ساطع نورالدين.. كاتب لبناني ….المصدر صفة الكاتب
الممثل التلفزيوني يؤدي أحد أهم أدواره الدرامية حتى الآن، قبل ان تخونه الشاشات الصغيرة.. وتضطره الى إطلاق قناة تلفزيونية خاصة تبث مشاعره المضطربة، اليائسة.
في ظهوره امام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنفاسه المتقطعة وحركات يديه وتعابير وجهه، وكأنه يؤدي دور العاشق الولهان الذي تركته عشيقته،(الإيرانية الماكرة)، على الرصيف، وحيداً، يائساً، يسترسل في حوار حزين، تخلله سيل من التهديدات والسباب، وفيض من الوعود البراقة باستعادة واحدة من أغرب قصص الحب..وجعل تلك المعشوقة “أعظم مما كانت في أي وقت مضى في تاريخها”.
كان الرئيس الثمانيني يطلب من ممثلي شعوب العالم، العطف، والحكم على عروضه ونواياه المثيرة، التي تخلط بين الجنة والجحيم، ومحاولة الجمع بينه وبين عشيقته القاسية التي حطمّت فؤاده بجنونها وتمردها ورفضها المتكرر للمصالحة، أو حتى للجلوس معا وجهاً لوجه، لاحياء ذلك الأيام الخوالي واستئناف اللقاءات العابرة في الغرف المغلقة، على أمل ان تغفر له عما فعله بها طوال الأشهر السبعة الماضية، في نوبات انفعاله الشديد، التي شهدت على نزقه وساديته وميله الدائم الى الاغتصاب الذي لا يعرف الحب ولا يعترف بالندم.
….
في ذلك السياق العاطفي الحاد، كان ترامب ولا يزال يتوسل لقاء نظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويجاهر بنفوره من رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتيناهو ويرفض حتى مصافحته، لكن ما ناله لم يكن أكثر من لقاء غير مباشر بين وفدين رسميين أميركي وايراني تولى فيه وسطاء نقل الرسائل والعروض طوال ثلاث ساعات متواصلة، إنتهت على وعد بلقاء جديد سقفه الأعلى هو الشرط الوهمي الذي يردده ترامب بلا أي أساس، عن منع إيران من حيازة أسلحة نووية..وهي التي سبق لها ان كررت، الأسبوع الماضي بالذات، أنها أسلحة محظورة في عقديتها الدينية والسياسية والعسكرية.
الظاهر إن الجانب الإيراني لم ولن يتأثر باليد الأميركية الممدودة، بعدما أدركت طهران ومعها عواصم العالم كله ان ترامب يضعف يوماً بعد يوم، وباتت شعبيته الأميركية في ادنى مستوياتها ( تكاد تصل الى عشرين في المئة)، وصار المزيد من المرشحين الجمهوريين للانتخابات النصفية في الكونغرس ينفرون منه، مثلما اصبح الناخبون الاميركيون يشتمونه كلما دخلوا محطة لشراء وقود لسياراتهم او متجراً لابتياع إحتياجاتهم الغذائية.. والجميع من دون استثناء يناشدونه الخروج من تلك الحرب البائسة مع إيران، التي بات النصر فيها يحتاج الى معجزة لن يصنعها الشعب الإيراني في الظرف الراهن.
أدى ترامب أمام الجمعية العامة، دوره باتقان: لم يصدق أحد انه ما زال قادراً على إرسال إيران الى الجحيم، الذي يعيشه الإيرانيون اليوم بلا تذمر ولا تمرد.. بعدما إختبرت القيادة الإيرانية “جدية” ترامب عندما استولت قواتهم اليمنية على باب المندب، وعندما قصفت المحرمات الدينية والنفطية في السعودية، من دون ان يحرك الرئيس الأميركي ساكناً.. ومن دون ان يعدّل في خطابه السلمي اليائس، ومن دون ان يؤجل توقه الى لقاء نظيره الإيراني في الأمم المتحدة.
وصل ترامب الى حافة الهاوية، وبدأ الاميركيون والعالم كله يترقب شكل سقوطه الحر في العامين الباقيين من ولايته الرئاسية الحالية، بعدما تحول تدريجياًَ الى عبء وتهديد لفرص الحزب الجمهوري ومرشحيه للكونغرس، الذين كان يتواصل معهم يومياً ويشرف على حملاتهم الانتخابية في مختلف الولايات والدوائر. لذلك أعلن انه ليس مرشحاً، ولم يعد شريكاً في أي من معارك الانتخابات النصفية.. ونصح إيران أن تخرج تلك الانتخابات من حساباتها، وان تأتي الى كلمة سواء معه شخصياً.
قريباً، لن يبقى للرئيس ترامب من يخاطبه، ولا من يستمع اليه، ولا من يشاهده على المحطة التلفزيونية التي أطلقها بالأمس..حتى إيران نفسها، التي لم تنتصر مثله في الحرب، لكنها تحفظ قواعد العشق الاربعين.
بيروت في 23 / 9 / 2026