ملخص
في وقت تتصاعد الهجمات الروسية ويحصد القصف أرواح الأطفال الأوكرانيين، يثير وصف مبعوث ترمب ستيف ويتكوف للرئيس بوتين بأنه “إنساني” موجة من السخرية والغضب. وتكشف المفارقة عن تناقض الخطاب الأميركي، إذ تتقدم المصالح السياسية على المأساة الإنسانية، فيما يتشكل النظام العالمي وسط تراجع الدور الأميركي.
من هو الشخص “الإنساني”، وما معنى هذا المصطلح؟ إذا كان المقصود بالإنساني الشخص الذي يكرس جهوده لتخفيف المعاناة وتحسين ظروف حياة الناس، فلا داعي إلى البحث طويلاً عن مثال، إذ يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجسد هذه الصفات، وفقاً لمبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف.
فقد أشاد ويتكوف بالرئيس الروسي الأربعاء الماضي، على خلفية إطلاق سراح ستيفن هوبارد، المواطن الأميركي الذي أسر في مدينة إيزيوم شرق أوكرانيا، قائلاً بحماسة: “كثيراً ما تتحدث عن رئيسي، الرئيس ترمب، باعتباره إنسانياً، لكنك أنت أيضاً إنساني يا سيدي. وأنا أحيي ذلك وأثني عليه، وأشكرك مرة أخرى”.
وجاءت عبارات الامتنان المتملقة هذه بعد نحو 24 ساعة من مقتل أم وطفلتها الرضيعة في هجوم بطائرة مسيرة روسية، استهدف حديقة عامة في أوكرانيا. وكانت أنهيلينا تبلغ من العمر 14 شهراً عندما لقيت حتفها في الهجوم الذي استهدف بلدة نوفا فودولاهـا في منطقة خاركيف، إلى جانب والدتها إينا ماريوخنا، معلمة المرحلة الابتدائية البالغة من العمر 28 سنة.
وفي اليوم نفسه، قتل الرئيس بوتين – ذلك الإنساني النبيل المعروف بمساعيه للتخفيف من المعاناة والحد من الأذى – فتاة تبلغ من العمر ثماني سنوات تدعى أرينا كوفال، إلى جانب ثلاثة أشخاص آخرين. لكن إنسانيته لم تتوقف عند هذا الحد: فقد جُرح 15 شخصاً آخرون بينهم سبعة أطفال، في الهجوم الذي وصفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه “وحشية خالصة”.
وكتب زيلينسكي على منصة “إكس”: “وقعت ضربة روسية مروعة في منطقة خاركيف. استهدفت طائرة مسيرة من طراز ’شاهد‘ مدنيين في حديقة قرب مقهى عادي. إنها وحشية خالصة. قتل ستة أشخاص، بينهم أطفال. وقتلت طفلة صغيرة داخل عربة أطفال. اسمها أنهيلينا، وكانت تبلغ من العمر ما يزيد قليلاً على سنة واحدة، إذ ولدت في أغسطس (آب) 2025. واسم والدتها إينا، وقد فارقت الحياة في المستشفى… أتقدم بأحر التعازي إلى أسر الضحايا وأحبائهم”.
وإذا وسعنا نطاق النظر، فسنجد أن الرئيس بوتين، ذلك “الإنساني” نفسه الذي شن غزواً غير مبرر على دولة أوكرانيا ذات السيادة، وأشعل أوسع صراع عسكري بين دولتين في أوروبا وأكثره تدميراً منذ الحرب العالمية الثانية، تسبب في مقتل أكثر من 3500 طفل أوكراني أو جرحهم منذ بدء الغزو الشامل قبل أربعة أعوام. وهذا العدد يعادل أكثر من 177 فصلاً دراسياً مكتظاً بالأطفال. أليست هذه صورة مثالية عن “الإنسانية”؟
إنه بوتين، “مجرم الحرب الإنساني” المطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والمسؤول عن ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطفال الضحايا خلال عام 2026. وهو نفسه الذي صعد الهجمات على المناطق المدنية، مما أدى إلى ارتكاب انتهاكات بحق الأطفال في أوكرانيا، في خرق للقانون الدولي.
إنه بوتين “الإنساني” الذي قتلت صواريخه الروسية، قبل أسبوعين فحسب، 22 شخصاً، بينهم خمسة أطفال، بينما كانوا نائمين في مبنى سكني شمال أوكرانيا. وقد دمر الهجوم الذي استهدف مدينة بريلوكي 30 شقة، وكان بين القتلى ثلاثة أطفال لم يتجاوزوا العام الأول من العمر، فيما لقي أحد الرضع حتفه مع أمه وجدته.
وللتذكير مرة أخرى، لمن لم يسمع جيداً، بمن فيهم ستيف ويتكوف: الإنسانـي هو الشخص الذي يكرس نفسه، أو يسعى إلى تكريس جهوده، لخدمة الآخرين وتحسين صحتهم وسعادتهم.
“هل هو مبعوث ترمب أم مبعوث بوتين؟” هكذا علق أحد أعضاء البرلمان الأوكراني على الاستقبال الحار الذي حظي به ويتكوف من الرئيس الروسي، مضيفاً، وفقاً لما نقله زميلي سام كيلي، أن الأمر يشبه “وصف هتلر بأنه إنساني خلال الحرب العالمية الثانية”. وربما لا يكون مستغرباً، في المقابل، أن ترى إدارة ترمب في بوتين شخصاً يشبهها في بعض جوانب سلوكها.
فالرئيس الأميركي “الإنساني” نفسه، الذي اعتقلت وكالة الهجرة والجمارك التابعة لإدارته أكثر من 8500 طفل، واحتجزت أكثر من 8750 آخرين، بينهم مئات الرضع والأطفال الصغار، خلال الأشهر الأولى من ولايته الثانية، ومن بينهم طفلان مصابان بالسرطان، رفض وصف بوتين بأنه “شرير”، وأصر على أنه “يسعى إلى السلام”.
ورفع ترمب العقوبات لتسهيل التفاوض على صفقة لاستيراد الديزل إلى الولايات المتحدة، فيما وجهت إليه اتهامات بتعطيل اتصالات “ستارلينك” الحيوية التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني. من المثير للاهتمام كيف تسير “الإنسانية” والمصالح الاقتصادية جنباً إلى جنب، أليس كذلك؟
ويتمسك ترمب بوصف بوتين بأنه “إنساني”، وهذا ليس مستغرباً. وعندما سُئل بإلحاح عما إذا كان يتفق مع ويتكوف في هذا التوصيف، جاء رده أقرب إلى التهرب من اتخاذ موقف واضح: “حسناً، أعتقد أنه يمكن القول إن الأمر ينطبق في هذا السياق تحديداً، أي في ما يتعلق بالإفراج عن رجل كان يعتقد أنه سيقضي بقية حياته في السجن. لكن، كما تعلمون، أنا… لن أقول هذا أو ذاك”.
كذلك دعا ترمب إلى إطاحة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، قائلاً إن أوكرانيا تحتاج إلى “زعيم جديد قادر على التوصل إلى اتفاق”. وعلى رغم الأدلة التي تشير إلى خلاف ذلك، أعلن أن نهاية الحرب في أوكرانيا “أقرب من أي وقت مضى”. لكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ هل عبر الاستسلام الكامل؟
وبينما يتبدد الدخان الناجم عن هجمات جديدة، ويسقط مزيد من الأطفال الأبرياء ضحايا للحرب، فيما يراد لنا أن نصدق أن الزعيم الروسي يجسد أسمى معاني العمل الإنساني، لا يسعني إلا أن أتساءل عما ينتظرنا بعد انتهاء الولاية الثانية لترمب في البيت الأبيض.
كثيراً ما نسمع أننا نشهد “إعادة تشكيل” للعالم على يد رئيس لا يخشى زعزعة النظام الدولي القائم. لكن كل ما أراه هو رئيس لا يكترث. إنها إعادة ترتيب كبرى لموازين القوى العالمية في ظل عجز فادح عن الانتباه، فيما تتسابق الدول لانتزاع ما تستطيع من مكاسب مع انسحاب أميركا من الساحة.
وللمرة الثالثة والأخيرة، تعني “الإنسانية” الاهتمام بتحسين حياة البشر وتخفيف معاناتهم، وترتبط بالسعي إلى الإصلاح الاجتماعي. ولا شك في أن ترمب وبوتين يعملان على تحقيق ذلك، ولكن بطريقتهما الخاصة: بالقصف والمذابح والتملق البارد القاسي.
