ملخص
بعد الحرب رأى مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والقضايا الدولية في جامعة جورج واشنطن أن “حرب إسرائيل في غزة وحرب أميركا وإسرائيل في إيران وجهتا ضربة مميتة إلى الشرق الأوسط الأميركي”.
ليس في واشنطن وطهران سوى استمرار “التزلج” بين البحث عن صفقة والاستعداد لمعاودة الحرب. ولا أصعب على الطرفين من الاتفاق على صفقة تتجاوز “مذكرة التفاهم” الفارقة في هرمز سوى المسارعة إلى قتال أخطر مما جرى حتى الآن. والمشكلة واحدة. مشكلة أميركا أن الرئيس دونالد ترمب الممسك بالقرار مُصر على تكرار القول إنه انتصر في الحرب، وفتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، وفرض أعظم حصار بحري وجوي على إيران، ويهدد بمحو بلاد فارس من على الخريطة إن لم يحصل على الصفقة التي يريدها بشروطه
ومشكلة إيران أن الحرس الثوري يتصرف على أساس أنه ربح الحرب ومضيق هرمز، ووضع اليد عبر وكيله الحوثي على باب المندب، بحيث أذل واشنطن وأمسك بخناق العالم في مجال الطاقة ولن يقبل بصفقة إلا بشروطه. ومقابل تهديد ترمب بتركيز القصف لمحو إيران، يهدد الحرس الثوري بتوسيع جغرافيا الحرب ضمن دائرة يتخطى شعاعها غرب آسيا.
والوسطاء يعرفون المواقف الحقيقية، لكن التخلي عن الوساطة ليس في الوارد عند باكستان وقطر، مهما تكن العقبات والمصاعب. وكما في لعبة الصفقة كذلك في ضربة الحرب: المسألة هي المشروع الإقليمي. أميركا تقاتل من أجل مشروعها وتصر في أية صفقة على تعزيزه. وإيران تتمسك بمشروعها مهما يكن الثمن وتريد صفقة تخدمه. وحتى إشعار آخر، فإن ما تريده واشنطن مرفوض في طهران وبالعكس. ترمب يتجاهل مواقف المعارضين داخل بلاده للحرب والمطالبين بتسوية معقولة. ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وهو مصنف بين المعتدلين في التيار الأصولي، ينتقد تيارين يصعب تقدير حجمهما في إيران: تيار الإصرار على “حرب بلا نهاية تقود إلى استنزاف إيران”، وتيار “الاستسلام الذي يقدم موارد البلد وكرامته” لأميركا.
ذلك أن ترمب يبني “استراتيجيته” على أساس أن ما حدث في حرب غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وفي حرب لبنان بعدما شن “حزب الله” حربين لإسناد غزة ثم إيران، وفي سقوط نظام الأسد في سوريا ثم في الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران، قاد إلى أمرين: أولهما بدء الأفول لمشروع “الشرق الأوسط الإيراني”. وثانيهما صعود مشروع “الشرق الأوسط الأميركي”.
لكن إيران توحي أن ما حدث ويحدث هو العكس: مشروع “سلام ترمب للشرق الأوسط سقط في إيران، والمشروع الإقليمي الإيراني مستمر. ولا مجال لتخلي طهران عن الفصائل لأنها جزء من المشروع الإقليمي”.
فكما قال الخميني إن “الحكم الإسلامي توأم الولاية”، يقول الممسكون بالسلطة بعده إنه لا مشروع ومشروعية لإيران من دون ولاية الفقيه، ولا جمهورية إسلامية ومشروعها من دون الفصائل الأيديولوجية المذهبية المسلحة التي أسسها الحرس الثوري وأدارها قاسم سليماني الذي اغتالته أميركا بعد خروجه من مطار بغداد. ففي أي صفقة تصر طهران على أن يشمل وقف الحرب لبنان عبر “حزب الله” واليمن من خلال الحوثيين. وفي أي عمل لخدمة المشروع تتصور طهران أنها قادرة في النهاية على استعادة دورها في سوريا، وتصر على الحؤول دون سحب السلاح في العراق من الفصائل المرتبطة بها.
والمفارقة أن في أميركا، ولو من باب الخصومة مع النظام الإيراني، شخصيات سياسية وأكاديمية معارضة لترمب تعبر عن أجواء ديستوبية ترى أن ترمب أخذ أميركا بعينين مفتوحتين إلى فخ الخسارة. وعلى عكس التعبير السائد عن “انتزاع النصر من بين أنياب الهزيمة”، فإن سيد البيت الأبيض انتزع الهزيمة من بين أنياب النصر.
قبل حرب إيران وخلال رئاسة جو بايدن كتب أندرو باستيفيتش أستاذ العلاقات الدولية والتاريخ في جامعة بوسطن مقالاً تحت عنوان “لحظة السويس” تساءل فيه: لماذا تبقى أميركا في فخ أحلام الهيمنة الزائفة؟ وكان رأيه أنه “في العقدين الأخيرين واجهت أميركا لحظة السويس البريطانية والفرنسية، لكن نخبة السياسة الخارجية رفضت الإنذار وأصرت على أن ما يحتاجه العالم هو المزيد من القوة الأميركية”.
بعد الحرب رأى مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والقضايا الدولية في جامعة جورج واشنطن أن “حرب إسرائيل في غزة وحرب أميركا وإسرائيل في إيران وجهتا ضربة مميتة إلى الشرق الأوسط الأميركي”. وأعاد التذكير بغلطة بريطانيا وفرنسا في حرب السويس التي فتحت الباب لنهاية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية وبداية الثنائية القطبية الأميركية – السوفياتية. وهكذا ربح جمال عبدالناصر استراتيجياً برغم خسارته عسكرياً، ولعب الرئيس أيزنهاور الدور التاريخي في إجبار بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف النار والانسحاب وخسارة النفوذ والدور. أما عنوان اليوم بعد حرب إيران، فإنه “لحظة السويس الأميركية”، لكن السقوط ليس سريعاً. والمفاجأة هي أن الرئيس نيكسون الذي كان نائباً لأيزنهاور يروي في كتاب “الحرب الحقيقية” أن أيزنهاور قال له بعد سنوات من حرب السويس “إن موقفه كان خاطئاً تماماً”.
لكن الوقائع فعلت فعلها. التاريخ أكمل مساره. مصر صعدت إلى الذروة في العالم العربي بعد حرب السويس قبل أن تهبط إلى السلام مع إسرائيل وتخسر الكثير من دورها القيادي. بريطانيا وفرنسا تأقلمتا في مرحلة ما بعد الإمبراطورية والنفوذ، لكن الذي انهار هو الاتحاد السوفياتي. أميركا خرجت من عقدة فيتنام والهزيمة بحرب “عاصفة الصحراء” ولجوء فيتنام إليها في الاقتصاد عبر ما تسميه هانوي “دبلوماسية الخيزران”. وترمب يتصور أن أميركا هي اليوم على أعلى قمة في الكون وتستطيع مقاتلة العالم كله عسكرياً واقتصادياً. لكن القوة العظمى الأميركية وإيران التي واجهت الولايات المتحدة وإسرائيل وتحافظ على مشروعها الإقليمي في حاجة إلى إسلام آباد وقطر للتوسط في صفقة محشورة بمضيق هرمز.
