ملخص
إذا كانت رواية “بطل من هذا الزمان” تتميز بحدتها في مجال النقد الاجتماعي، وتعرية مفهوم البطولة، أي في موضوعها وما تريد أن تقوله، فإنها كانت أيضاً رائدة في شكلها الفني. والطريف أن هذه الرواية المؤلفة من خمسة أجزاء تبدو، أولاً غير مترابطة، بخاصة أنها نشرت متفرقة في المجلات، ولم يتنبه القراء أول الأمر إلى أنها تشكل كلاً واحداً مترابطاً. لاحقاً حين نشرت في كتاب تم إدراك هذا ودهش القراء، والنقاد، من قدرة ليرمنتوف الفنية.
“أيها القراء الأعزاء، إن بطل من هذا الزمان، هو تعبير عن صورة معينة حقاً، ولكن ليس عن صورة رجل واحد، إنه صورة تضم رذائل جيلنا كله، وقد بلغت كمال التفتح. قد تقولون لي مرة أخرى: ما من إنسان يمكن أن يبلغ هذا المبلغ من الفساد، وجوابي: ترى لماذا تصدقون وجود جميع فجرة المآسي والروايات الرومانسية، ثم لا تصدقون أن شخصاً مثل بتشورين يمكن أن يكون مستمداً من الواقع؟ وكيف تطيب لكم أخيلة أفظع، ثم لا تلقى منكم صورة هذا الشخص، وإن كانت خيالاً، قبولاً ورضا؟ ترى، ألا يرجع ذلك إلى أن هذه الصورة أصدق مما تحبون؟”.
كاتب هذا الكلام كان في الـ25 حين كتبه كجزء من مقدمة رواية، أصدرها بعنوان “بطل من هذا الزمان”. وهو سيموت خلال مبارزة، بعد ذلك بعام واحد ونيف، في زمن كان قد بدا فيه واعداً بأن يكون واحداً من أعظم الروائيين في بلده، روسيا. لكن قدره كان بالمرصاد، فقتل شاباً، مخلفاً بين كتابات قليلة أخرى، هذه الرواية التي ينظر إليها بوصفها إحدى قمم الأدب الروسي في القرن الـ19.
تعرية عيوب النظام
مؤلف الرواية إذاً، هو طبعاً ميخائيل يوريفيتش ليرمنتوف الذي سيقول عنه كبار النقاد الروس دائماً إنه “عندما عرى في روايته هذه عيوب النظام القائم آنذاك، ساعد في تطوير الفكر الاجتماعي التقدمي في زمنه”.
ونعرف طبعاً أن هذا الفكر لعب في التاريخ الروسي دوراً فائق الأهمية، إذ كان الأداة التي حملت دائماً الوعي. وفي هذا يوضع ليرمنتوف عادة إلى جانب بوشكين وغوغول، ثم تولستوي ودوستويفسكي وتورغينيف باعتبارهم القوة الإبداعية الخارقة التي عرفت كيف تنقل روسيا من أدغال العصور الوسطى إلى زمن الحداثة. وهذا على رغم أن ليرمنتوف لم يعش زمناً يكفيه لقول كل ما عنده، وهو كان شاعراً قبل أن يكتب النثر. أما “بطل من هذا الزمان” فهي روايته الطويلة الوحيدة، وكانت، على أية حال، كافية لكي تمنحه الخلود.
وإذا كانت رواية “بطل من هذا الزمان” تتميز بحدتها في مجال النقد الاجتماعي، وتعرية مفهوم البطولة، أي في موضوعها وما تريد أن تقوله، فإنها كانت أيضاً رائدة في شكلها الفني. والطريف أن هذه الرواية المؤلفة من خمسة أجزاء تبدو، أولاً غير مترابطة، بخاصة أنها نشرت متفرقة في المجلات، ولم يتنبه القراء أول الأمر إلى أنها تشكل كلاً واحداً مترابطاً. لاحقاً حين نشرت في كتاب تم إدراك هذا ودهش القراء، والنقاد، من قدرة ليرمنتوف الفنية.
معركة الناقد مع المهاجمين
وكان الناقد الكبير بيلينسكي “مكتشف” دستويفسكي من أكثر الناس حماسة للرواية، وحماسته جعلته يدخل معركة حادة مع الذين هاجموها وحاولوا الإساءة لمؤلفها، إذ ها هو يكتب، في مجال التعليق على بتشورين بطل الرواية، أي بطل هذا الزمان، قائلاً “يمكن للأخلاقيين المتزمتين أن يجأروا بأن بتشورين شخص أناني شرير وحشي ولا أخلاقي. الحق معكم أيها السادة، ولكن ما الذي يدفعكم إلى ذلك؟ ولم تشتاطون غضباً؟ إنكم تلعنونه ليس بسبب عيوبه، فلديكم أنتم منها أكثر بكثير، بل إن عيوبكم أكثر سواداً وعاراً، إنما بسبب تلك الطلاقة الباسلة وتلك الصراحة الساخرة التي بها يتحدث بتشورين عن عيوبه”.
تتألف رواية “بطل من هذا الزمان” إذاً، من خمسة أجزاء، أو قصص هي “بيلا” و”مكسيم مكسيموفتش” و”تامان” و”الأميرة ماري” و”المؤمن بالقدر”. وفي القصص الخمس لدينا البطل نفسه: بتشورين، مرة يكون الراوية، ومرة يكون ميتاً وثمة من يروي عنه، أو من يقرأ في أوراقه.
والقصص غير مرتبة زمنياً بالتتابع، بل إن أحداثها متداخلة، وقد نجد بتشورين ميتاً في قصة، ثم نراه يروي لنا القصة التالية، وهكذا. العمل كله أشبه بلعبة كلمات متقاطعة، وكان هذا الأسلوب جديداً، في الواقع، على الأدب الروسي في ذلك الحين، ومن هنا أغاظت هذه الرواية بقدر ما فتنت.
هيام بالحسناء التتارية
في القصة الأولى يروي المؤلف حكاية هيام بتشورين بابنة أمير التتار، بيلا، التي ما أن يغتصبها حتى يتخلى عنها بكل نذالة ولا مبالاة. وبعد ذلك يأتي شخص آخر تتري هذه المرة ويغتصبها من جديد ويقتلها. بعد ذلك يطالعنا مكسيم مكسيموفتش، الضابط الروسي العجوز الذي يهيمن على منطقة في القوقاز، وهناك يتعرف إلى بتشورين ويطلع على حكايته مع بيلا، وهذا ما يتيح للمؤلف أن يقيم التعارض بين القيم النبيلة التي يمثلها مكسيموفتش وتلك النذالة التي يمثلها بتشورين.
القصة الثالثة “تامان” هي قصة فتاة حسناء قاطعة طرقات يتمكن بتشورين نفسه من كشفها، لكن الفتاة تخدعه وتقتله إذ ترمي به في مياه البحر، واللافت أن هذه الحكاية لا نعرفها إلا عبر تنقيبنا في أوراق بتشورين الخاصة. وهذه الأوراق نفسها هي التي نكتشف عبرها حكاية الأميرة ماري، والحب المزدوج الذي يعيشه بتشورين معها. واللافت أن حكاية المنافسة التي تؤدي إلى مبارزة بين بتشورين وغريمه، تشبه المبارزة الحقيقية التي سيخوضها ليرمنتوف لاحقاً وتؤدي إلى قتله.
أما في القصة الخامسة، فلعل من العبث البحث عن حبكة، لأن النص يبدو هنا وعظياً يريد ليرمنتوف من خلاله أن يقول لنا، كما لو أنه يبرر كل أفعال بطله، إن الإنسان ليس في نهاية الأمر ممسكاً بمصيره، بل إنه ضحية الأقدار التي تسيره على هواها. والحال، أن بتشورين كما يصوره لنا ليرمنتوف في هذه الفصول القصصية المتلاحقة، وكما يقول الباحث الروسي المعاصر أندرونيكوف “شخص ذكي حاد الملاحظة، ويتحلى بمستوى ثقافي رفيع. وهو فتى وسيم ثري، لكنه يعيش حياته بلا هدف ولا أمنيات. إنه لم يذق طعم السعادة، لا في الحب ولا في الصداقة”.
وقد قضى أفضل سنوات عمره في الجمود والكسل، إذ تتلاشى بلا جدوى تلك القوى التي يتحسسها في دخيلته، وتظل أحلامه بالمآثر العظمى أحلاماً لا غير.
إنه وحيد تعيس لا يحمل للناس الذين يرتبط بهم مصيره غير الهلاك والآلام، فما الذي يجعل لبتشورين هذه الشخصية؟ سبب ذلك يكمن، في رأي أندرونيكوف في أن بتشورين “لم ير الهدف ولم يتحسس سبل النضال في إمبراطورية نيكولاي الأول. في أقسى سنوات الرجعية، كان بتشورين في زمن ما يتألم حين يفكر بالعبودية الشائنة التي يعيشها ملايين الناس. لكنه على مر السنين دفن في أعماق فؤاده أفضل مشاعره وأسماها، تعلم مواجهة الآلام بلا مبالاة”.
هذا كله يجعل القارئ يدرك أن هذا البطل إنما كان ضحية المجتمع وضحية أقداره، إنه الضحية قبل أن يوقع، هو نفسه، الآخرين ضحايا. وهنا تكمن قوة هذه الرواية، رواية البطل – المضاد، الذي كان جديداً في ذلك الحين، لكنه سيكون لاحقاً، سمة سائدة في الأدب الغاضب.
غاضب على الدوام
ولد ليرمنتوف، الذي كان بدوره غاضباً على الدوام، عام 1814، وكان حفيداً لضابط اسكتلندي دخل روسيا خلال الربع الأول من القرن الـ17، وهو نفسه دخل بعد دراسته الثانوية الجيش القيصري وصار ضابطاً، ثم بدأ يعرف كشاعر متأثر، خصوصاً، بالرومانسيين الإنجليز، وذي شخصية متمردة تجلت في أبرز قصائده وأشهرها “أمنية” التي يبدي فيها حنيناً إلى اسكتلندا، و”لا… أنا لست بيرون”، وبخاصة “موت شاعر” التي كتبها تحية لبوشكين، وأثارت ضده غضب القيصر، مما أدى إلى سجنه.
وهو كتب لاحقاً رواية “بطل من هذا الزمان” التي أثارت حنق القيصر من جديد، فنفي إلى القوقاز، ثم أوعز القيصر إلى رجاله أن يدبروا مؤامرة ضده قادته إلى مبارزة تسببت في نفيه من جديد. وفيما كان في هذا المنفى، عاد وخاض عام 1841 مبارزة انتهت بقتله وهو لما يبلغ الـ27 من عمره بعد.
