-
وفاء خيري…. الجمهورية .نت
-
-
-
في كانون الثاني (يناير) 2026، أثار إعلان ترويجي لحلقة من برنامج «ذا بلايند دايت شو» المصري جدلاً واسعاً بعد ظهور طفلين يجلسان خلف الحاجز الشهير نفسه الذي يفصل بين المشاركين في البرنامج، في مشهد يُحاكي صيغة برامج المواعدة الموجهة للبالغين. أثار الإعلان موجة غضب في مصر، وتحرك المجلس القومي للطفولة والأمومة قضائياً ضد البرنامج، بينما تدخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتواصل مع مسؤولي منصة (Binge Circle) المنتجة، التي قرَّرت حذف الحلقة نهائياً من جميع حساباتها. لاحقاً، أوضحت الشركة أن المشاركين كانوا ممثلين محترفين، وأن المحتوى اقتصر على حوار حول الدراسة والعائلة والهوايات دون أيِّ طابع رومانسي.
لكن أهمية هذه الواقعة لا تكمُن فقط في الجدل الذي أثارته، بل في كونها تكشِف منطقاً أوسَع يحكم صناعة برامج المواعدة نفسها: عندما يصبح «الاختيار العاطفي» مادة ترفيهية مُربحة، تُصبِح الحدود بين التجربة الإنسانية والمحتوى الإعلامي أكثر قابليةً للتفاوض. لذلك لا تبدو الحادثة مجرَّد خطأ إنتاجي منفصل، بل مثالاً على السؤال الأوسع الذي تطرحه هذه البرامج: ماذا يحدث عندما تتحوَّل العلاقات الإنسانية إلى عرض مصممٍّ للمشاهدة؟ كما تطرح أسئلة أخرى، مثل: هل تمنح هذه البرامج المشاركين مساحة أكبر للتعبير عن أنفسهم؟ وما نوع الحرية التي تُصبِح مُمكنة عندما يتحوَّل التعبير عن المشاعر نفسه إلى منتج قابل للمشاهدة والاستهلاك؟
وهم كسر التابو: من يملك حق الظهور؟
من ذا بلايند دايت شو المصري إلى «قسمة ونصيب» اللبناني، وصولًا إلى «الحب من أول ديت» الذي يُعرَض عبر منصة شاهد، تُقدِّم برامجُ التعارُف العربية نفسها باعتبارها مساحة جديدة للحديث عن الحب والاختيار في مجتمعات ما زالت تتعامل بحذرٍ مع العلاقات قبل الزواج. وهي بالفعل تفتح مساحةً لمناقشة موضوعات كانت لسنوات طويلة بعيدةً عن الشاشة، لكنها في الوقت نفسه تضعُ هذه الموضوعات داخل إطار تجاري تحكُمه الكاميرا والمونتاج والإعلانات وتوقعات الجمهور.
لكن كسر التابو هنا ليس محايداً؛ فهو يحدث داخل شروط الصناعة الإعلامية نفسها. فالأشخاص الذين يظهرون على الشاشة لا يُمثِّلون بالضرورة تنوّع المجتمع بأكمله، بل غالباً ما ينتمون إلى دوائر اجتماعية مُحدَّدة تظهر من خلال اللغة المُستخدمة، وطريقة الحديث عن الاستقلالية، والعمل، والمال، ونمط الحياة.
في «ذا بلايند دايت شو»، مثلًا، لا يظهر الحب فقط كاختيار شخصي، بل كجزء من صورة اجتماعية كاملة عن الشخص العصري؛ حتى الديكور البصري البسيط والمعقَّم، بعيداً عن أيِّ ملمحٍ محليٍّ واضحٍ، يخلق إحساساً بأنّ هذا النموذج من الحياة هو الشكل الطبيعي والمحايد للعلاقات الحديثة.
ويظهرُ هذا الانفصال أيضاً في طبيعة القيم الاجتماعية التي تُعرض داخل البرنامج. فالكثيرُ من الحوارات التي تدور بين المشاركين تَنطلِق من افتراضات ثقافية أقربَ إلى نموذج عالمي/غربي للحياة العاطفية، مثل تطبيع الصداقة القريبة بين الرجال والنساء، أو الحديث عن الاستقلالية الفردية داخل العلاقة، أو إعادة تعريف أدوار المرأة داخل المنزل والعمل. هذه الأفكار ليست بالضرورة جديدةً أو مرفوضة في المطلق، لكنها لا تزال بعيدة عن التجارب اليومية لقطاعات واسعة من المجتمع المصري، خصوصاً الطبقات الوسطى التي تحمِل تصوراتٍ أكثر تقليدية حول الزواج وأدوار الشريكين.
وتظهر هنا مُفارقة مهمة: البرنامج الذي يُحاول تقديم نفسه باعتباره مساحة طبيعية للحديث عن الحب والعلاقات، يُستقبل أحياناً باعتباره تمثيلاً لنمطِ حياةٍ خاصٍّ بفئة اجتماعية مُحدِّدة. فمعاييرُ الجاذبية والنجاح داخله ترتبط غالباً بالقدرة الاقتصادية، والأماكن التي يرتادها الشخص، وطريقة حديثه، بينما تُقاس قيمة الرجل في كثيرٍ من الأحيان بقدرته المادية وما يستطيع توفيره، وتُناقش المرأة من خلال علاقتها بالاستقلالية أو تصوُّرها لدورها داخل العلاقة. المشكلة هنا ليست في هذه الاختيارات الشخصية بحدِّ ذاتها، بل في تقديمها باعتبارها نموذجاً عاماً للحب الحديث، بينما هي في الحقيقة تعكس تجربة اجتماعية مُحدَّدة.
بهذا المعنى، لم يكن الجدلُ حول البرنامج متعلقاً فقط بجرأة موضوعاته، بل أيضاً بسؤال أوسع: من يملك حقَّ تمثيل «العلاقة الحديثة» على الشاشة؟ وأيُّ فئة اجتماعية تُقدَّم باعتبارها الصورة الطبيعية للمجتمع؟
وقد ظهر هذا التفاوت في ردودِ فعلِ بعض المشاهدين أنفسهم، من خلال السخرية من تفاصيل صغيرة مثل أسماء بعض الأطعمة أو المشروبات التي تظهر في الحلقات دون شرح، لأنها ترتبط غالباً بأماكن وأنماط استهلاك تخصُّ شريحة اجتماعية محددة. هذه التفاصيل قد تبدو هامشيةً، لكنها تكشفُ أحياناً عن المسافة بين العالم الذي تعرضه الشاشة والعالم الذي يعيش فيه جزءٌ كبيرٌ من الجمهور. البرنامج هنا لا يُخاطب «المشاهد المصري» باعتباره كتلة واحدة، بل يُقدِّم نموذجاً محدداً للحب والحياة الحديثة، ويترك ما عداه خارج الصورة.
الوكالة على الشاشة: حرية أم أداء؟
السؤال الأعمق ليس: هل تتكلم المرأة على الشاشة؟ بل: ما الشروط التي تحكم هذا الحديث؟ ومن يملك حق تقييمه؟ وكيف يُستقبل كلامُها، ومن يُحدِّد معناه؟ تكشف حلقة هادية غالب مع أحمد غازي هذا التناقض بوضوح. فحين تحدَّث غازي عن زيجاته الأربع، مرَّ الأمر باعتباره جزءاً من تاريخه الشخصي، بينما تحوَّلت اختيارات هادية وتردُّدها إلى موضوع لمحاكمة واسعة على مواقع التواصل. هذه الديناميكية تُشبِه ما توصَّلت إليه أليشا دنبي في دراستها عن برنامج Love Island البريطاني، حيث تُظهِر الدراسةُ أن النساء يخضعنَ لتقييم أخلاقي وعاطفي أكثر صرامةً من الرجال، رغم أن البرنامج يُقدِّم نفسه باعتباره مساحة متساوية للاختيار. ويتقاطع ذلك مع نقد رايتشل ثويتس لمفهوم «نسوية الاختيار»، الذي يفترضُ أن مجرد امتلاك المرأة حقَّ الاختيار يكفي لاعتباره فعلاً تحررياً، متجاهلاً السياقات الاجتماعية والإعلامية التي تُمارَس داخلها هذه الاختيارات.
«الحب من أول ديت»: حين تُصبِح اللحظة الحميمة عرضاً
يُقدِّم «الحب من أول ديت» الصيغة نفسها، ولكن داخل فضاء مختلف. فبدل الحاجز الأسود، تدور الأحداث داخل مطعم يبدو طبيعياً، بينما تُحيط به الكاميرات من كل زاوية. يتحوَّل الموعد الأول إلى أداء أمام جمهورٍ غير مرئي، تُراقَب فيه نظرات المشاركين، ولحظاتُ الصمت، وطريقة الجلوس، وحتى ردود الفعل العابرة. وما يُعرض للمشاهد ليس فقط احتمالَ نشوءِ علاقةٍ، بل أيضاً الارتباك والتردُّد والإحراج بوصفها عناصرَ ترفيهية قابلة للمشاهدة وإعادة التداول على المنصات الرقمية.
بهذا المعنى، لا يبيع البرنامج فقط فكرة العثور على الحب، بل يبيع أيضاً لحظة البحث عنه. فهو يُحوِّل حالة عدم اليقين التي تُرافق بداية أيِّ علاقة إلى محتوى ترفيهي، ويجعل المشاهد طرفاً في عملية الحُكم على الانجذاب قبل أن يعرف المشاركون أنفسهم إلى أين ستذهب العلاقة.
كما تظهر هنا الأسئلة الجندرية نفسها: من يُبادر؟ من ينتظر؟ كيف يتم تفسير الخجل أو الجرأة؟ ومن يحصل على فرصة الظهور كشخصية جذابة ومن يتم تقديمه باعتباره غير مناسب؟ فحتى اللقاء العفوي على الشاشة يخضع لقواعد العرض والاختيار.
«قسمة ونصيب»: عندما يُصبح الاختيار شأناً جماعياً
إذا كان «ذا بلايند دايت شو» و«الحب من أول ديت» يُقدِّمان الحب باعتباره اختياراً فردياً يُعرض أمام الكاميرا، فإن «قسمة ونصيب» يُضيف عنصراً آخر: تدخُّل الجمهور والجماعة في القرار العاطفي.
البرنامج، الذي يعتمد على جمع مجموعة من الشباب والفتيات في تجربة مواعدة جماعية، لا يترك العلاقة داخل حدود الشخصين المعنيين فقط، بل يجعلها مرتبطة أيضاً بتقييم الآخرين وتصويت الجمهور. وهنا يتحوَّل القرار الذي يُفترض أنَّه شخصيٌّ وحميمٌ إلى عملية تتداخل فيها رغباتُ المشاركين مع توقعات المشاهدين.
هذه الصيغة تكشف تناقضاً أساسياً في برامجِ المواعدة: فهي تُقدِّم نفسها باعتبارها احتفاءً بحرية الاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعُ هذا الاختيار داخل شبكة من التدخُّلات الخارجية؛ من الكاميرا، إلى الجمهور، إلى قواعد البرنامج التي تُحدِّد متى يبدأ التقارُب ومتى ينتهي.
كما أنَّ تصوير البرنامج خارج السياق اليومي للمشاركين، في تركيا، يخلقُ مسافة إضافية بين التجربة والواقع. فالمكان لا يُصبِح مجرد خلفية، بل جزءاً من الخيال الرومانسي الذي تصنعه البرامج: مساحة منفصلة عن الحياة اليومية، حيث يمكن للعلاقات أن تتطور داخل عالم مصممٍّ مسبقاً للعرض.
ولا يتوقَّف التسليع عند شكل البرنامج فقط، بل يظهر أيضاً في اللغة التسويقية المُحيطة به. فعندما تُقدَّم العلاقات عبر شعارات إعلانية مثل «الأسد يبحث عن الحب» في المشاريع المرتبطة بالبرنامج، تتحوَّل العلاقة الإنسانية تدريجياً إلى هوية تسويقية يُمكن بيعها.
هذا المنطق ليس حكراً على المنطقة العربية؛ فبرامج مثل «Love Island» البريطاني و«The Bachelor» الأميركي تقوم على الآلية التجارية نفسها؛ تحويل الانجذاب إلى محتوى قابلٍ للتصويت والاستهلاك، ومكافأة النساء اللواتي يُؤدين الأنوثة «المرغوبة» بينما يُحاسبنَ على أيِّ خروجٍ عنها. لكن النسخة العربية تُضيف طبقة إضافية من التعقيد؛ هي تُقدِّم نفسها كخطوةٍ تحررية في سياق مجتمعي لا يزال محافظاً إلى حدٍّ كبير، مما يجعل نقدها أصعب، إذ يبدو أيُّ تشكيك فيها وكأنه دفاع عن الصمت التقليدي، لا نقداً لمنطقها التجاري.
من الحب إلى الإعلان: حين يصبح الشعور مساحة تجارية
يكشف تطور الإعلانات داخل هذه البرامج عن طبيعة الصناعة نفسها. ففي «ذا بلايند دايت شو» لم تعُد العلامات التجارية تكتفي بالظهور في الخلفية، بل أصبح المشاركون أنفسهم يتوقَّفون أثناء الحديث عن علاقاتهم لتقديم رسائل دعائية لمنتجات أو أماكن بعينها. هنا لا يعود اللقاء العاطفي مجرَّد تجربة إنسانية، بل يُصبِح مساحة تجارية تتقاطع فيها المشاعر مع التسويق.
هذا التداخل يكشف طبيعة الصناعة؛ اللقاء العاطفي ليس فقط لحظة إنسانيةً، بل مساحةٌ يمكن استثمارها تجارياً. فكلُّ لحظة توتر أو انجذاب أو اعتراف شخصي تحمل قيمةً اقتصاديةً لأنها تزيد من ارتباط الجمهور بالحلقة.
هنا تظهر فكرة «الرأسمالية العاطفية» التي قدَّمتها عالمةُ الاجتماع إيفا إيلوز في كتابها «Cold Intimacies: The Making of Emotional Capitalism» 2007، حيث تشرح كيف أصبحت المشاعر والعلاقات جزءاً من منطق السوق الحديث. فالعاطفةُ لم تعُد منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبحت مجالاً يمكن تنظيمه وتسويقه وقياس نجاحه.
كما تدفعُ هذه البرامج المُشاهِد إلى متابعة العلاقات بوصفها عملية مستمرة من المقارنة والتقييم: مَن يبدو أكثر جاذبيةً؟ من ينجح في ترك الانطباع الأفضل؟ ومن يستحق الاستمرار؟ وبهذا لا يُصبِح الحب وحده محور الحكاية، بل تتحوَّل عملية الاختيار نفسها إلى مصدر التشويق الأساسي، وهو ما ينسجم مع المنطق السردي الذي تقوم عليه برامج تلفزيون الواقع، حيث تُبنى الدراما على المنافسة والإقصاء أكثر مما تُبنى على العلاقة ذاتها.
من يملك رواية العلاقة؟
إلى جانب سؤال الاختيار، يبرزُ سؤال آخر: من يملك رواية العلاقة؟ تبدو مساحةُ التعبير متاحةً للطرفين، لكنها لا تُستقبَل بالطريقة نفسها. ففي أكثر من حلقة، بدا أن الرجل يستطيع الحديث بحرية أكبر عن تجاربه السابقة أو تصوُّراته للعلاقة دون أن يواجه القدرَ نفسه من التدقيق الذي يُلاحق النساء. أمّا المرأة، فلا يُقيَّم ما تقوله فحسب، بل تُقيم شخصيتها أيضاً من خلاله، بحيث يُصبِح أيُّ تردُّد أو تغييرٍ في الموقف جزءاً من حكم أخلاقي أوسع.
لكن سلطة تشكيل الرواية لا تتوقفُ عند الجمهور. فالحلقة التي يُشاهدها المُتلقي ليست سوى خلاصة ساعات طويلة من التصوير، يختار منها فريق الإنتاج اللحظات التي تخدِم إيقاع البرنامج وتصنع الجدل. وهكذا لا يُشاهد الجمهور العلاقة كما حدثت، بل النسخة التي صنعها المونتاج منها. وفي زمن المنصات، لا تتوقف هذه العملية عند الحلقة نفسها؛ فالمقاطعُ القصيرة الأكثر إثارة هي التي تُقتطَع وتنتشر على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، لتُصبح هي الرواية الأكثر حضورًا في ذاكرة الجمهور، بينما تختفي بقية تفاصيل التجربة.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه البرامج تنجحُ في العثور على الحب، بل كيف تحوّلت فكرة الحب نفسها إلى منتجٍ إعلاميٍ، تُقاس قيمته بعدد المشاهدات والتفاعل أكثر مما تُقاس بمصير العلاقة بعد انتهاء التصوير.
-