيب إلى أفكار سافونا رولا المتخلفة. وهو في صدد إنجاز لوحة أخرى من النمط نفسه الآن، وأردف صارخاً في وجه أخيه من دون خوف هذه المرة أن حثالة سافونا رولا لن يعجبوا أبداً بتينك اللوحتين، ولا طبعاً بكونه قد عاد إلى الرسم بعد فترة من العمى الأيديولوجي الذي أصابه، “… وحمداً لله أنه لم يتمكن من القضاء عليَّ وعلى فني!”.
ختم ساندرو صراخه في وجه أخيه الذي خرج من عنده وهو يهدده بالقتل على هذا “الانقلاب الدنيء” و”المعادي للدين والإيمان”. وكان ساندرو يبتسم وقد عاد وجهه مشعاً، لقد تجاوز محنته وسلك درب المقاومة الحقيقية، المقاومة التي يتقنها والتي كان العقل والفن حليفيه فيها. ونعرف تاريخياً أن ذلك الموقف أتى في وقته، فالخطر الفرنسي الخارجي كان قد تبخر، والعقل استعاد مكانته، والجماهير غيرت موقفها كالعادة وذلك تحت تأثير العائلات الكبرى التي تحركت في بيئتها.
وهكذا حاصرت قوات الأمن كنيسة سان ماركو حصن المتمردين المنيع واعتقلت سافونا رولا وأعوانه المقربين وسامتهم تعذيباً مريعاً، بعدما كلفت كتابها لرواية الحكاية على مزاجها، طبعاً. ولاحقاً في وقت شنقت السلطات فيه سافونا رولا في الساحة العامة، كان بوتيتشيللي يستعيد رسم فاتناته الحسناوات منشرح الصدر، إذ إنه لم يقع في الفخ حتى النهاية.
