خليل حسين محرر بموقع السفينة
بين فشل وساطة وُصفت في بداياتها بالواعدة، وانهيار قنوات الحوار غير المباشرة، يبقى المشهد السياسي بين الولايات المتحدة وإيران رهينة معادلة معقدة يصعب تبسيطها أو اختزالها في أسباب ظرفية. فالأزمة القائمة لا تتعلق فقط بالخلاف حول البرنامج النووي، ولا يمكن تفسير تعثر المفاوضات بإلقاء اللوم على طرف دون آخر، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وجيوسياسية عميقة تشكّلت عبر عقود.
أولًا: أزمة ثقة متجذّرة
انعدام الثقة بين واشنطن وطهران ليس مجرد توصيف دبلوماسي عابر، بل هو الركيزة الأساسية التي تحكم العلاقة بين الطرفين منذ عام 1979. وقد تعزز هذا الانعدام بشكل كبير بعد الانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، ما رسّخ قناعة لدى إيران بعدم موثوقية الالتزامات الأميركية. في المقابل، تنظر واشنطن إلى السلوك الإيراني بعين الريبة، ما يجعل أي بادرة حسن نية عرضة للانهيار السريع وتحولها إلى أزمة جديدة.
ثانيًا: صراع المصالح الاستراتيجية
بلغ تضارب المصالح بين الطرفين مستويات يصعب معها الوصول إلى حلول وسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني في مناطق حيوية مثل العراق وسوريا ولبنان، معتبرةً أنه عامل عدم استقرار إقليمي. في المقابل، ترى إيران في هذا النفوذ امتدادًا لأمنها القومي وعمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه. وهنا يكمن جوهر الإشكال: ما تعتبره واشنطن تهديدًا، تراه طهران ضرورة وجودية.
ثالثًا: العقدة النووية وسياسة العقوبات
لا يزال الملف النووي والعقوبات الاقتصادية يمثلان محور الأزمة الأكثر تعقيدًا. فواشنطن تواصل اعتماد سياسة “الضغط الأقصى” التي تستهدف الاقتصاد الإيراني، بينما تصر طهران على حقها في تطوير برنامج نووي سلمي. وترى القيادة الإيرانية أن أي تراجع دون ضمانات حقيقية سيكون بمثابة خضوع للإرادة الأميركية. هذه المعادلة تضع المفاوضات أمام سؤال حاسم: من سيبادر بتقديم التنازل أولًا؟
رابعًا: حدود الوساطة الباكستانية
في هذا السياق، لم يكن فشل الوساطة الباكستانية مفاجئًا. فعلى الرغم من العلاقات المتوازنة التي تحافظ عليها إسلام أباد مع كل من واشنطن وطهران، فإنها تفتقر إلى النفوذ الكافي لفرض تسويات ملزمة. بدا دورها أقرب إلى وسيط رمزي في نزاع تتجاوز تعقيداته قدرات أي لاعب إقليمي منفرد.
غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة هو توجّه إيران نحو “تدويل الصراع”، في تحول تكتيكي يحمل دلالات استراتيجية مهمة. فمن خلال إشراك الأمم المتحدة والقوى الكبرى، تسعى طهران إلى تحقيق عدة أهداف: كسر العزلة المفروضة عليها، وتخفيف الضغوط الأميركية المباشرة، وتحويل المواجهة من إطار ثنائي غير متكافئ إلى مسار متعدد الأطراف يمنحها هامش مناورة أوسع.
خامسًا: ضغط الداخل وتعقيد القرار
تزيد الحسابات الداخلية في كلا البلدين من تعقيد المشهد. ففي الولايات المتحدة، يُنظر إلى أي تنازل لإيران على أنه مخاطرة سياسية كبيرة، بينما في إيران، تحرص القيادة على تجنب الظهور بمظهر الطرف الخاضع للضغوط. هذا التوازي في الحساسية الداخلية يدفع الطرفين نحو مواقف متصلبة، ويحدّ من فرص المرونة السياسية.
خلاصة
إن تعثر الحوار بين واشنطن وطهران لا يمكن اختزاله في فشل وساطة أو خلل تكتيكي، بل هو نتيجة طبيعية لصراع عميق على النفوذ، وتراكمات طويلة من العداء، وتعقيدات داخلية ودولية متشابكة. أما سعي إيران إلى تدويل الصراع، فهو ليس مجرد مناورة ظرفية، بل محاولة لإعادة صياغة ميزان القوى التفاوضي.
في ظل غياب إرادة حقيقية لتقديم تنازلات جوهرية، يبدو أن حالة الجمود ليست استثناءً عابرًا، بل هي القاعدة التي ستحكم العلاقة الأميركية-الإيرانية في المستقبل المنظور.