الموعد العادي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في تركيا هو 7 أيار 2028، لكن النقاش الحزبي بدأ يضع أمامه تاريخاً آخر هو 16 نيسان 2028، بعد طرحه من جانب محمد أوشوم، كبير مستشاري الرئاسة التركية، في إطار عرض صيغة دستورية تتيح للرئيس أردوغان الترشح مجدداً، وهو ما تؤيده أطراف “تحالف الجمهور” .
وهكذا انتقل النقاش من موعد انتخابي مقرر إلى احتمال تقديمه، ومن الحديث عن الانتخابات المقبلة إلى البحث في الآلية الدستورية التي يمكن أن تجعل هذا التقديم ممكناً.
لكن الفرق بين «الانتخابات المبكرة» و«تبكير الانتخابات» هنا ليس مجرد اختلاف في التعبير. «الانتخابات المبكرة» انتخابات تجري قبل موعدها. أما «تبكير الانتخابات» فيتعلق بالمسار الذي يقود إلى هذه النتيجة ويشمل شكل تغيير الموعد وشروطه، ومن يملك قرار التغيير، وما هي الأغلبية المطلوبة، ومتى يصبح استخدام هذه الآلية ممكناً سياسياً ودستورياً .
لهذا فإن طرح 16 نيسان لا يعني أن موعد الانتخابات قد تحدد، كما أن الحديث عن تقديمها لا يعني أن إعادة الإنتخابات قد تقررت. فالتاريخ المطروح هو احتمال سياسي، بينما يبقى تحويله إلى موعد انتخابي فعلي مرتبطاً بالآلية الدستورية ومتطلبات تفعيلها.
وهنا تبرز ثلاث مسائل تنتظر الحسم: تفعيل القاعدة الدستورية التي تحدد الموعد وآلية تغييره، والحسابات السياسية في صفوف جناحي الحكم والمعارضة، وقيمة الأشهر الفاصلة عن الموعد الطبيعي في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية.
ينطلق النقاش من قاعدة دستورية واضحة: انتخابات الجمعية الوطنية الكبرى ورئاسة الجمهورية تُجرى كل خمس سنوات في اليوم نفسه، في حين تحدد المادة 101 ولاية الرئيس بخمس سنوات وبحد أقصى ولايتين. وعلى هذا الأساس يستقر الموعد العادي للاستحقاق المقبل في 7 أيار 2028.
لكن الدستور يضع في الوقت نفسه آلية تسمح بتجديد الانتخابات قبل انتهاء الدورة العادية. فالمادة 116 تخول البرلمان اتخاذ قرار بتجديد الانتخابات بأغلبية ثلاثة أخماس مجموع أعضائها، أي 360 نائباً من أصل 600، على أن تُجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية معاً. والأهم أن المادة نفسها تنص على أنه إذا اتخذ البرلمان قرار التجديد خلال الولاية الثانية للرئيس، يصبح بإمكان الرئيس القائم الترشح مرة أخرى. تكشف هذه الصيغة عن خصوصية النقاش الحالي، ولهذا فإن البحث في تقديم الموعد يتجاوز الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين التاريخين، ليرتبط بالأثر السياسي للقرار الذي سيجعل هذا التبكير ممكناً.
على المستوى السياسي، لم تعد فكرة تقديم الانتخابات مجرد احتمال يستخلصه المراقبون من المسافة الزمنية بين الموعدين. فقد طرح محمد أوشوم 16 نيسان 2028 صراحة، ثم عاد ليؤكد أن التاريخ المقترح لا يمثل «انتخابات مبكرة» بالمعنى السياسي، وإنما تقديم الانتخابات المقررة في موعدها ثلاثة أسابيع فقط. كما ربط أوشوم هذا الطرح بقرار الرئيس أردوغان بالترشح مجدداً، مشيرا إلى أن إجراء التجديد يبقى بيد البرلمان .
أما دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية والشريك الرئيسي في تحالف الجمهور، فتعامل مع طرح 16 نيسان باعتباره قريباً جداً من الموعد الطبيعي، وقال إن المهم هو إجراء الانتخابات في موعدها، مؤكداً في الوقت نفسه وقوفه خلف ترشح أردوغان.
كل هذا لا ينتج قراراً نهائياً بعد، لكنه يكشف أن النقاش انتقل من مجرد الحديث عن احتمال انتخابي إلى اختبار مدى إمكانية تحويل فكرة التقديم إلى خيار سياسي قابل للتنفيذ.
كانت المعارضة التركية، وفي مقدمتها «الحزب الجديد» الذي أسس بعد انشقاق أوزغور أوزال و91 نائباً عن حزب الشعب الجمهوري، ترفع منذ فترة مطلب الانتخابات المبكرة. وقد أكد أوزال استعداد حزبه الجديد للانتخابات المبكرة، ودعا السلطة إلى طرحها أمام الناخبين.
لكن انقسام حزب الشعب وانتقال النقاش من المطالبة السياسية إلى الآلية التي يمكن أن تقدم موعد الانتخابات يضع المعارضة أمام معادلة مختلفة. فالمطالبة بالذهاب إلى الصندوق لا تعني بالضرورة أن كل صيغة لتقديمه تحمل المعنى السياسي نفسه بالنسبة لقوى المعارضة المشتتة اليوم.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع إعادة تشكل المعارضة نفسها. فانشقاق أوزال ومجموعة النواب عن حزب الشعب الجمهوري أعاد توزيع القوة العددية داخل البرلمان، وأصبح موقف القوى المعارضة مرتبطا بقدرتها على التأثير في أي مسار برلماني يتعلق بتفعيل المادة 116 من الدستور.
الفرق بين الموعدين للانتخابات لا يتجاوز ثلاثة أسابيع، لكن قيمة الزمن في الحساب الانتخابي التركي الحالي لا تقاس بعدد الأيام وحده. كما أن ما يفصل بين 16 نيسان و7 أيار هو في الظاهر مسافة قصيرة، لكن ما يفصل اليوم عن ربيع 2028 مساحة سياسية واقتصادية يمكن أن تتغير خلالها كثير من الأرقام والمعطيات التي تتيح للحكومة مساحة زمنية إضافية لتحسين موقعها.
الاقتصاد يقدم أحد أهم الأمثلة على ذلك. فمسح المشاركين في السوق الذي نشره البنك المركزي في أيلول 2026 يضع توقع التضخم عند 29.61% لنهاية العام، و22.69% لنهاية 2027، و23.70% خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. وفي المقابل، يواصل البنك المركزي مسار خفض التضخم. تحسن المسار الاقتصادي، يمكن للأشهر الإضافية أن تمنح الحكم مساحة أوسع للدخول إلى الاستحقاق في بيئة مختلفة عما هي عليه اليوم.
والأمر نفسه ينطبق على الملفات السياسية والأمنية التي تتحرك بالتوازي. فمسار «تركيا بلا إرهاب»، وإعادة تشكيل التوازنات داخل المعارضة، والتطورات الإقليمية المحيطة بتركيا، كلها ملفات يمكن أن تتغير ارتداداتها قبل 2028.
ما حُسم حتى الآن هو أن تقديم انتخابات 2028 ممكن دستورياً، وأن طرح 16 نيسان دخل فعلياً إلى النقاش السياسي، وأن قرار الرئيس أردوغان بالترشح من عدمه يبقى جزءاً أساسياً من الحساب المرتبط بتغيير الموعد. أما ما لم يُحسم فهو من سيؤمّن الدعم البرلماني اللازم للوصول إلى 360 صوتاً.
وهنا تكمن أهمية الفترة المقبلة. فقرار تغيير الموعد لا يتحدد بالقاعدة الدستورية وحدها، ولا بالرغبة السياسية بمفردها، بل بتلاقي الحسابات داخل البرلمان مع حسابات السلطة والمعارضة ومعطيات الاقتصاد والأمن والسياسة.
16نيسان ليس قراراً انتخابياً بعد؛ إنه موعد مقترح يحتاج إلى مسار سياسي وبرلماني حتى يتحول إلى استحقاق فعلي. أما 7 أيار فيبقى الموعد العادي ما لم يُتخذ قرار بتجديد الانتخابات قبل ذلك. وبين الموعدين تتحرك حسابات قد تحدد ليس فقط تاريخ الذهاب إلى الصندوق وطبيعة البيئة السياسية التي ستدخل فيها تركيا الانتخابات ، بل رسم معالم من يقود تركيا بعد منتصف عام 2028.
