تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مناسبات عديدة بخصوص رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام معروفة لدى القاصي والداني. ولإضفاء الأحقية على رغبته هذه ادّعى أنه تمكّن من إيقاف أكثر من سبع حروب في كل العالم أو ثمان، وذلك وفق السياق والمناسبة وربما الحالة النفسية، مع العلم بأنه لم يتمكن بعد من إيقاف الحرب الروسية على أوكرانيا، والإسرئيلية على غزة والشعب الفلسطيني، على الرغم من علاقاته المتميزة مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ناهيك عن حربه الهجينة مع إيران، والتي تسببت في زلازل كبرى على مستوى الإقليم وعلى الصعيد العالمي، مستمرّة منذ نهاية فبراير/ شباط المنصرم؛ ولا تلوح في الأفق أي بوادر توحي بوجود إمكانيات واقعية للخروج منها.
وما يستشف من تصريحات ترامب وتعليقاته منذ العام الفائت بخصوص جدارته بالحصول على جائزة نوبل للسلام تضخّم نزعة الاستحواذ لديه. ولعل هذا ما يفسر ردات الفعل الأميركية الرسمية السريعة العنيفة التي أعقبت مباشرة إعلان اللجنة النرويجية عن فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، وهي التي ترأست لجنة تحقيق مستقلة التابعة للأمم المتحدة، خلصت إلى اتهام إسرائيل برئاسة نتنياهو بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب في قطاع غزة، الأمر الذي ما زال يثير الامتعاض الشديد لدى كل من نتنياهو وترامب.
وتمثلت ردّات الفعل الأميركية المشار إليها في تصريحات غير عادية لوزير الخارجية، ماركو روبيو، بخصوص محكمة الجنايات الدولية، وهو الذي تُلزمه وظيفته عدم تجاوز حدود التعابير الدبلوماسية التي تترك مختلف الأبواب مفتوحة، فقد كان هجومه على المحكمة صارماً لافتاً، كما أن إعلانه عن إجراءات عقابية بحقها كان صادماً. ولم يكتف بذلك، بل أعلن أيضاً نية بلاده معاقبة الشركات التي لا تلتزم بالإجراءات الأميركية الموجّهة ضد المحكمة المذكورة، ودعا حلفاء الولايات المتحدة إلى الاقتداء بها.
أما الرئيس ترامب فقد انتقد قرار اللجنة النرويجية ووصفه بالمنحاز. وقد تزامنت ردات الفعل هذه مع مصادقة الرئيس ترامب على توصية وزير الحرب، بيت هيغسيث، بخصوص الإعدام العلني الذي سينفذ بحق العسكري الأميركي نضال مالك حسن (مدان بقتل 13 عسكري أميركي في قاعدة فورت هود بولاية تكساس عام 2009)، في ديسمبر/ كانون الثاني المقبل، وهو القرار الذي أثار عاصفة من انتقادات وردات فعل سلبية على المستويين، السياسي والشعبي، وشملت حتى أعضاء في الحزب الجمهوري، وقد وصفه بعضهم بأنه يعكس ذهنية العصور الوسطى، ولا ينسجم مع روحية العصر والقيم الإنسانية المعاصرة.
يعاني النظام الديمقراطي الأميركي من ثغراتٍ كبرى، وهذا ما يمكّن أصحاب التوجهات اليمينية المتشدّدة بكل ألوانها وأصحاب المليارات في وادي السيليكون، ممن يسيطرون على الشركات التكنولوجية الحديثة، والمؤسّسات الإعلامية الضخمة، من استغلالها. ولا يخفي هؤلاء معاداتهم القيم الديمقراطية الليبرالية والأنظمة الديمقراطية في العالم. وربما هذا يفسّر جانباً من حالة البرود المهيمنة على العلاقات الأميركية الأوروبية في ظل إدارة ترامب، الأمر الذي بدأ في فترة رئاسته الأولى، وتفاقم في الفترة الثانية المستمرة. فأوروبا بتقاليدها الديمقراطية وقيمها الإنسانية تظل، على الرغم من التراجعات التي كانت، ونقاط الضعف التي برزت، والنزعات الشعبوية الانتهازية التي انتشرت، الهاجس الأكبر للعقلية الترامبية التي تقود الولايات المتحدة راهناً؛ وهي العقلية التي تحاول التحرّر من القيود التي تحدّ من نزعاتها الأنانية، ومساعيها لمراكمة الثروات الخاصة بمختلف الأساليب، بما فيها استغلال علاقات القرابة والمواقع الرسمية والاعتماد على شبكة الممثلين الشخصيين لإدارة أعقد الملفات، وغيرها من أساليب لا تسمح بها الأنظمة الديمقراطية الأوروبية، بل تحاسب بموجب القوانين من يُقدم عليها. وما يمكّنها من هذا يتجسّد في جملة مبادئ لا يستقيم النظام الديمقراطي من دونها، وفي مقدمة هذه المبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة واستقلالية القضاء، والإعلام الحر، والالتزام الصارم بمبدأ حرية التعبير الذي لا يُسمح باستغلاله ليصبح مدخلا للهجوم على الجماعات القومية أو العرقية والدينية والمذهبية.
لقد شجع ترامب في فترة حكمه الأولى بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي ندم البريطانيون على حصوله لاحقاً. وحاليا هناك جهود تبذل من أجل عودة بريطانيا إلى الاتحاد. كما شجع ترامب، ويشجع، علناً، الجماعات والتيارات اليمينية الأورربية المتشدّدة المناهضة للمهاجرين، والتي تلتقي في نقاط كثيرة مع توجهات بوتين الخاصة بمعاداة الأنظمة الديمقراطية الأوروبية التي لا تسمح، بموجب قوانينها السارية، بهيمنة النزعات الأوتوقراطية التي يلتقي في تأييدها ترمب مع بوتين.
المواقف السلبية التي يتخذها الرئيس ترامب من الأوروبيين باستمرار، لا يمكن تفسيرها من زاوية الخلاف حول الرسوم الجمركية أو إعطاء الشركات الأميركية امتيازات خاصة أو إعفائها من القوانين الأوروبية. الموضوع أعقد وأعمق؛ فالمواقف المعنية تشير، في واقع الأمور، إلى وجود رغبة لدى ترامب في إضعاف الأنظمة الديمقراطية الأوروبية القائمة على القيم الليبرالية، لتتحوّل إلى مجرّد أنظمة ديمقراطية انتخابية، يستطيع أن يتحكم فيها أصحاب المليارات ممن يهيمنون على المؤسسات الإعلامية الضخمة، ومنصّات التواصل الاجتماعي، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والمؤسّسات المالية العملاقة، ولديهم القدرة بفعل هذا على التحكّم في توجهات الناس وميولهم.
بناء على ما تقدم، ربما تمكنّا من فهم أسباب حرص الإدارة الأميركية بقيادة ترامب على تهميش أوروبا وإبعادها عن دائرة التأثير على المستوى الدولي، وهذا ما أقرّته استراتيجية الإدارة المعنية الخاصة بالأمن القومي التي جرى الإعلان عنها في نهايات العام الفائت 2025، فأوروبا اليوم مغيبة أميركياً في الشرق الأوسط، وبعيدة حتى عن المباحثات الأميركية الروسية الخاصة بالملف الأوكراني الذي يمس الأوروبيين مباشرة.
وعلى الرغم من حرص الأوروببين على عدم إثارة غضب الإدارة الأميركية، وتحمّل المدة المتبقية من ولايته، تحاشياً لحدوث اي اصطفافات قد تتعارض مع مصالح الطرفين، يلاحظ وجود توجّه أوروبي للتصرف باستقلالية أكبر، ووضع الأسس لاستراتيجية دفاعية مدعومة بخطوات عملية تمكّن الإتحاد الأوروبي من الاستعداد لتحديات المستقبل. وجدير ذكره في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي بصورة عامة يختلف مع الإدارة الأميركية الحالية في توجهات واهتمامات كثيرة، فترامب، ومعه مجموعة الأوليغارشيين المتنفذين، لا يعطون أي اعتبار لمسائل البيئة، بل يشككون في وجود قضية بيئية تهدًد مستقبل الحياة والبشرية أصلاً. كما لا يعطي هؤلاء أي قيمة للمؤسسات الدولية التي تم التوافق عليها من أجل حل الخلافات ومعالجة الأزمات (الأمم المتحدة)، ومساعدة الشعوب المحتاجة ( منظمة الأغذية العالمية ويونيسكو ويونيسف وغيرها)، ومحاسبة مجرمي الحرب (محكمة الجنايات الدولية)، هذا بينما تتخذ دول الاتحاد الأوروبي قضايا البيئة من بين أولوياتها؛ وتحرص باستمرار على احترام قرارات المؤسسات والمنظمات الدولية التي تشكّلت أصلا بإرداة المجتمع الدولي لمصلحة الشعوب.
وللاتحاد الأوروبي مواقف واضحة من مسائل حقوق الشعوب، ودعم التوجهات الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، هذا في حين أن مسألة الديمقراطية وجهود دعمها قد غابت بصورة شبه كاملة عن بيانات إدارة ترامب وتصريحاته وتصريحات مسوؤليه الغزيرة. ولعل من المناسب أن يُشار هنا إلى المبادرة الفرنسية السعودية التي عملت على تحشيد الرأي العام العالمي لصالح موضوع حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين. وهي المبادرة التي أثارت حفيظة نتنياهو وحكومته، وترامب وإدارته، فالأوروبيون، بحكم خبرتهم واطلاعهم على وقائع الأمور في منطقتنا، يعلمون أن الأوضاع لن تستقر في إقليمنا المضطرب من دون التوصل إلى حل ممكن واقعي مقبول لموضوع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني- العربي. فهذا الموضوع، الذي يتفاعل مع رمزية القدس، يمسّ وجدان العرب والمسلمين في الصميم، ومن دون التوصل إلى حل عادل سيظل المجال مفتوحا أمام تدخل القوى الأخرى، كما هو الحال بالنسبة لتدخلات النظام الإيراني الانتهازية أكثر من 40 عاماً.
وفي السياق نفسه، يبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي قد توصلت إلى قناعة، بناء على خبرتها الطويلة في ميدان التعامل مع الإدارات الأميركية، وفي أجواء الاستهتار الإيراني بكل القيم والقواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تنظّم العلاقات بين دول الجوار، مفادها بأن الاعتماد على الإدارة الأميركية وحدها لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة أثبت إخفاقه، ولذلك يلاحظ اليوم توجهها نحو أوروبا الذي يتفاعل مع الاستعداد والحماس الأوروبيين للوقوف إلى جانب السعودية من أجل حماية المصالح، ومنع الأمور من الخروج عن السيطرة.
ويبقى الوضع السوري المؤرّق الذي يواجه مختلف الاحتمالات غير السارّة بكل أسف، في غياب توجّه جاد من الإدارة السورية الجديدة نحو منح السوريين حقهم الطبيعي في مناقشة مصير بلدهم وشعبهم، والتوافق على الخطوات الوطنية الضرورية اللازمة من أجل الاستعداد للتعامل العقلاني مع العواصف الإقليمية والاضطرابات الداخلية.
