ملخص
خلال الثورة على حكم الأسد كان القاسم المشترك في القرارات والبيانات الدولية والعربية والسورية هو التركيز على “الانتقال الديمقراطي للسلطة”. ولو حدث ذلك لكانت سوريا اليوم كاملة ومتكاملة مرتاحة في العلاقات الداخلية والعلاقات مع العالم. لكن بشار الأسد رأى في ذلك کابوساً، فاستخدم العنف لقتل الثورة وجاء بالإيرانيين و”حزب الله” والروس لإنقاذ نظامه بدلاً من إنقاذ سوريا، حيث تقاسمتها خمسة جيوش ومعها كل أنواع الميليشيات المتطرفة.
سريعة وطويلة كانت نقلة سوريا الجديدة من العزلة والعقوبات إلى الأبواب المفتوحة، ورفع العقوبات، والإخراج من لوائح دعم الإرهاب، والترحيب في كل العواصم. وبطيئة ومحكومة بقيود أيديولوجية ذاتية بدت رحلة السلطة من “إمارة إدلب” إلى “دولة سوريا”.
ما أسهم في الانفتاح ليس فقط مرونة الحكم الانتقالي ورغبته في المساعدة بإعادة الإعمار واستعادة الاستثمارات بل أيضاً التقدير الجيوسياسي والاستراتيجي العربي والدولي لموقع سوريا ودورها في القطع مع النفوذ الإيراني والاستعداد للتفاوض مع إسرائيل. وما جعل المرحلة الانتقالية كثيرة الأحمال هو الحرص، لأسباب أمنية وسياسية، على أن يمسك بكل مفاصل السلطة الجديدة في دمشق، رجال الفريق الذي كان يدير كل شي في إدلب ضمن “هيئة تحرير الشام”.
وإذا كان لا بد في البداية من أن تكون لعبة السلطة مغلقة لضمان “التمكين”، فلا مهرب في النهاية من أن تصبح اللعبة مفتوحة. وإذا كان سقوط النظام وكسر الجسر الجغرافي لمشروع الهلال الإيراني رصيداً كبيراً ومهماً للإدارة الجديدة، فإن الرصيد الأهم المطلوب هو الممارسة على الأرض والقدرة على أداء وظيفة السلطة التي تختصرها كتابات العلوم السياسية بتعبير بسيط وكثير الدلالات: السياسة هي “فن إدارة شؤون الناس”.
وأكثر ما تحتاج إليه سوريا الجديدة في باب الأولويات هو “الاكتمال والتكامل”.
أما الاكتمال، فإنه في الجغرافيا. وأما التكامل، فإنه في السياسة والاجتماع. وليس حل “قوات سوريا الديمقراطية” ودمجها في تركيبة سوريا الجديدة سوى خطوة كبيرة في مسار الاكتمال الجغرافي بعودة ثلاث محافظات إلى البلد الأم. لكن سوریا تبقى ناقصة أيضاً من دون السويداء. وتبقى ناقصة من دون الجولان والأرض الجديدة التي أضافت إسرائيل احتلالها إلى الاحتلال القديم للجولان. وسوريا تبقى ناقصة أيضاً من دون المصالحة الوطنية والمشاركة الشعبية في بناء المرحلة الانتقالية إلى الدولة. فالبلد خرج بعد سقوط النظام من صحراء سياسية دامت عقوداً إلى برج بابل سياسي من دون أن يصل المسار إلى حياة سياسية نشطة بالأحزاب، والنقابات، والجامعات، ومراكز الدراسات، والجمعيات، في إطار دستور ومجلس نيابي وقضاء. فما یکمل وحدة الجغرافيا هو وحدة الشعب من ضمن التعدد والتنوع. ولا تكامل سياسياً واجتماعياً من دون نظام محدد وحريات يكفلها الدستور، لا منحة من أحد، ومجلس نيابي يمثل كل أنواع الطيف السياسي، وتمكين المرأة كشريك سياسي واجتماعي لأن الانغلاق على النساء هو حذف نصف البلد.
ذلك أن سوريا ذاهبة من التقسيم إلى الوحدة، لا من الوحدة إلى خطر التقسيم. والتحدي الكبير هو الانتقال من الانقسام الشعبي الذي “هندسته” سياسات الحرب على أسس طائفية ومذهبية إلى المواطنة في دولة مدنية. فمن الوهم الرهان في المستقبل القريب على حكم دمشق بأيديولوجيا سلفية. والوهم الأكبر هو التصرف على أساس أن الحديث عن الحريات السياسية والمشاركة ونوع النظام المراد بناؤه في المرحلة الانتقالية هو ترف لا يضع رغيف خبز على مائدة عائلة في اقتصاد ضعيف، حيث 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. فالحرية تنمية، كما يقول الخبراء. والحريات السياسية شرط للانتعاش الاقتصادي. والتجربة التي يعيشها الجميع حالياً هي أن الاتفاقات والوعود الاستثمارية يبقى معظمها على الورق في غياب إطار دستوري وقانوني للقضاء. والفارق كبير بين استثمارات سريعة لبناء أبراج وفنادق وبين استثمارات لبناء اقتصاد منتج يقدم فرص عمل للناس. ولا مهرب حالياً من شيء من اقتصاد “الفترينة” ولكن الاقتصاد الريعي كارثة فوق کوارث لا حصر لها.
خلال الثورة على حكم الأسد كان القاسم المشترك في القرارات والبيانات الدولية والعربية والسورية هو التركيز على “الانتقال الديمقراطي للسلطة”. ولو حدث ذلك لكانت سوريا اليوم كاملة ومتكاملة مرتاحة في العلاقات الداخلية والعلاقات مع العالم. لكن بشار الأسد رأى في ذلك کابوساً، فاستخدم العنف لقتل الثورة وجاء بالإيرانيين و”حزب الله” والروس لإنقاذ نظامه بدلاً من إنقاذ سوريا، حيث تقاسمتها خمسة جيوش ومعها كل أنواع الميليشيات المتطرفة. وما حدث بعد 14 عاماً من التقاتل في أعقاب أشهر من ثورة سلمية هو انهیار النظام وهرب رئيسه وتسلّم “هيئة تحرير الشام” كل السلطة بقيادة أحمد الشرع الذي صار الرئيس لمدة حددها بخمسة أعوام.
وليس أمراً قليل المضاعفات أن تساعد أميركا وتركيا وتسهّل روسيا إمساك تنظيم عسكري، غیر دولتي، بوضع منهار، بدلاً من الانتقال الديمقراطي للسلطة. فالسؤال الجوهري حالياً هو: المرحلة الانتقالية إلى أين؟ هل سوریا في طریق الانتقال إلى نظام ديمقراطي أم إلى نظام على صورة الوضع الانتقالي الحالي الذي يقترب من عامين في السلطة؟ هل تبقى كلمة ديمقراطية خارج قاموس السلطة؟
الناس تريد، لا فقط أن تعرف ماذا بعد نهاية المرحلة الانتقالية بل أيضاً أن تشارك في مسار المرحلة. والحد الأدنى للانتقال الناجح هو البدء من خريطة طريق.
