أحيت المغنية السورية أصالة نصري الأسبوع الماضي حفلاً في دمشق، في أول ظهور فني لها في بلدها منذ فبراير/ شباط 2010، بعد أن فصلها النظام الأسدي من نقابة الفنانين على خلفية تأييدها الثورة السورية. ويمكن للفن أن يسهم، في حدود معينة، في تعافي المجتمعات الخارجة من الحكم السلطوي والصراعات الطويلة، غير أنَّ هذا الإسهام ليس تلقائيّاً ولا مضموناً، ويبقى ذا طبيعة معنوية لا تُقاس بالمعايير التي تُقاس بها مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
وقد ذهب بعض ما كُتب عن الحفل إلى أنَّه أغنى عن مئات الخطب والمحاضرات والحوارات، وأسهم في رأب الصدع الاجتماعي. وهذا التقدير تحديداً هو ما تناقشه هذه المقالة، على الرغم من أن المنظمين والمقدّمين لهذا الحفل لم يقدموه بهذه الصورة. وبدون شك للفن دور مهم في التعافي المجتمعي، والبلاد بحاجة إلى عشرات الفعاليات الفنية والثقافية، غير أنَّ دوره تكميلي لا تأسيسي، ويأتي في مراحل متأخرة من العلاج، ولا يعمل منفرداً. يتيح حفل أصالة مناسبة لطرح سؤال أوسع بشأن الدور الذي يمكن أن يؤديه الفن في مجتمع يمر في مرحلة انتقالية. والسؤال هنا كيف يمكن للنشاط الفني والثقافي أن يسهم في استعادة الحياة العامة، وإتاحة مساحات للتعبير والذاكرة والمشاركة، وفي نقل بعض نتائج مسارات العدالة إلى جمهور أوسع.
ويمكن النظر إلى ما يستطيع الفن أن يؤدّيه على مستويين مختلفين. فعلى المستوى الفردي، تتيح الموسيقى والغناء مساحة للمتعة والتعبير والتذكر، وتمنح الناس، ولو مؤقتاً، إحساساً بالحياة الاجتماعية العادية بعد سنوات طويلة من الصراع، والقمع، والنزوح، والألم. وعلى المستوى الجماعي، قد يتيح الحفل العام تجربة مشتركة لا تفرض على الحاضرين تفسيراً سياسيّاً واحداً لماضي سورية أو مستقبلها. وقد استند حفل أصالة إلى تقاليد موسيقية مرتبطة بمحافظات سورية مختلفة، بما قد يفتح مجالاً للاعتراف بالتعدد الثقافي.
وتدعم الدراسات المتعلقة بدور الفن في بناء السلام هذا الفهم من دون المبالغة في تقدير دوره. ومن المراجع المؤسِّسة في هذا الباب دراسة مايكل شانك وليزا شيرش “بناء السلام الاستراتيجي القائم على الفنون”، التي تنتقل بالنقاش من المقولة العامة إنَّ “الفن قوي” إلى أسئلة أدق: متى يُستخدم الفن؟ وما الذي يستطيع فعله فعلاً؟ وكيف تُقاس نتائجه؟ فهي تفيد بأنَّ الفنون قد تسهم في تعزيز الحوار، وترسيخ الشعور بالقدرة على الفعل، وبناء العلاقات، لكنَّها تربط ذلك بشروط واضحة، منها المشاركة المحلية، والطوعية، والأمان، وحسن التيسير، والانتباه إلى موازين القوة، وربط النشاط الثقافي بمسارات سياسية ومؤسّسية أوسع.
وتضيف أدبيات العدالة الانتقالية إلى ذلك تحديداً أدق لموقع الفن ضمن مسارات ما بعد النزاع. ويُعدّ كتاب “العدالة الانتقالية والثقافة والمجتمع: ما بعد التوعية” الذي حرّرته كلارا راميريز-باراط، من أبرز المراجع في هذا الاتجاه؛ إذ يرى بابلو دي غريف في تقديمه أنَّ التدخلات الثقافية تستحق موقعاً أوسع في حقل العدالة الانتقالية، مع التنبيه إلى أنَّها قد تعزّز الصدى العام لمسارات العدالة كما قد تقوّضه. فهذه الأدبيات تنظر إلى العمل الفني باعتباره أحد الأشكال التي يجري من خلالها تداول الحقيقة والذاكرة والاعتراف في الفضاء العام، فالمحاكمات تثبت المسؤولية الجنائية الفردية، ولجان الحقيقة ترسي سرداً موثّقاً للانتهاكات، وبرامج جبر الضرر تعالج آثارها المادية والرمزية على الضحايا، غير أنَّ أياً من هذه الآليات لا يضمن بذاته انتقال نتائجها إلى وعي المجتمع الأوسع. وهنا يؤدّي النشاط الفني والثقافي دور الوسيط في هذا الانتقال.
وترتبط هذه الوظيفة بمفهوم ضمانات عدم التكرار، التي لا تقتصر على الإصلاح التشريعي والمؤسّسي، بل تمتد إلى بناء ثقافة عامة ترفض الانتهاكات وتحفظ ذاكرتها. وتسهم المواد الفنية ومواد الذاكرة والمواد التعليمية في هذا الجانب، حين ترتبط بنتائج آليات العدالة، وحين تتاح لجمهور يتجاوز دوائر المختصين والفاعلين الرسميين. وبهذا المعنى، يكون الفن أداة للإتاحة والمشاركة، لا آلية للمساءلة.
استند حفل أصالة إلى تقاليد موسيقية مرتبطة بمحافظات سورية مختلفة، بما قد يفتح مجالاً للاعتراف بالتعدد الثقافي
وتنبّه الأدبيات نفسها إلى حدود هذا الدور ومخاطره، فالفعالية الفنية قد تؤدّي وظيفة عكسية حين تُوظف لأداء دور الاعتراف الرمزي من دون أن يقابلها تقدم في مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، فتتحوّل إلى بديل عن الاستحقاقات، بدلاً من أن تكون مدخلاً إليها. كما تنبّه إلى أنَّ تمثيل تجارب الضحايا فنيًا يثير مسائل تتصل بالموافقة، وبمن يملك حق الرواية، وبضرورة تجنّب إعادة إنتاج الأذى. والمعيار الذي تستقر عليه هذه الأدبيات هو معيار الارتباط: فقيمة النشاط الفني في سياق العدالة الانتقالية تُقاس بمدى اتصاله بهذه المسارات وبمشاركة الضحايا فيها. وينطبق الأمر نفسه على الحق في المشاركة في الحياة الثقافية؛ فهذه المشاركة لا تتعلق فقط بوجود الفعاليات، بل أيضاً بمدى توافرها، وإمكان الوصول إليها، ومدى قبولها وملاءمتها وقدرتها على التكيف مع حاجات الناس، مع ضرورة ضمان عدم التمييز. وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأهم: هل تمتد السياسة الثقافية إلى ما هو أبعد من الفنانين المشهورين والجمهور القادر على شراء التذاكر؟
وتتوقف إمكانات هذه المشاركة، في المقام الأول، على الإطار القانوني الناظم لحرية التعبير والفضاء الثقافي. أما المادة 13 من الإعلان الدستوري الصادر في مارس/ آذار 2025، فتنص على حرية الرأي والتعبير، والإعلام، والنشر، والصحافة. وتتحدّد القيمة الفعلية لهذه الضمانات من خلال القوانين التنفيذية، والقواعد الناظمة للوصول إلى المسارح والفضاءات الثقافية، وإمكان اللجوء إلى القضاء، ومدى حماية الفنانين والمتحدثين الذين يتبنون آراء نقدية.
وتقدم التجربة الكولومبية مثالًاً تمكن الاستفادة منه. فقد أُنشئت لجنة الحقيقة في كولومبيا في إطار اتفاق أنهى نزاعاً مسلّحاً استمر عقوداً، وأنجزت عملها من خلال جمع شهادات الضحايا، وإجراء التحقيقات، وتنظيم مساحات للحوار العام، ثم إصدار نتائجها وتوصياتها. وتظهر منصّة التقرير النهائي أنَّ الأنشطة الفنية والثقافية، والمواد الصوتية ومواد الذاكرة، والموارد التعليمية، عُرضت إلى جانب الشهادات، والتحقيقات، والنتائج، والتوصيات.
ويتيح هذا الترتيب للعمل الفني أداء وظيفة لا يستطيع التقرير المكتوب وحده القيام بها، فالنص الرسمي يثبت الوقائع ويحدد المسؤوليات، بينما تنقل المواد الفنية والصوتية ومواد الذاكرة تجارب الضحايا إلى جمهور أوسع، وتجعل نتائج اللجنة قابلة للتداول في المدارس والفضاءات العامة بعد انتهاء عمل اللجنة. وهنا تكمن الفائدة العملية للمثال الكولومبي: يكتسب النشاط الفني قيمته العامة حين يتصل بهذه النتائج ويمتدّ بها إلى التعليم والمتابعة المؤسّسية، لا حين يبقى حدثاً منفصلاً عنها.
ولا يصح تحميل حفل بعينه أكثر مما يحتمل. وتبقى قيمته، في سياق هذه المقالة، أنَّه مناسبة للتفكير في السياسة الثقافية بعد الاستبداد، لا نموذجًا على العدالة الانتقالية. وقد يسهم هذا النوع من النشاط الثقافي في تهيئة بعض شروط التعافي، من خلال توسيع إمكانات المشاركة في الفضاء الثقافي العام، وإتاحة مساحات للحزن والذاكرة والاعتراف. فدور الفن في مسار التعافي مكمّل لا تأسيسي: وتُقاس قيمته بما يتصل به من مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، لا بما يُنسب إليه من قدرة على رأب الصدع وحده.