لا يعكس تعامل الإدارة الأميركية البارد مع تصعيد الحوثيين في اليمن حقيقة اهتمام دوائر القرار في واشنطن بهؤلاء المسلّحين المدعومين على نحو واضح من إيران، وخصوصًا أنهم يهدّدون بالسيطرة على باب المندب، وهو ممرّ بحري استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، يوازي بأهميته مضيق هرمز.
لكن المعطيات الواردة من واشنطن تفيد بأن دوائر القرار هناك تنظر إلى الحوثيين انطلاقًا من تجربة “حزب الله” اللبناني، خصوصًا أن مرجعيتهما واحدة، وهي النظام الإيراني الذي تخوض الإدارة الأميركية حربًا عسكرية واقتصادية ضده. وتؤكّد المعطيات أن التقدّم العسكري الذي حقّقه الحوثيون في اليمن، وسيطرتهم بشكل أكبر على الساحل اليمني وجزر عدّة في البحر الأحمر، وفرض سيطرتهم على صادرات النفط الإقليمية، دفع الخبراء العسكريين والاستراتيجيين في العاصمة الأميركية إلى اعتبارهم الطرف الأبرز في “محور المقاومة”، متقدّمين على “الحزب” الذي تراجع وهجه إثر هزائم عدّة ألحقتها به إسرائيل.
ما يحصل في اليمن خطير جدًا، وترى مصادر سياسية أميركية مطّلعة على رؤية الإدارة الأميركية لمسألة الحوثيين أن هذا الملف ليس مهمَلًا، وخصوصًا مع إشادة الصحف الإيرانية الموالية للنظام بالمكاسب الميدانية التي حقّقها الحوثيون.
والسؤال الذي يُطرح في واشنطن اليوم: هل الحوثيون هم “حزب الله الجديد”؟
تلفت المصادر إلى أن الاهتمام الإيراني بـ”الحزب” تراجع بشكل ملحوظ، بدليل تخلّي إيران عنه في معركة مرتفعات علي الطاهر، ما يعني تحوّلًا استراتيجيًا في موازين القوى والنفوذ الإقليمي لإيران بين البر والبحر. ويمكن تفكيك هذه المعادلة على النحو الآتي، وفق المصادر:
إن خسارة “الحزب” شبكة أنفاق علي الطاهر، التي بُنيت بمساعدة إيرانية، وكانت تُعدّ حجر زاوية في منظومة الردع البرية الإيرانية المحاذية للحدود الإسرائيلية، جرى تعويضها استراتيجيًا بسيطرة الحوثيين على مناطق حسّاسة في اليمن مطلّة على باب المندب، مثل المخا وذوباب وجزيرة ميون، ما منح طهران ورقة ضغط بحرية هائلة تمسّ الشرايين الاقتصادية وحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وتعتبر المصادر أن هذه التطورات أثبتت مرونة النظام الإيراني في تحريك أوراق الصراع، إذ تحوّل الثقل من معارك البر التكتيكية في لبنان إلى أوراق الضغط الجيو-اقتصادي الأكثر إيلامًا في الممرات المائية الدولية.
تتجه أنظار دول المنطقة المحيطة باليمن، المنطقة الأكثر سخونة اليوم، إلى الولايات المتحدة الأميركية والطريقة التي ستتعامل بها مع إمكان سيطرة الحوثيين على باب المندب. وتشير المعلومات إلى أن هناك معادلة ثابتة لدى الإدارة الأميركية تقضي بعدم التورّط مباشرة في الصراع مع الأذرع العسكرية الإيرانية، أي أن هناك خطًا أحمر أمام التدخل العسكري المباشر. فواشنطن دعمت إسرائيل في حربها ضد “الحزب”، وتمكّنت الأخيرة من تحقيق إنجازات عسكرية بفضل الدعم الأميركي. والقرار المتخذ بالنسبة إلى الحوثيين سيكون أيضًا تقديم دعم استخباراتي وعسكري غير مباشر للحليف السعودي. وقد رفض ترامب طلبًا مباشرًا من السعودية لشنّ هجمات عسكرية جوية أو صاروخية للتصدّي لزحف الحوثيين على الساحل الغربي.
وتعود هذه الرغبة إلى استنزاف القدرات العسكرية الأميركية حول مضيق هرمز، والتركيز على الحرب الدائرة مع إيران، إلى جانب الخشية من تداعيات التصعيد على أسعار النفط مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل.
وتكشف المعطيات أن هناك ما لا يقل عن 100 مستشار عسكري أميركي ميدانيًا في السعودية، لتقديم دعم استخباراتي متقدّم ومشاركة بيانات الأهداف لصدّ الهجمات الصاروخية ومسيّرات الحوثيين المتجهة نحو مدن مثل الرياض وينبع. كذلك، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة تسليح عاجلة للمملكة بقيمة 24.3 مليار دولار لشراء 48 مقاتلة من طراز F-35، لتعزيز قدراتها الردعية والدفاعية.
أمام تطورات اليمن، لا يبدو أن هناك اهتمامًا أميركيًا كبيرًا بـ”الحزب” بعدما تراجعت قدراته بفعل الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، ولم يعد يبدو بتلك الدرجة من الترهيب في الآونة الأخيرة. وتلفت المصادر إلى أن التركيز الاستخباراتي الأميركي اليوم يتمحور حول الحوثيين الذين يقومون بأمور عجز “الحزب” عن القيام بها!
ويتساءل المراقبون في العالم اليوم: هل يمكن أن يحلّ الحوثيون محل “الحزب”، ليصبحوا القوة الأهم – وربما الأكثر خطورة – في “محور المقاومة”؟
تجيب المصادر الأميركية أن المقارنة بين الحوثيين و”الحزب” قد تكون غير موضوعية، إذ لم يضطر الحوثيون إلى خوض مواجهة مباشرة مع إسرائيل نظرًا إلى بُعد المسافة الجغرافية بينهما. وحتماً، قد لا تكون القدرات العسكرية السعودية مماثلة لقدرات إسرائيل. لذلك، ترى المصادر أن عدم مواجهة الحوثيين برّيًا بشكل ساحق سيجعلهم أكثر قيمة مما كان يمكن لـ”الحزب” أن يكون عليه يومًا، وخصوصًا أن مواقعهم الاستراتيجية تتيح لهم السيطرة على الممرات البحرية بسهولة.
وتشير الترجيحات الأميركية إلى أن الحوثيين تفوّقوا على “الحزب”، بل يؤدّون بشكل متزايد وظيفة استراتيجية مماثلة لتلك التي أدّاها “الحزب” بالنسبة إلى إيران طوال الفترة السابقة، بل أكثر فائدة في بعض الجوانب.
ويتفق الخبراء الاستراتيجيون الأميركيون على أن “الحزب” وفّر لطهران قوة ردع ضد إسرائيل انطلاقًا من لبنان، بينما يمنح الحوثيون إيران أوراق ضغط في مواجهة السعودية وإسرائيل وحركة الملاحة العالمية. ويستنتجون أن أهميتهم الاستراتيجية بالنسبة إلى طهران قد ارتفعت بشكل حاد، لا سيما أن “الحزب” بات يواجه ضغوطًا أكبر بكثير.
لكن المعطيات الأميركية المتوافرة من دراسات عدّة أُجريت حول الحوثيين تشير إلى أن سيطرة إيران عليهم، على عكس الحال مع “الحزب”، ليست شاملة وكاملة، بدليل أنه، في حين احتفت وسائل الإعلام الإيرانية بمكاسب الحوثيين باعتبارها انتصارًا لـ”محور المقاومة” الإيراني، ركّزت القنوات التي يديرها الحوثيون بشكل أكبر على معركتهم الخاصة ضد السعودية، التي تفرض حصارًا على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وترى هذه الدراسات أن الفارق الأكبر بين الحوثيين و”الحزب” يكمن في الاستقلالية؛ فالحوثيون لديهم قيادتهم وأيديولوجيتهم وقاعدتهم الشعبية المحلية ومشروعهم الخاص المتعلّق بالأرض والسيطرة. ويمكن لطهران أن تمكّنهم وتسلّحهم وتستفيد من تحركاتهم، لكنها لا تستطيع بالضرورة توجيههم أو التحكّم في تحركاتهم وإيقافها بحسب رغبتها.
وتشير هذه الدراسات إلى أن الحوثيين مضوا قدمًا في الماضي في تنفيذ خطط عسكرية معيّنة رغم اعتراضات إيران. كما نفت طهران أي صلة لها بهذه الحملة الأخيرة، في ظل تقارير متواترة تؤكّد أن إيران ترسل أسلحة متطورة إلى الحوثيين.
في المحصّلة، إن التحوّل الاستراتيجي من خسارة مرتفعات علي الطاهر البرّية في لبنان إلى كسب مضيق “باب المندب” البحري في اليمن، يلقي بظلاله مباشرة على المفاوضات غير المباشرة الجارية بين واشنطن وطهران في سلطنة عُمان وعدد من العواصم الإقليمية في أيلول 2026.