موقع درج…
جورج كدر – باحث وصحافي سوري
تضع القراءة الإحصائية للتغيّرات الديموغرافية في بلاد الشام، الوجود المسيحي في مواجهة تحدّيات ومخاطر مصيرية متواصلة تتركهم يواجهون اليوم “خطر الاندثار والانقراض” أكثر من أيّ وقت مضى، حسب تعبير الأب جهاد يوسف، رئيس دير مار موسى الحبشي في ريف دمشق.
حرصت السلطة الانتقالية في سوريا، على المشاركة الرسمية في افتتاح مدرسة “الأرض المقدسة” للرهبان الفرنسيسكان التي تأسّست في عام 1958؛ وهي المدرسة المسيحية الوحيدة في محافظة إدلب وريفها، وتحمل قيمة رمزية كبيرة لقرى جسر الشغور (القنية واليعقوبية والجديدة والغسانية وحلوز وقسطل البرج)، لكنّ وزارة التربية لم تُسهم في ترميم المدرسة المسيحية، إنما التمويل من جمعية “عمل الشرق (L’Œuvre d’Orient)” المسيحية الفرنسية.
الحضور الرسمي بهذا الأسلوب و”مصادرة” جهود الآخرين ليس جديداً، بل شهدته مدارس ومنشآت أخرى، صادرت فيها المؤسّسات الرسمية الجهود المحلّية وجهود منظّمات المجتمع المدني ونسبتها إلى نفسها عبر الحضور الرسمي، ووسائل الإعلام الرسمية.
شاركت السلطة الانتقالية في حفل الافتتاح بثلاثة من مسؤوليها: محافظ إدلب محمّد عبد الرحمن ورائد الصالح وزير إدارة الطوارئ والكوارث ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات (المرأة الوحيدة والمسيحية في الحكومة الانتقالية)، وحرصت على تقديم نفسها بصورة من التسامح، تجاه مختلف المكوّنات العرقية والدينية، إثر تشوّه صورتها بشدة جراء المجازر التي طالت مدنيين من الطائفتين العلوية والدرزية في آذار/ مارس وتمّوز/ يوليو 2025.
محافظ إدلب صرّح أن القرى المسيحية في ريف إدلب شهدت عودة نحو 90% من سكّانها بعد التحرير، فيما قال خوكاز مسروب، خوري رعية القنية اللاتينية في ريف إدلب، إن مجموع العائلات في هذه القرى وصل نحو 450 عائلة.
تصريحات تبدو مبشّرة لكنّها تُخفي ما حصل على مدى سنوات الصراع الدامي في سوريا بين جيش النظام السابق والفصائل الإسلامية المتشدّدة، إذ تمّ تهجير أهالي هذه القرى قسرياً على يد فصائل راديكالية متطرّفة، وتمّت مصادرة منازلهم من قِبل “هيئة تحرير الشام” التي يقودها أحمد الشرع ( الملقّب بأبي محمد الجولاني سابقاً)، وتمّ توطين فئات من “المقاتلين الأجانب” وعائلاتهم فيها – وتحديداً الأويغور التابعين للحزب الإسلامي التركستاني- كما تعرّض من قرّر التشبّث بأرضه والبقاء، لعمليّات تنكيل طائفي وتمّ نعتهم بالكفّار، ومورست بحقّهم انتهاكات مثل إجبارهم على اعتناق الإسلام، وبعضهم تعرّض للخطف.
أين المسيحيون ما بعد الأسد؟
الواقع الهشّ لمسيحيي المنطقة بعد سقوط النظام، ترافق مع إجراءات سطحية عالجَت فيها السلطة الانتقالية واقع السوريين إجمالا؛ بإعلان دستوري ينصّ صراحة على اشتراط دين الإسلام لرئيس الدولة (ما ينتهك صراحة حقّ المسيحيين السوريين في الترشّح لرئاسة الجمهورية)، وبدل انعقاد مؤتمر وطني دائم بعد سقوط الأسد يصيغ عقداً اجتماعياً متيناً بين مكوّنات المجتمع المتنوّعة، تمّ الاكتفاء بمؤتمر حوار شكلي لبضع ساعات وتضخيم مخرجاته بشكل أظهرت الأيّام التالية عدم جدواه.
تمّ استبعاد المسيحيين أيضاً عن المراكز القيادية الحيوية في الدولة، وتغييبهم التامّ عن المؤسّسات السيادية كوزارتي الداخلية والدفاع، وحُصر النفوذ المسيحي في تمثيل وزاري رمزي متجانس مع الرؤية السطحية للسلطة الحاكمة لمسألة الأقليات، وتمثّل بالوزيرة هند قبوات، وغيرها ممّن تصدّروا المشهد بما يخدم تلك التوجّهات التي يصفها المسيحيون أنفسهم بـ”الوصولية”، وبرز منهم عضو في مجلس الشعب المعيّن من قِبل الشرع، نوار نجمة، الذي وصل به الحال بأن قام بعد أحداث الهجوم الأخير على مدينة السقيلبية المسيحية، بشنّ هجوم عنيف -في منشور له – على من أسماهم بـ”مسيحيي الخارج”، نازعاً عنهم حقّ “الوطنية والمواطنة”، واتهمهم بـ”التحريض” لأنهم رفعوا الصوت ضد الانتهاكات المتكرّرة بحقّ مسيحيي الداخل.
لكن في المقابل وبعيداً عن الخطاب الرسمي، هناك من “قرع ناقوس الخطر” مع تسارع نزيف المسيحيين خارج سوريا، كما يحذّر الأب جهاد يوسف رئيس دير مار موسى الحبشي، إذ قال بوضوح إن المسيحيين باتوا يواجهون اليوم “خطر الاندثار والانقراض” أكثر من أيّ وقت مضى.
انطلاقاً ممّا سبق سنحاول الوقوف على التاريخ الديموغرافي لمسيحيي سوريا وبلاد الشام عموماً، عسى أن نتمكّن من استشراف مستقبل المسيحية في مسقط رأسها.
إحصائيات تروي تاريخ
أبرز دراسة ديموغرافية لسكّان بلاد الشام بين أيدينا اليوم هي دراسة علمية نشرها عالما الديموغرافيا الفرنسيان فيليب فارج ويوسف كرباج، في كتابهما “المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي”. اعتمد الباحثان في دراستهما على مصادر متنوّعة أبرزها سجلات الضرائب والبيانات العسكرية والاقتصادية والحوليات التاريخية.
قدّر الباحثان عدد سكّان مصر وسوريا والعراق مع بدء الدعوة الإسلامية بـ 15.6 مليون نسمة، يتوزّع خزّانهم البشري في العراق بـ 9.1 مليون نسمة، تليه سوريا 4 مليون نسمة، ومصر 2.5 مليون نسمة.

المصدر: “المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي” من تأليف فيليب فارج ويوسف كرباج وترجمة بشير السباعي – تاريخ النشر بالفرنسية 1992
ومع التوسّع الإسلامي شمالاً، شهدت وتيرة أسلمة هذه البلاد تفاوتاً ملحوظاً على مدى نصف قرن؛ ففي حين شهدت العقود تحوّل ثلثي سكّان العراق، ونحو 60% من سكّان مصر إلى الدين الجديد، لم يكن الأمر كذلك في البلاد الشامية على الإطلاق؛ بل إن الكتاب يقدّم أدلّة ديموغرافية صادمة، تؤكّد أن التمدّد الإسلامي في الشام احتاج إلى أربعة قرون كاملة حتى ترجح كفّة الغلبة السكّانية لصالح المسلمين.
يكشف الكتاب أن التركيبة السكّانية لبلاد الشام شهدت تحوّلاً متدرّجاً وببطء شديد منذ القرن السابع الميلادي نحو الإسلام؛ بدأت بأغلبية مسيحية ساحقة، ثم سجّل القرن الأول للهجرة (730م) ارتفاعاً طفيفاً في عدد المسلمين لنحو (6%، 250 ألف مسلم) مع حفاظ المجتمعات المسيحية على أغلبيتها العددية بنسبة 94%، على الرغم من أن دمشق كانت طوال تسعين عاماً عاصمة الدولة الأموية.
وقد ظلّ المسيحيون محتفظين بأغلبيتهم في العصر العباسي حتى منتصف القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. ويمكن تفسير هذا التفوّق العددي بمبدأ التسامح الديني في الإسلام الذي طُبّق في الدولتين الأموية والعباسية، تنفيذا للأمر الإلهي “لا إكراه في الدين”، وهو المبدأ الذي ساد في القرون الأولى للإسلام باستثناءات قليلة.
لكن، وبدءاً من النصف الثاني للقرن الثالث الهجري حتى آخره، ستبدأ نسبة المسيحيين في بلاد الشام بالتراجع التدريجي عن غلبتها المطلقة لتصل إلى 60%، بسبب سياسات الإكراه التي اعتمدها الخليفة العباسي المتوكّل، وطرده المسيحيين من إدارات الدولة.
القرن 10م/4هـ توازن كفّتي الميزان
ومع دخول القرن العاشر الميلادي، تعادلت كفتا الميزان بين المسلمين والمسيحيين، حيث تساوى عددهم لأوّل مرّة في بلاد الشام في العام 900م، ليبلغ مليوني مسلم (50%) يقابلهم مليونا مسيحي (50%)، حسب تقديرات فارج/ كرباج.
القرن 11م… الحملات الصليبية تكسر التوازن
سجّلت البيانات الإحصائية في الكتاب أن الفرنجة غزوا بلاد الشام وهي تعاني أصلاً من استنزاف ديموغرافي على مرّ العقود السابقة؛ لتسجّل المنطقة أوّل انخفاض كارثي في التاريخ الإسلامي لسكّانها وصل حينها إلى (2.7) مليون نسمة. وعلى الرغم من أن نسبة المسيحيين مع بدء الحملات الصليبية على المشرق العربي في عام 1095م، وسقوط القدس بيدهم في عام 1099م، ظلّت مساوية للمسلمين، إلا أن هذه الحملات أخلّت بهذا التوازن خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وجرّت أذيال الشكوك على مسيحيي بلاد الشام بالتواطؤ مع الفرنجة، ممّا أدّى إلى تداعيات ديمغرافية حادّة قوّضت هذا التوازن كلياً، وهو ما ظهر جلّياً في الحقبة التالية.
المماليك: الكارثة تحلّ على المسيحيين
التحوّلات الكارثية الكبرى في مصير مسيحيي بلاد الشام ستكون مع بدء عهد الدولة المملوكية في القرن 14م/7هـ، حيث “اقتربت الجماعة المسيحية في الشام أكثر فأكثر من التلاشي”، نتيجة سياستهم المتشدّدة في فرض اعتناق الإسلام على المسيحيين في إطار صراعهم مع الصليبيين والمغول، إضافة إلى الكوارث والأوبئة التي ضربت المنطقة.
قدّر الباحثان أنه في عام 1343م شهد عدد سكّان سوريا انخفاضاً كارثياً ليصل إلى 1.2 مليون نسمة، وفي عام 1348م سيودي الطاعون بحياة 200 ألف شخص على الأقل، ومن أصل (1 مليون نسمة) لم يتبقَّ إلا 100 ألف مسيحي فقط؛ أي 10% من النسبة الإجمالية للسكّان. وترك المماليك الجماعة المسيحية عموماً بحالة ضعف كادت تفنيهم، لكنّ تحصّنهم في جبل لبنان وانفتاحهم الاقتصادي على الغرب والدور الاقتصادي الذي لعبه مسيحيو الشرق خلاله، كان من الأسباب التي أدّت إلى حماية ما تبقّى منهم من التلاشي.
سيُعيد القرن السادس عشر مع وصول العثمانيين ضخّ الأمل لعدم تلاشي المسيحية في بلاد الشام. وعلى الرغم من تدني أعدادهم في بدايات العهد الجديد بفعل تأثيرات الحقبة المملوكية، فقد كشف أول إحصاء في تاريخ الإسلام (بين 1570-1591م) على يد العثمانيين، أن عدد سكّان ولايات حلب ودمشق وطرابلس كان في العام 1580م (1.418.755) نسمة، منهم 91% مسلمين، 8.1% مسيحيين، 0.9% يهود.


ومع استقرار الأعداد على القرنين التاليين، فإنه بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر ستشهد أعداد المسيحيين تحسّناً ملحوظاً وارتفاعاً تدريجياً دعمه انخفاض معدّل الوفيات الذي تسبّبت به الأمراض والأوبئة منذ العصر المملوكي، وارتفاع مستوى الرعاية الصحّية مع وصول البعثات والإرساليات الأجنبية ونظام الملل الذي منح الكنائس استقلالاً ذاتياً وقانونياً.
وقد شهدت البلاد قفزة ديموغرافية ملحوظة وفق إحصاء العام 1882م، إذ تجاوز عدد السكّان عدد سكّان بلاد الشام (2.071.762) نسمة؛ ترافقت مع قفزة لافتة في أعداد المسيحيين إذ ارتفع عددهم إلى (507,939 نسمة) ليشكّلوا 24.5% من إجمالي عدد السكّان، وتواصلت القفزة ليصل عدد المسيحيين في آخر إحصاء عثماني في عام 1914م – عشية الحرب العالمية الأولى والرجل المريض يلفظ أنفاسه الأخيرة – إلى 794.131 مسيحياً؛ وهو ما نسبته 26.4% من إجمالي عدد السكّان الذي ارتفع أيضاً إلى (3,003,344 نسمة)، بلغ عدد الأغلبية المسلمة فيها (2,150,569 نسمة، بنسبة 71.6%).
قريب من هذا الرقم وقفت عليه في إحصائية نادرة لعدد سكّان بلاد الشام في عام 1912 نشرتها مجلة النفائس العصرية المقدسية في عدد نيسان/ أبريل 1912 ص 198، أظهرت أن عدد سكّان سوريا مع فلسطين ولبنان، بلغ نحو 3,236,522 نفساً، وأن عدد المسيحيين بلغ(978,988 نسمة) أي ما نسبته 30.25%.

القرن 20 والانحسار الحاد
مثّلت بداية القرن العشرين ذروة الانتعاش الديموغرافي للمسيحيين بتمثيلهم نسبة ربع سكّان بلاد الشام، سيتآكل وجودهم تدريجياً على العقود اللاحقة، فالإمبراطورية العثمانية التي لم تمارس سياسة إكراه وإجبار المسيحيين على التحوّل لاعتناق الإسلام، وأوقفت النزيف العنيف البشري لاندثار مسيحية بلاد الشام على يد المماليك، وأسفرت سياساتها إلى انتعاش أعدادهم ، سيكفي أتراكها عقد واحد بين عام 1914-1924، حتى تتوصّل الدولة العلمانية المولودة من حطام الإمبراطورية إلى تدمير هذا البنيان لحساب أمّة تركية ومسلمة فقط، يضيف العالمان فارج/كرباج إن ألف سنة من التاريخ المتعدّد الطوائف سوف يجري محوه في عشر سنوات. وما تخلّله من عمليّات تهجير قسرية ومجازر مروّعة بحقّ مسيحيي تركيا، أدّت عملية التهجير إلى تدفّق كبير إلى بلاد الشام التي احتضنت الهاربين من المذبحة.
لكنّ النزيف البشري لمسيحيي بلاد الشام لن يكون بأفضل حال بعد الزيادة النوعية لهم نهاية العصر العثماني، ففي القرن العشرين ستحلّ الكارثة الديموغرافية على مسيحييها، وسيتأثّر واقعهم بما عاشته البلاد من انتداب فرنسي وبريطاني، ثم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي فرضه صعود تأسيس الدولة الوطنية في الخمسينيات والستينيات، وما أعقبها من هجرات واسعة باتجاه أميركا الجنوبية، لتعيد الرقم إلى ما كان عليه أيّام الكارثة المملوكية بحدود 10% أو أقل:
فنسبتهم التي كانت في لبنان 57.64%، وفلسطين 11.26%، وسوريا 10.13%، والأردن 9.6%؛ في آخر إحصاء عثماني في عام 1914، ستنخفض بحلول نصف القرن العشرين إلى أقل من النصف في فلسطين لتصبح 5.26% في عام 1949، أي بعد عام على إعلان دولة إسرائيل، وفي سوريا إلى 7.91% في عام 1960، رغم أن أعدادهم شهدت انتعاشة مؤقتة في أربعينيات القرن العشرين نتيجة لتدفّق اللاجئين المسيحيين الأتراك من الأرمن والسريان، وفي الأردن يسجّل مطلع ثمانينيات القرن الماضي هبوطاً حاداً إلى 4.23%.
وفي لبنان حصن المسيحية الأخير، وخزّانها البشري الذي كان يرفع معدّلات الانخفاض في عدد مسيحيي البلاد الشامية، تحطّمت الأغلبية السكّانية التي كانوا يشكّلونها حتى ستصبح في الربع الأخير من القرن العشرين بحدود الـ 40%.
لكنّ هذا الانكسار لا يلغي حقيقة تاريخية أعمق؛ فوعورة جبل لبنان لم تجعل منه مجرّد حصن سياسي وديني واجتماعي لحماية ديموغرافيا المسيحيين الشاميين فحسب، بل حوّلته -حسب دراسة جينية حديثة نسبياً – إلى “مستودع جيني” حمى البصمة الوراثية الأصيلة لسكّان بلاد الشام.
الجينات تروي التاريخ
لدينا اليوم دراسة معاصرة تروي لنا التاريخ الجيني لسكّان بلاد الشام، وتبرز دور العزلة التي فرضها المسيحيون الشاميون في الحفاظ على بصمة وراثية. تشير الدراسة إلى أن هذه المنطقة شكّلت محوراً رئيسياً للتطوّر الثقافي البشري حيث احتضنت أقدم الحضارات والمجتمعات الزراعية ونشوء الحواضر المدنية الأولى”؛ هذه السطور كانت مستهل دراسة جينية عالمية بعنوان ” التنوّع الجينيومي في بلاد الشام يكشف عن هيكلة سكّانية حديثة مدفوعة بالثقافة”؛ نشرتها مجلة (PLOS Genetics) الأمريكية في شباط/ فبراير العام 2013.
من النتائج المثيرة لهذه الدراسة أنها كشفت ولأوّل مرّة عن امتلاك سكّان بلاد الشام بصمة وراثية خاصّة أطلق عليها الباحثون “مكوّن السلف الشامي المُفترَض- Putative Levantine ancestral component“، وحدّدت زمن تشكّله خلال العصر الجليدي الأخير قبل 23700 عام مضت.
الاكتشاف الثاني المثير: أن مكوّن السلف الشامي نافسه بعد التوسّع الإسلامي شمالاً قبل 1400 عام، مكوّن “أفرو- عربي”، واجهه مسيحيو بلاد الشام بانغلاق اجتماعي وتطبيق صارم يحصر التزاوج بمجتمعهم، ممّا حمى جيناتهم القديمة من التغيير؛ كما استنتجت الدراسة. جاء ذلك – حسب القائمين عليها – بناء على خوارزمية إحصائية متطوّرة تُدعى (ROLLOFF) لحساب المدّة الزمنية المنقضية منذ آخر حدث امتزاج وراثي خارجي تعرّضت له المجموعة السكّانية قبل انغلاقها وراثياً عبر الزواج الداخلي.
الدراسة أظهرت كيف “كان للدين تأثير قوي على جينومات سكّان بلاد الشام”، وأثر التوسّع الإسلامي على امتزاج مجموعات سكّانية متشابهة ثقافياً ولكنّها بعيدة جغرافياً، ما أدّى إلى تشابه وراثي بين مجموعات سكّانية بعيدة بشكل ملحوظ مثل الأردنيين والمغاربة واليمنيين.
وقدّمت الدراسة دليلاً وراثياً على الأثر العميق للانتماءات الدينية والتمايزات الثقافية في تشكيل الهويّة الجينية للمجتمعات البشرية؛ إذ اعتبرت الدراسة أن التطوّرات الوراثية في بلاد الشام ميّزت تاريخ البشر المعاصرين، وكشفت عن تاريخ متعدّد الطبقات للشاميين عبر تاريخهم الطويل، وتمكّنت من رصد ما أسمته مكوّناً خاصّاً فريداً يميّز سكّان هذه المنطقة أطلقت عليه اسم “المكوّن الشامي السلفي القديم”، وهو المكوّن السائد لدى سكّان بلاد الشام الحاليين بنسب تتراوح ما بين (42%) و(68%).
كانت المجموعات الجينية لأسلاف سكّان الشرق الأدنى تعيش كخزّان وراثي مشترك خلال العصر الجليدي قبل نحو (23700) عام مضت. وقد برز المكوّن السلفي الشامي المتميّز عبر مرحلتي انفصال ديموغرافي متتاليتين؛ حيث انفصل وتمايز أولاً عن مكوّن شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا في الفترة الممتدّة ما بين (23700) و(15500) عام مضت، تلا ذلك انفصاله وتمايزه عن المكوّن الأوروبي المشترك في الفترة الممتدّة ما بين (15900) و(9100) عام مضت. وبعد (9100) عام مضت، استقرّ ّهذا المكوّن الشامي كبنية وراثية مستقلّة متزامنة مع العصر الحجري الحديث ونشوء الزراعة وتطوير حياة الاستقرار.
وعبر العصور اللاحقة، ونتيجة للهجرات والأحداث التاريخية الأبرز التي تجلّت في التوسّع الإسلامي، عاد التدفّق الجيني والامتزاج بين هذه المكوّنات؛ حيث استقبل سكّان بلاد الشام من المسلمين جينات إضافية مستمدّة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومن شبه الجزيرة العربية، لتشكّل نحو (25%) من خريطتهم الجينية، فيما انخفض المكوّن الشامي فيها إلى نحو (42%). وفي المقابل، ظلّ المكوّن الشامي الأصلي القديم معبّراً عن نفسه بأعلى مستويات القوّة والتركيز الوراثي عند حدّه الأقصى وبنسبة تقارب (68%) لدى مسيحيي بلاد الشام (وكذلك الدروز)، فيما مكوّن شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا ينخفض لديهم ليتراوح بين (4%) و(20%)، نتيجة العزلة الديموغرافية والوراثية التي فرضتها ممارسات الزواج الداخلي الصارمة (Endogamy) على مدى مئات السنين.
ملاحظة لا بدّ منها
رغم أن فرادة هذه الدراسة تكمن في اكتشاف بصمة وراثية ميزّت الأجيال اللاحقة المتعاقبة في هذه المنطقة، إلا أنها لم تنتبه -بحسب رأيي- إلى أن العزلة الاجتماعية الصارمة ودور “العامل الديني والتمايز الثقافي” احتاجا إلى أربعة قرون كي يدخلا حيّز التنفيذ، كما كشف تحليل التقديرات الإحصائية في دراسة عالمي الديمغرافية كرباج وفارج. وربما لم تكن هذه العزلة بالقوّة التي افترضتها الدراسة، إلا في جبل لبنان الذي كان تاريخياً بمثابة “ملاذ” يتحصّن به المسيحيون في النكبات التي تعرّضوا لها عبر العصور، وذروتها كانت على يد المماليك.
أمّا في سوريا الداخل فثمة واقع مغاير لم يؤخذ بالحسبان فيها، وهو أن من بين سكّان سوريا اليوم من مسلمين ومسيحيين كثير من أحفاد القبائل العربية المسيحية التي كانت تقطن المنطقة قبل الإسلام بزمن طويل؛ ثم تحوّل جزء كبير منهم لاحقاً وتدريجياً إلى الإسلام مثل طيء وتغلب والغساسنة.
وبالتالي فإن وجودهم المسبق هو ما قد يفسّر ارتفاع “مكوّن شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا” في جينات المسيحيين المعاصرين من أبناء الجزيرة السورية والداخل رغم العزلة التي يفرضونها فعلاً على أنفسهم، وبالتالي؛ فإن قوّة هذا المكوّن تقلّل من الدور المطلق والحتمي لتأثير العامل الديني في إحداث هذا الفرز الحادّ بين مسلمي ومسيحيي بلاد الشام.
مستقبل المسيحية في موطنها الأصلي
تضع القراءة الإحصائية للتغيّرات الديموغرافية في بلاد الشام، الوجود المسيحي في مواجهة تحدّيات مصيرية متواصلة تذكّر بالتحوّلات الديمغرافية التي شهدها أبناء الطائفة اليهودية في المنطقة.
ويلاحظ اليوم؛ أنه وإلى جانب العوامل الحاسمة التي وثّقها الباحثان فارج وكرباج في كتابهما سالف الذكر؛ فإن تدني معدّلات الإنجاب بين المسيحيين، واستمرار تصاعد وتيرة الهجرة الخارجية، يسهمان في تعميق هذا الانكماش.
وإذا ما رصدنا التغيّرات الديمغرافية المعاصرة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين إلى أيامنا هذه، سنلاحظ الغزو الأميركي للعراق ترافق مع ارتفاع معدّلات التطرّف لدرجات قياسية في تاريخ المنطقة، وبرزت مجموعات إسلامية راديكالية غذّت أفكارها المتطرّفة مشهد العنف الطائفي، وآخرها تنظيما “داعش” في العراق و”جبهة النصرة” في سوريا التابعان لتنظيم “القاعدة” خلال العقد الماضي، وهذه الأخيرة -أي النصرة- استحوذت الفصائل العسكرية المنبثقة عنها على الحياة السياسية الناشئة، وبسطت هيمنتها على مفاصل مؤسّسات الحكم في سوريا بعد انهيار نظام بشّار الأسد؛ ممّا أسفر عن تهديد وجودي ملحوظ جعل المسيحيين في مواجهة مباشرة مع “خطر انقراض” يرخي بظلاله الثقيلة على مصيرهم؛ إذ تسجّل آخر الإحصائيات نسبة أقل من 1% للمسيحيين في فلسطين، وفي سوريا والأردن بأقل من 3%، وحده لبنان لا يزال صامداً إلى الآن رغم الانخفاض التدريجي في نسبة المسيحيين التي أصبحت 33% من إجمالي السكّان.
هذا الواقع يزيد من ضبابيته حالة التشتّت الواضحة للمؤسّسة الكنسية في بلاد الشام، وتعدّد مرجعياتها، كعامل يعيق الصمود أمام تحدّيات المستقبل؛ حيث إن ارتهان بعض القيادات الكنسية لمرجعيات خارجية، وتشبّثها بمكاسب سلطوية ضيقة، يحول دون بناء استراتيجية موحّدة لمواجهة المخاطر الوجودية للمسيحيين.
وفي المحصّلة، فإن البيانات الإحصائية التي استعرضناها تُعيد رسم الواقع دون تجميل، لتضع ما تبقّى من مسيحيي بلاد الشام في مواجهة حقيقية مع شبح التلاشي في موطنهم الأصلي، في ظلّ غياب أيّ ضمانات حالية توقف النزيف المتواصل لمسيحيي الشرق تخوّلهم أكثر من حضور رمزي في مستقبل بلادهم، التي ولدت فيها المسيحية ومنها انتشرت إلى العالم لتصبح أكبر ديانة عالمية يدين بها ثلث سكّان الأرض.