واشنطن – أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتوصيفه هجمات الحوثيين على السعودية بأنها «أفعال خاطئة للغاية»، تسليط الضوء على تصاعد المواجهة في المنطقة، لكنه لم يعلن في تصريحاته الأخيرة عن خطوات عملية جديدة لوقف الهجمات أو تعزيز الردع، ما يترك مساحة مفتوحة للتساؤل حول طبيعة الدور الذي تعتزم واشنطن الاضطلاع به في المرحلة المقبلة.
وتكتسب تصريحات ترامب أهميتها من توقيتها، إذ تأتي فيما تواجه السعودية سلسلة هجمات طالت مطارات ومنشآت مدنية، وأحدثت خسائر بشرية وأضراراً مادية واضطرابات في حركة الطيران. وبينما عبّر الرئيس الأميركي عن رفضه سلوك الحوثيين، لم تتضمن تصريحاته، وفق ما ورد فيها، إعلاناً عن تحرك عسكري أو دبلوماسي جديد يستهدف الحد من قدرتهم على مواصلة الهجمات.
وقال ترامب، في تصريحات للصحفيين بالبيت الأبيض، الاثنين، إن الحوثيين «يتصرفون بشكل خاطئ»، مضيفاً أن الوضع «ليس جيداً على الإطلاق». لكنه لم يوضح ما إذا كانت إدارته تدرس إجراءات محددة للتعامل مع التصعيد، أو ما إذا كانت واشنطن ستربط موقفها بتحركات سعودية أو إقليمية خلال الأيام المقبلة.
ويكشف هذا التباين بين وضوح الإدانة وغياب إعلان عن إجراءات جديدة أن التصريحات السياسية، على أهميتها في تحديد الموقف الأميركي، لا تعني بالضرورة انتقال واشنطن إلى مرحلة جديدة من الضغط أو التدخل. كما أن عدم الإعلان عن خطوات لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الولايات المتحدة لن تتحرك، لكنه يجعل حدود موقفها العملي موضع تساؤل في ظل استمرار الهجمات.
واستناداً إلى بيانات رسمية، تعرضت خمسة مطارات سعودية لـ11 هجوماً منذ الخامس من أكتوبر الجاري، أسفرت عن مقتل 20 شخصاً وإصابة مئات، إلى جانب أضرار مادية واضطرابات في حركة الطيران. وتبرز هذه الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه السلطات السعودية في حماية المرافق المدنية، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع تداعيات اقتصادية وخدمية أوسع.
ولا تقتصر آثار الهجمات على الخسائر المباشرة، إذ إن استهداف المطارات ينعكس على حركة المسافرين وشركات الطيران وثقة الأسواق بقدرة البنية التحتية على العمل بصورة طبيعية. كما أن تكرار الهجمات يرفع كلفة الاستجابة الأمنية، ويضع منظومات الدفاع الجوي أمام اختبار متواصل، خصوصاً إذا اتسعت قائمة الأهداف لتشمل مرافق حيوية إضافية.
لا يتعلق السؤال فقط بموقف واشنطن من الهجمات، بل أيضاً بمدى استعدادها للمساهمة في تعزيز حماية السعودية، سواء عبر الدعم الدفاعي أو التحركات الدبلوماسية
وفي هذا السياق، لا يتعلق السؤال فقط بموقف واشنطن من الهجمات، بل أيضاً بمدى استعدادها للمساهمة في تعزيز حماية السعودية، سواء عبر الدعم الدفاعي أو تبادل المعلومات أو التحركات الدبلوماسية. غير أن تحديد طبيعة أي استجابة أميركية يظل مرتبطاً بما تعلنه الإدارة فعلياً، لا بما يمكن استنتاجه من عبارات الإدانة وحدها.
وتواجه واشنطن معادلة دقيقة؛ فهي مطالبة بإظهار موقف واضح من استهداف المنشآت المدنية في دولة ترتبط معها بعلاقات أمنية واستراتيجية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تحديد ما إذا كان التصعيد يستدعي تدابير إضافية، وما حدود هذه التدابير في ظل اتساع المواجهة الإقليمية.
ويأتي الموقف الأميركي في ظل مواجهة عسكرية متواصلة بين السعودية والحوثيين منذ يوليو 2026، بحسب المعطيات الواردة في التقارير، بعد سنوات من الصراع اليمني الذي بدأ تدخل التحالف بقيادة الرياض فيه عام 2015. ويشير تجدد الهجمات إلى أن أدوات الردع القائمة لم تمنع استمرار التصعيد حتى الآن، وإن كان تقييم فاعليتها يتطلب معرفة تفاصيل العمليات والقدرات المستخدمة والإجراءات الدفاعية المتخذة.
ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات يمنية عدة في سبتمبر 2014، ظل الصراع يتجاوز حدود الداخل اليمني، مع انعكاسات على أمن السعودية والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي. ويمنح استهداف المطارات والمنشآت المدنية هذا التصعيد بعداً إضافياً، لأنه يرفع المخاطر على السكان والبنية التحتية، ويزيد احتمالات اتساع المواجهة إذا تواصلت الهجمات أو اتخذت أطراف أخرى إجراءات مضادة.
وفي المقابل، لا تكشف تصريحات ترامب وحدها ما إذا كانت واشنطن تتجه إلى تشديد الضغط على الحوثيين، أو تفضّل إبقاء موقفها في إطار الإدانة والدعم القائم، أو تسعى إلى فتح مسار دبلوماسي يحد من الهجمات. ولا يتوافر في التصريحات المنقولة إعلان عن قرار جديد يمكن الاستناد إليه لتحديد اتجاه السياسة الأميركية.
وتبقى أهمية الموقف الأميركي مرتبطة بما قد يتبعه من خطوات ملموسة، لا بحدة اللغة المستخدمة في وصف الهجمات. فالسعودية تواجه تحدياً أمنياً متواصلاً يتطلب حماية منشآتها وتقليل الأضرار التي تلحق بحركة الطيران والحياة العامة، فيما يظل احتواء التصعيد مرتبطاً أيضاً بمواقف الأطراف الإقليمية والدولية وقدرتها على منع تحول الهجمات المتكررة إلى مواجهة أوسع.
وبذلك، تضع تصريحات ترامب السؤال أمام واشنطن أكثر مما تقدم إجابة عنه: هل ستظل إدانة الهجمات هي السقف المعلن للموقف الأميركي، أم ستتبعها إجراءات دفاعية أو دبلوماسية أكثر وضوحاً؟ وحتى صدور مؤشرات عملية، ستبقى المسافة قائمة بين توصيف التصعيد بأنه سلوك خاطئ وبين توفير أدوات كافية لردعه.