خالد الحروب..ضفة ثالثة
هل شكّل العلويون في منطقة الساحل السوري، منذ انتقال بعضهم إليها في القرن الرابع الهجري قادمين من الكوفة في العراق، كتلةً ديموغرافيةً متجانسةً، تتماثل في عقيدتها الدينية، وتتوحّد في توجهاتها السياسية وعلائقها مع أيّ حكم مركزي آلت إليه السيطرة في بلاد الشام عمومًا؟ أين قادتهم التحوّلات التاريخية العريضة، والحروب، والإمبراطوريات، وكيف أثّرت في البنية الاجتماعية والسياسية والتحالفية لهذه الطائفة التي ظلّت سمتها الأقلوية مصدر خوف مقيم، وقولبت تعاملاتها وردود أفعالها تجاه الآخرين؟ وفي الآن ذاته، كيف تبدّل موقع العلويين الاجتماعي والسياسي والتحالفي وفقًا لما كان يدور حولهم من تبدّل الممالك والحكام والغزاة الأجانب؟ إذا فتحنا الحقب الزمنية على أوسع مدى، فلنا أن نقول إن ذلك الموقع شهد تحوّلات حادّة: عداءً مع العباسيين، وتحالفًا مع الحمدانيين والصليبيين، وتآلفًا مع العثمانيين، وثورةً ضد الفرنسيين ثم استقواءً بهم، وتردّدًا إزاء تكوّن الوطن السوري، الملكي الفيصلي أولًا، ثم الجمهوري لاحقًا. لكن إذا قرّبنا عدسة التحليل في كلٍّ من هذه الحقب وتأمّلنا التفاصيل، نجد تباينات فارقة وأحيانًا حادّة داخل الفضاء العلوي، بما يشكّك في الأوصاف الاختزالية التي يمكن أن توجز كلّ حقبة من الحقب.
هذا التفكيك للفرضية الكسولة التي تقول بوجود كتلة متجانسة الموقف، محدّدة الأهداف، وموحّدة القيادة، هو واحد من الإضافات المهمة لكتاب منير شحود حول العلويين في التاريخ المعاصر لسورية: “العلويون في التاريخ السوري المعاصر (1918–2024)“، إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
صحيح أنّ الإشارة إلى التنوع والاختلاف، وأحيانًا إلى الصراع داخل المجال العلوي، ليس بالأمر بالغ الجِدّة، بيد أنّ التأصيل التاريخي والملاحقة الشواهدية ورصد التفاصيل هي التجديد الأجدّ للأطروحة، تاريخيًّا ووصولًا إلى نهايات العهد الأسدي. يتحدث شحود عن “علويي السهل” و”علويي الجبل”، وعلاقة كلٍّ من هذين الفريقين بالسلطة القائمة، وهو ذات التفريق الذي نراه في بلاد الشام عمومًا وما سواها، ويوفّر منظورًا سوسيولوجيًّا وسياسيًّا مهمًّا في قراءة البنيات الديموغرافية وتوجهاتها. نرى هنا كيف فضّل “علويو الساحل”، ومعهم الإسماعيليون والدروز والشيعة، الحكم الرخو على المركزي الصارم، لما يتيحه الأول من مساحات حرية، ولما يفرضه الثاني من تقييد وقمع.
يفيدنا “نفي” فرضية العصبوية العلوية المتماهية في أمر ثانٍ بالغ الأهمية، وهو عدم التورط في القراءة الاسترجاعية لتاريخ العلويين في سورية والمنطقة. وبصيغة أكثر مباشرة، ليس ثمة “كتلة علوية أسدية”، كما آل المخيال الجمعي إلى تصوّرها، يمكن الذهاب معها إلى القرون السابقة وملاحقة تحوّلاتها وتاريخها وكأنها ذات ماهية وجودية واحدة. وفي الوقت ذاته، لم تكن هناك “سورية” كما نعرفها وعرفها السوريون في القرن العشرين، يمكن قياس ولاء الطوائف والإثنيات إليها من عدمه. كانت فضاءً متواصلًا مع ما جاورها: الأناضول شمالًا، وشمال الجزيرة العربية وسيناء جنوبًا، ثم العراق شرقًا والمتوسط غربًا.
ثمة مرارة غير خافية في مقاربة هذا الموضوع الحسّاس، نلمسها بين سطور شحود ذي الخلفية اليسارية والعلمانية، إذ يجد نفسه، كما آلاف غيره، معرّفًا بالانتماء الطائفي وحسب، برغم عقود طويلة على دولة الاستقلال السورية. ما الذي حدث (أو لم يحدث) في تلك العقود، وجمّد تطور سيرورة المواطنة السورية وسدّ في وجهها مسارات النضوج والاكتمال التي بشّر بها دستور سنة 1920، الذي أبطلته فرنسا؟ آنذاك قال الدستور، المتقدم في حداثته ومواطنيته: “يُطلق لقب سوري على كل فرد من أهل المملكة السورية العربية… السوريون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات… لا يجوز التعرض لحرية المعتقدات والديانات، ولا تمنع الحفلات الدينية لطائفة من الطوائف… يُشترط في اختيار عمال الحكومة الموظفين الجنسية السورية والكفاءة والاستحقاق…”. وقد أبدعت الباحثة الأميركية إليزابيث تومسون في دراسة كل الحيثيات التاريخية المرافقة لصياغة ذلك الدستور من قبل السوريين أنفسهم، على الضد من الاحتلال الفرنسي القادم من أرض شعارات “الحرية، والمساواة، والإخاء” (كتاب “كيف سرق الغرب الديموقراطية من العرب”). وتمنيت لو أنّ شحودًا توقّف مليًّا عند تفاصيل هذا الدستور كنقطة قياس مرجعية معيارية أنتجها السوريون، في مقابل سيرورة الاستعمار والتقطيع اللاحق.
تحالف قادة علويون مع الشريف حسين في ثورته على الأتراك، فيما بقي آخرون مخلصين للأستانة. وعندما وصل الأمير فيصل إلى سورية سنة 1918، ناصرته رموز علوية، أهمها صالح العلي، الذي قاد ثورة شهيرة ضد الفرنسيين فور وصولهم إلى السواحل السورية في السنة نفسها. يرى شحود أنّ موضعة تلك الثورة في “سياق وطني سوري” مبالغة تحليلية وقراءة استرجاعية للتاريخ، فيما يرى آخرون أنّ تحالفه مع الملك فيصل ضد الفرنسيين يؤشّر إلى وعي “سوري” عابر للطائفية والإثنية. وفيما تُصنّف ثورته بأنها “عروبية” التوجه من قبل البعض، فثمة حركة علوية أخرى صُنّفت بكونها إصلاحية دينية، قادها سلمان المرشد، وتبلورت سنة 1923 وعُرفت بـ”المرشدية”. تحوّل المرشد لاحقًا إلى قائد سياسي، وانتُخب لمجلس النواب السوري في دورات 1937 و1943. النقطة ذات الأهمية والدلالة هنا تكمن في نشاط النخب العلوية في اتجاهات عديدة، ليس بالضرورة منسجمة، بل توزّعها على طيف مواقفي تعددي: مع العثمانيين وضدهم، مع الفرنسيين وضدهم، مع المشاركة الاندماجية في الوطن السوري الناشئ وضدها، مع اللامركزية وضدها، وهكذا.
التيار العلوي الأعرض، فيما خصّ فرنسا، كان الـ”معها”، وعليه استند الانتداب الفرنسي في تأسيس ودعم ما عُرف بـ”الدولة العلوية”، التي أقرّها الانتداب كحكم ذاتي أولي سنة 1920، ثم تطوّرت إلى شكل فيدرالي، وانتهت إلى كيان مستقل سنة 1925، استمرّ، ولو شكليًّا، حتى سنة 1936. كان ذلك الكيان جزءًا من خريطة فرنسية أوسع لم ترَ في سورية وطنًا موحّدًا أو قابلًا لتشكيل دولة منسجمة، فكان أن عمد الفرنسيون إلى تقسيم البلاد إلى أربع دول: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة الدروز، ودولة العلويين. صحيح أنّ هذا التقسيم اعتمد حدودًا سوسيولوجية وتاريخية وطائفية كانت شبه قائمة في ذلك الحين، بيد أنّ تكريسها قانونيًّا وسياديًّا، عوض العمل على تذويبها، يُعدّ أحد الجرائم الفرنسية الكبرى في حق سورية والسوريين. فلماذا يتم تذويب مثل هذه الحدود في فرنسا، الأم الراعية، والكيانات الأوروبية وفق منطق الدولة الأمة، وقولبة الجميع ضمن مفهوم المواطنة الفرنسية أو الأوروبية، بينما يقوم الاستعمار الفرنسي ذاته، المبشّر بالحداثة والتنوير، بتكريس الإثنيات والولاءات الطائفية والجزئية في البلدان التي استعمرها، سواء في آسيا أو أفريقيا؟
شهدت العقود الثلاثة الأولى للاستقلال، أي من 1946 وحتى وصول حافظ الأسد إلى سدّة الحكم في 1970، تغيّرات كبيرة في موقع العلويين السياسي والاجتماعي والاقتصادي في السياق السوري الأكبر. انخرط كثير منهم في صفوف الجيش السوري، كأفراد وضباط صف، بسبب انتشار الأمية وانعدام فرص العمل في مجالات أخرى. كما اندرج كثير منهم، مثل بقية السوريين، في الأحزاب الأيديولوجية اليسارية والقومية والبعثية، من دون كثير انتباه إلى التوزيعة الطائفية آنذاك، في ظلّ الاندفاعات والشعارات الأيديولوجية التي احتلت المشهد الوطني. وفّرت الانزياحات السياسية والانقلابات المتتالية والصراعات في المشهد السياسي مساحات جديدة لسوريي الأطراف والهوامش، فوصل أكراد وعلويون ودروز إلى مناصب قيادية عليا، سواء في الدولة أم الجيش أم الحزب الحاكم. بل شهدت الأحزاب صراعات حادة ودموية بين أفراد يتبعون الطائفة نفسها، كما هو صراع حافظ الأسد وصلاح جديد، اللذين جاءا من الخلفية العلوية نفسها.
إثر انقلابه على جزء من رفاقه سنة 1970، فيما سُمّي “الحركة التصحيحية”، وبعد كارثة هزيمة حزيران/ يونيو 1967، أنهى الأسد عقدين أو أكثر من غياب الاستقرار السياسي وتعاقب الانقلابات، وأحكم قبضته على مفصلي الجيش والأمن، وبدأ بتوسيع الاعتماد على العلويين في المناصب الحساسة لضمان الولاء. هنا دخلت سورية مرحلة جديدة من “التطييف السياسي” الذي كان هدفه، كما يقول الكتاب، ضمان الحكم الاستبدادي من قِبل الأسد، ولم يكن مدفوعًا بعقيدة دينية أو انحيازات لخدمة العلويين من منظور طائفي بحت. كان الأسد مهووسًا بالسلطة ويخشى الانقلاب عليه، وكان على استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل ضمان بقائه في كرسي الحكم. لهذا وسّع من تحالفاته التي شملت طبقات من تجار وحزبيين ومنتفعين من خلفيات دينية وإثنية متنوعة (سنة، دروز، مسيحيين، أكراد، وغيرهم). وتحت شعارات أيديولوجيا البعث القومية والاشتراكية، وسّع من دوائر الحكم والسيطرة والانتفاع، وفي الوقت ذاته نمت طبقات من خلفيات ريفية وفقيرة وصارت تجد لها مواقع أكثر نفوذًا في المجتمع والسياسة.
ينقل منير شحود عن جلال السيد في كتابه “حزب البعث العربي”، الصادر سنة 1973، اقتباسًا مهمًّا عن انقلاب البعث سنة 1963، وكيف شقّ ذلك الانقلاب مسارات جديدة في سورية ما بعد الاستقلال، ظلّت تقود أو تؤثّر في تطوّرات التكوين الاجتماعي والسياسي في البلد لعقود قادمة، وتمظهرت بجلاء في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد. يقول السيد: “إن انقلاب 1963 كان ثورة الأقليات الطائفية على الأكثرية، وثورة الريف على المدن، وثورة الفقراء على الموسرين، وثورة الجهل على العلم، وثورة الحزبيين على الكفاءات” (ص. 249). لم تخرج الانقلابات اللاحقة عن المسارات العامة التي وصفها الاقتباس اللافت، كما لم يتحرر الحكم الأسدي في حقبتيه من قيود تلك المسارات أو الانسدادات التي قادت في نهاية الأمر إلى الانفجار الكبير في آذار/مارس 2011.
أظهرت الثورة السورية، كما هو ديدن الثورات في العالم، أنبل ما في الشعب السوري من قيم التوق إلى الحرية والكرامة، وأسوأ ما فيه أيضًا، وخاصة المكبوت الطائفي والتعصب الدموي. وانفجرت أسئلة كثيرة حول “علونة” الحكم الأسدي، واستبداده في حق السوريين كلهم، بمن فيهم العلويون غير المؤيدين له. ومع الصعود المُدهش والمُريب للتيارات الداعشية والقاعدية التي تعتاش على مناخات الشحن الطائفي، استسهل كثيرون رسم خطوط طائفية (سنية/علوية) أولًا، ثم مسيحية/إسلامية ثانيًا، وثالثًا إسلامية/إسلامية، محركها سؤال: “مَن يتحدث باسم السنة ويمثلهم؟” وقاد ذلك كله إلى انحراف بوصلة الحراك الشعبي الوطني كما كان في بدايات الثورة ومطالبها المُحقة.
إزاء “التطييف الحاد” الذي سمّم أجواء الثورة، أراد صادق جلال العظم تقديم توصيف يفصل من خلاله بين الحكم الأسدي، الذي يستغل البعد الطائفي ويستثمر ولاءاته في تكريس حكمه، والعلويين بعامة كأتباع مذهب ديني معين، فطرح فكرة “العلوية السياسية”. عمليًّا و”نضاليًّا”، قصد العظم تصريف العداء العميق والعريض للنظام، خاصة في ظلّ الشعارات الداعشية الطائفية، نحو النظام تحديدًا، وليس العلويين كطائفة. بالنسبة إليه، تعني العلوية السياسية أنّ أيّ “علونة” مفترضة للنظام تصدر فوقيًّا من قبل سدنته وتتجه نحو الطائفة، استقواءً بها واستغلالًا لها وتحكّمًا بولاءاتها، بالقوة والأمن والمخابرات، ولا تأتي هذه “العلونة” عفويًّا من أسفل إلى أعلى، بل وفق آليات إكراه مباشرة أم غير مباشرة. وبهذا فهي سياسة الحاكم في دمشق، بغية تكريس حكمه، كما كانت سياسة حاكم بغداد، في الجوار، وبقية حكام المنطقة والعالم. جوهر ذلك هو الاستعداد للذهاب لأبعد الأشواط من أجل كرسي الحكم: طائفيًّا، وإثنيًّا، ودينيًّا، وحزبيًّا.
أخيرًا، لا بدّ من القول إنّ كتاب منير شحود تظلمه القراءة الموجزة نظرًا إلى غناه في التحليل والتأريخ وتسجيل التفاصيل والشواهد. قد يختلف المرء مع هذه الفكرة أو ذاك التوصيف، ولكن الإضافة التي يقدمها هذا الكتاب إلى المكتبة السورية والعربية بالغة القيمة والاعتبار.