
الثورة الفرنسية بريشة جان لوي بيزار (متحف الثورة)
ملخص
يتناول الكاتب اللبناني حازم صاغية في كتابه الجديد “في مديح الثورات وهجائها” (دار رياض الريس 2026)، 3 ثورات عالمية وتاريخية، كان لها أثر على الفكر والسياسة في العالم العربي وهي: الثورة الفرنسية والثورة البلشفية والثورة الإيرانية.
يعود الكاتب حازم صاغية في كتابه الجديد “في مديح الثورات وهجائها” إلى ثلاثة جذور، بل مفاصل أساسية في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، أرخت بظلالها القاتمة والوردية، على مجمل التحولات السياسية في العالم الغربي، والعالم الشرقي، ومنها بلداننا العربية؛ وهي الثورات الكبرى الثلاث: الثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، والثورة الإيرانية. على أن الكاتب، ومن خلال عنوان الكتاب، يلزم نفسه البحث في جوانب هذه الثورات الإيجابية (مديح)، والسلبية (هجاء)، منتهياً بخلاصات تخص القراء العرب المفترضين.
على أن الأبحاث الثلاثة التي يجري عرضها، ها هنا، تختص بميزة عن الدراسات التاريخية التقليدية، وهي اعتماد الكاتب فيها المقاربة المتعددة الأبعاد؛ البعد التاريخي، والفكري، والاجتماعي، والاقتصادي-السياسي. إذ يدأب فيها الكاتب على ملامسة القيَم المتغيرة، في البيئة المعنية بالثورة، وما لازمتها من تحولات على أصعدة عديدة، تطاول انعكاساتها الجماعات والأفراد.
الثورة اثنتان
وفي ما يشبه الإشكالية المطروحة في كل عمل بحثي، افترض الكاتب صاغية أن كلاً من الثورات الثلاث مرت بمرحلتين اثنتين، بل بثورتين؛ الأولى تكون “مركزية” ويحكمها الواقع، وتبدو “احتجاجاً على سياسات اقتصادية أو تعليمية” أو سياسات عادية (ص:25). أما المرحلة الثانية فيتغلب فيها “الفكراني” وتناط القيادة بأشخاص عاشقين للسلطة” (ص:25)، يكلفون بقمع كل من يخالفهم الرأي، أو يهدد سلطانهم، وبغض النظر عن أعداد هؤلاء، أو عن تسمية الصيغ السياسية أو الحقوقية التي يتم فيها قمع الخصوم المفترضين، مثل الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ، وجر فيها ملايين الصينيين من الطبقة البورجوازية إلى العمل العقابي، وحملات المنفى إلى سيبيريا والأعمال الشاقة التي قام بها ستالين والدفع بالملايين من أبناء الطبقة البورجوازية والمثقفين إلى الموت، والمعاناة، مرضاً وجوعاً، واغتيالاً.
الثورة الفرنسية
يقول الكاتب صاغية، في استعراضه الموجز للحدث المفصلي، في التاريخ السياسي الحديث، وعنيتُ به الثورة الفرنسية، ومحفزاته الفكرية، أنه كان ثمة اتجاهان فكريان مختلفان في تكوين الثورة الفرنسية، بل متصارعين أحياناً؛ بينجان-جاك روسو مبتدع فكرة الرأي العام، أو الإرادة الشعبية مصدراً للسلطات، وبين فكرة لوك وفولتير الداعية إلى حرية الفرد واعتبار السلطة الديمقراطية مصدراً للسلطات، بعيداً من الغوغائية، وقد أضيف إلى هذا الحافز الفكري عوامل اقتصادية ضاغطة أهمها الانهيار الاقتصادي أواخر القرن الـ18.
ومن يتتبع مسار الأحداث في الثورة الفرنسية، على ما قام به الباحث صاغية، يجد أن الأفعال العنفية لم تكن تلازم الاندفاعة الثورية الأولى، بعد استلام السلطة، واحتجاز الملك لويس الـ16 وعائلته وحاشيته. ولئن شهدت الاندفاعة الأولى حركة وعي متعاظمة لدى النبلاء والأرستقراطية الفرنسية بوجوب التنازل عن بعض امتيازاتهم المادية والمعنوية، فإن الاندفاعة الثورية الثانية، برئاسة روبسبيير المشبع بفكر روسو الشعبوي الاستبدادي، عجلت بالقضاء على الملك وأبنائه. ولم يسلم من شر هذه الإعدامات كل من اشتُبه بكونه مؤيداً للملكية، حتى تجاوزت أعداد القتلى إعداماً 17 ألفاً، عدا المحكومين والسجناء الذين تجاوزوا 10 آلاف.
ولما كانت الثورة الفرنسية، شأن كل سلطة انقلابية عنيفة، لا تستند إلى قواعد أخلاقية أو قانونية ثابتة، فقد انتهى روبسييير على المقصلة، وهذه المرة على يد الجيرونديين، زملائه في الثورة!
وإن صح أن الثورة الفرنسية حققت بعض المطالب المهمة للطبقات الشعبية المهمشة، وأقامت الحد بين السلطة والدين (الكاثوليكي) وألغت امتيازات السلطة الكنسية، فإنها أسهمت في إضفاء الطابع العسكري على السلطة، بوجود 700 ألف مجند في صفوف جيش الجمهورية، أمكن لها (الثورة الفرنسية) من الانتصار على الغزاة الخارجيين، أعني بهم القوات النمسوية والبروسية. وبهذا انتقلت الثورة الفرنسية من حقبة شبه ليبرالية (1789-1791)، إلى حقبة استبدادية (1791-1794). وظل الوضع المتقلب، بعد روبسيير، سيد الموقف، والحروب الخارجية جارية مع البلدان المجاورة، والفساد مسيطراً، إلى أن قام نابليون بانقلابه العتيد، وتولى السلطة وأرسى دعائم ديكتاتوريته وحروبه.
الثورة الروسية
يستهل الكاتب صاغية كلامه على الثورة الروسية باعتبار أن الشعب الروسي، لدى تكونه الحديث أمة متراصة أواخر القرن الـ18، وإمبراطورية مترامية الأطراف، على حدود أوروبا الشرقية، كان دائم السعي إلى تحديث أنظمته السياسية على غرار النموذج الغربي الذي كان ماثلاً أمامه. فكانت أوائل الإصلاحات مع بطرس الأكبر أواخر القرن الـ17، وأوائل الـ18، استأنفتها كاترين العظمى في أواسط القرن الـ18، بعد أن استقدمت إليها المفكر التنويري والموسوعي دنيس ديدرو، وعينته مسؤولاً عن مكتبتها.
وكان الإلحاحُ على الإصلاحات في روسيا باديا، على امتداد الحقبات السياسية في روسيا، وصولاً إلى ألكسندر الثاني، وتوليه الحكم منذ عام 1855؛ وقد عمل هذا الأخير على تحديث المحاكم والشرطة والنظام التعليمي، وأصدر قراره الكبير في إلغاء القنانة وتحرير الأقنان (الفلاحين العاملين لدى الإقطاع والخاضعين لسلطانه). وعلى هذا فقد جعل المثقفون الروس في رأس أولوياتهم الإصلاحات، وإنهاء الدولة الأوتوقراطية القيصرية، وإحلال الجمهورية بديلاً لها. ومن أجل ذلك، تقدم عديد من الأحزاب والتجمعات الحزبية بأفكار، مثل جعل الفلاحين قادة للبلاد، أو إحلال إرادة الشعب بديلاً من إرادة الحكام. وكانت أسرة لينين نفسها عانت من إعدام شقيقه الأكبر ألكسندر، القيادي في حزب “إرادة الشعب” تبعاً لمسؤوليته في محاولة اغتيال القيصر ألكسندر الثالث عام 1887.
ومن ثم انتقلت الحركات السياسية من الإطار النقابي البحت، أو من الفكر التنويري لأواخر القرن الـ19، إلى الإطار الماركسي، بعد ترجمة أعمال كارل ماركس إلى الروسية وتلقف أعماله من قبل القيمين على الحراك السياسي، وقادة النضالات المطلبية في المصانع والنقابات الفلاحية والأحزاب السرية. عندئذ أخذ دور الأيديولوجيا يتعاظم مع نشوء حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1903.
“إنجازات” الشيوعية وفظائعها
لم تكتف السلطات في الحكومة البلشفية بفصل الدين عن الدولة، وإنما عمدت إلى محاربة رجال الدين، والمؤمنين، فأعدمت الآلاف منهم، وأممت أملاك الكنيسة الأرثوذكسية، وأنشأت “الإدارة العليا للتنوير السياسي” مهمتها مكافحة الدين والأفكار الرجعية. ومن ثم تركز اهتمام قادة الحزب الشيوعي على تحقيق مركزية القرار؛ فعمدت الأخيرة إلى حملات تطهير وإعدامات طاولت كثيرين ممن تميزوا عن الحزب بيساريتهم، من تروتسكي نزولاً إلى أقدم محارب في الجيش السوفياتي.
هذا ولم نتحدث عن كلفة الحرب العالمية الأولى، 7 ملايين روسي، يضاف إليهم ما يقارب الـ700 ألف في الحرب الأهلية، وقد تخللتهما المجاعة بملايينها الثلاثة. هذا وقد حلت بديلاً عن الإيمان بالكنيسة، عبادة الزعماء، لينين وبعده ستالين، واعتبارهما بمكانة المكرمين، في ما يعاكس الإلحاد الذي ناضلت الشيوعية من أجل تحقيقه. وليس هذا فحسب، وإنما يُحسب للشيوعية أيضاً “إنجازها” تطهير جسم المثقفين من “الانتهازيين والبطالين” أمثال كبار الشعراء المعارضين للقمع الدموي؛ فمات الشاعر ماندلستام في المعتقل، وكذا عشرات، بل مئات من الكتاب والفنانين، والعلماء، بأدنى حجج المعارضة.
الثورة الإيرانية
ولدى بلوغه إلى الثورة الثالثة والأخيرة في كتابه، يبسط الكاتب صاغية موجزه التاريخي المكثف لما قبل الثورة الإيرانية، في عام 1979، ولما بعدها، مشيراً إلى الدوافع التي أملت مواقف كل من المساهمين في هذه الثورة، والمعارضين لها من نظام الشاه. ففي الفصل الثالث بعنوان “ثورة إيران…أو ثورة الاحتقان التاريخي”، يعمد الكاتب صاغية إلى تبيان كيف أن عوامل عديدة، منها العامل الديني لدى الشعب الإيراني، ذي الغالبية العظمى من سكانه 95 في المئة شيعة الإثنا عشرية منذ القرن الـ15، تقابلها الأقلية على المذهبين السني والصوفي، ومن بقي من الطوائف يتوزعون بين البهائية، والزردشتية، والمسيحية، واليهود، أدت إلى القضاء على نظام الشاه ذي الامتداد الفارسي لـ2500 عام خلت.
وإن شئنا تلخيص هذه الإحاطة، يقول الكاتب عنها إنها أكثر الثورات الحاصلة في الربع الأخير من القرن الـ20 “معاداة للتنوير”. لماذا؟ لأن الحاكم، في حينه، أي الشاه محمد رضا بهلوي ، الذي، وإن راكم العديد من الإصلاحات الدستورية، وضاعف المؤسسات التعليمية، وأدخل البلاد في عصر الصناعات الحديثة واستغلال الموارد النفطية، فإنه راكم عداوات وأخطاء قاتلة حيال الأغلبية (الشيعية) والأحزاب القومية، في الخمسينيات والستينيات، واستعدى غلاة رجال الدين بإبعادهم عن البلاد، اعتقالاً ونفياً.
وكان من بين هؤلاء الخميني الذي أفلح، من منفاه الفرنسي، في تحريك الشارع الإيراني المعارض، سواء من الأحزاب الدينية أو الأحزاب اليسارية، وصولاً إلى إسقاط الشاه ونفيه إلى مصر، لحظة دخول الخميني طهران، واحتشاد 9 ملايين مشارك في عاشوراء الحسين بن علي، “أكثر مما حشدته الثورتان الفرنسية والروسية في مناسباتهما الجماهيرية” (ص:239).
ولكن الأهم في تلك الثورة لم يحدث لدى تسلم الخميني السلطة، وإنهاء الحكم الفارسي الذي دام 2500 عام، وإنما بعد ذلك بسنوات قليلة. إذ اتضح، مع مرور الزمن، أن نظام الخميني كان أساسه دينياً، وأن موقع “الولي الفقيه” أو المرشد الأعلى كان هو صاحب القرار الأهم في الدولة الإسلامية الإيرانية، وليس رئيس الجمهورية، ولا المجلس التشريعي (البرلمان)، ولا مجلس صيانة الدستور، ولا مجلس الخبراء وهم جلهم من رجال الدين، ممن أنيط بهم الحفاظ على أولوية الدين في شؤون الحكم والقوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
وكان من الطبيعي أن يتصدى الخميني لكل محاولات السياسيين الإقلال من البُعد الديني في الحياة السياسية الإيرانية؛ فأبعد رؤساء حكومات (شهبور بختيار، والمهدي بازركان) وطُرد حزب توده، وأغلبية فدائيي خلق وغيرهم. وزُج في السجون الآلاف الباقون المعارضون، في مقابل إنشاء الخميني الحرس الثوري الإيراني، رافداً للجيش، بل حافظاً للثورة الإسلامية وأكثر أمانة لها من سائر الأنظمة الأمنية.
اختلاط الدروس
في الصفحتين الأخيرتين من الكتاب، ينبه الكاتب القراء من الثقة المفرطة بالانتفاضات والانقلابات العسكرية في عالمنا العربي، وتسميتها ثورات، يقيناً منها أنها سوف تحسن حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وستحقق التقدم والعدالة والمساواة التي لطالما طمحت إلى تحققها. ومن أجلى الدروس التي يطرحها الكتاب أنه يحسن بالشعوب أن تعتمد خير السبل الديمقراطية لتحقيق طموحاتها في التغيير والتقدم والتحديث، وأن أثمان تلك السبل هي أقل بما لا يقاس من أثمان الثورات في بلداننا، التي غالباً ما تتحول إلى فتن قاتلة وماحقة. والأمثلة لا تحتاج إلى بينات.