يذكر السوريون الفخورون دائماً أن مستشارة حافظ الأسد حاولت إهانتهم باعتبارهم يثورون من أجل الخبز، فردْوا عليها ينادونها بالاسم في شوارع المدن والبلدات السورية «الشعب السوري مو جوعان»، وأكْدوا أن الحرية والكرامة في مقدْمة مطالبهم.
ظهروا بذلك في مظهر المتنمْرين على ثورات الجياع التي جاءت قبلهم، ربما مع بعض الأرستقراطية الثورية إن جاز القول.. لكن تلك الروح اختفت في ما بعد تحت الدماء التي انسفحت على طول الأرض وعرضها… لأنْ الثورات الكبرى الأكثر جدارةً باسمها عبر التاريخ كانت ثورات الجياع: اندلع «شَغَب الملح» – مثلا- أو انتفاضة موسكو عام 1648، مع فرض ضريبة على الملح، وبعدها بعامين حدثت «انتفاضة نوفغورود» بسبب ارتفاع أسعار الخبز إثر قيام الحكومة الروسية بشراء الحبوب لتصديرها إلى السويد.
وحدث «شَغب الخبز» أيضاً في بوسطن الأمريكية، على ثلاث موجات قام فيها الفقراء بين عامي 1710 و1713، و»شغب الجبن» في مدينة نوتنغهام الإنكليزية بعد احتكاره وتجميعه من الأسواق لرفع أسعاره. أمْا في فرنسا الأكثر عراقة وثوريةً، فقد اندلعت «حرب الطحين» عام 1775 حين أدّت سياسة الطبقة المحتكرة وتلاعبها من خلال فرض قيود على أسعار شراء المحاصيل في موسم الحصاد، ثم تحرير أسعار مبيعها لاحقاً. وبعد بضعة أعوام خرجت النساء الباريسيات في مسيرتهن الغاضبة الشهيرة باتْجاه سجن الباستيل واقتحامه، في أحد أشهر أيام التاريخ البشري: 14 يوليو 1789 وبعد اثني عشر أسبوعاً من ذلك، انطلقت النسوة من أسواق باريس، في مسيرة غاضبة انضمْ إليها الثوار الليبراليون، وتوجْهت نحو الباستيل لتجبر الملك وعائلته على العودة في اليوم التالي – مخفوراً- إلى باريس ليبقى تحت أعينهم وأيديهم. بذلك كان «شغب» الخامس من أكتوبر معادلاً ليوم الباستيل بالأهمية والفاعلية.
في أواسط القرن التاسع عشر، اندلعت ثورات تطلب الإصلاح والديمقراطية في طول أوروبا وعرضها، لكنّها في شرارتها الأولى انطلقت مع المجاعة الكبرى التي حلّت ابتداءً من إيرلندا، إثر الفشل المتكرر لمحصول البطاطس، مادة الغذاء الرئيسة. شهدت برلين مظاهر احتجاج قوية بسبب الغذاء وأسعاره، كما مرّت بالولايات الجنوبية الأمريكية اضطرابات (قادتها النساء غالباً) في 1863 وفي إيطاليا ظهرت حركات احتجاج واسعة النطاق في عموم البلاد في عام 1898. كان هناك دور مهم لسوء مواسم البطاطس، ومن ثم في غلائها في أكثر من مكان: في روسيا ظهرت حركة فلاحية قوية ضد نظام القِنانة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، كما في البرتغال وهولندا عام 1917. لكنْ معظمها كان تحت عنوان القمح والطحين والخبز: في نيويورك، اندلعت حركات احتجاجية في القرن التاسع عشر، وفي مالطا 1919، وفي انتفاضة نساء ماليبور في الهند 1939، وفي نوفوتشيركاسك الروسية 1962، وبولندا 1970. لم يخل الأمر أيضاً من احتجاجات إيطالية بسبب غلاء المعكرونة، حيث يسكن أمريكيون من أصل إيطالي كما حدث في بروفيدنس؛ واحتجاجات تحت عنوان اللحوم في تشيلي 1906؛ وكذلك اندلعت انتفاضة حين شحّت مواسم الأرز وارتفعت أسعاره في اليابان 1918.
أمْا الشرق الأوسط فقد شهد أعمال شغب بسبب الأزمات المعيشية في عدة موجات من الاحتجاجات الشعبية المرتبطة بالغذاء، والحاجات الأولية خلال القرن العشرين؛ ومثال عليها أحداث «انتفاضة الخبز» في مصر عام 1977 ـ شملت معظم المدن المصرية الكبرى في 18 و19 يناير 1977. كانت تلك انتفاضة عفوية شارك فيها مئات الآلاف من الطبقات الفقيرة احتجاجاً على إلغاء دعم الدولة للسلع الغذائية الأساسية؛ وهو إجراء فُرض بموجب توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي آنئذٍ؛ وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات، ولم تنتهِ إلا بعد تدخل الجيش وإعادة العمل بنظام الدعم. حدث مثل ذلك في المغرب، الدار البيضاء، عام 1981 وعُرفت أيضاً باسم «انتفاضة الخبز». وحدثت حركة ثانية بالاسم ذاته في تونس في العامين التاليين. كما تكرّر ذلك تحت اسم «انتفاضة الجوع» أيضاً، في المغرب في عام 1984. أما في سوريا، فيحفظ القرن العشرون مثالاً مهماً تفتخر به كواحد من أهم ما مرْ بها، وهو الإضراب الستيني الشهير في عام 1936، الذي كان له أثر كبير في مسار عملية الاستقلال السوري وتجاوز محاولات عرقلة وتعطيل إنهاء الانتداب الفرنسي. ففي أواخر عام 1935، رفعت مصلحة الترامواي أجرة الركوب بمقدار نصف قرش بعملة تلك الأيام، فأصبحت قرشاً ونصف القرش للدرجة الثانية، ونصف القرش كان يشتري رغيفاً كبيراً. وبدعوة من الكتلة الوطنية وتبنٍّ من الشخصية الوطنية/الشعبية المرموقة فخري البارودي، ابتدأ الإضراب في 19 يناير ليستمر ستين يوماً، وبتنظيم بليغ وفعاليات مرافقة. وقد شكل ذلك الإضراب دعماً عظيماً للمفاوضات اللاحقة في باريس، وتشجيعاً لمعنويات اليسار الفرنسي الذي ربح الانتخابات وشكل حكومة الجبهة الوطنية من القوى المتعاطفة مع الاستقلاليين السوريين.
عمل الذاكرة هذا مجرْد باب إلى سوريا من جديد، خصوصاً بعد حركة الاحتجاجات الأخيرة الأقوى منذ رحيل الأسد، والتي دفع إليها رفع أسعار الوقود والطاقة بنسبة كبيرة بلغت 60% للمازوت و28% للبنزين، الأمر الذي يثير التهاباً حادّاً في كلّ الأسعار. ومع انخفاض الأجور والرواتب والدخل عموماً، وانعدامها في حال البطالة التي زادت أضعافاً بعد انهيار نظام بشار الأسد، فقد تدهورت الأوضاع المعاشية بشكل كارثي، بوجود 90% من المجتمع تحت خط الفقر حتى قبل هذه الأزمات الجديدة، وهبوط لا يتوقْف في سعر العملة الوطنية، مع نموْ متقلّب ومحدود في الموارد وفي فرص العمل. من الجهة المقابلة، كان اهتمام السلطة الجديدة مركْزاً على تعزيز شرعيْتها الخارجية/ الدبلوماسية من جهة، وعلى «الاستثمار» بديلاً من إعادة البناء وكلّ ما يرتبط بالمفهوم من متطلبات التركيز على خطة متماسكة مترابطة تتعلق بالبنية التحتية في كلْ الحقول، ولكن تأسيساً على التعليم واستقلال القضاء وسيادة القانون، وأولاً على مساهمة الشعب بقواه الاجتماعية والمدنية والاقتصادية والسياسية. يأتي هذا في مضمون تلك المشاركة التي أقرْت بضرورتها البنيوية كلُّ الوثائق الدولية والإقليمية المتعلْقة بسوريا وأزمتها طويلة الأمد.
وفي الواقع، جاء الاستقبال المرحّب بالقيادة التي كان انهيار نظام الأسد تحت رايتها باهراً ومفاجئاً، دولياً وإقليميا، والأهم: سورياً على الرغم من طبيعة تلك القيادة وفكرها وصبغتها المتطرفة كما كان شائعاً، والمرفوضة عموماً في السابق. وقد أبدى العالم والعرب والسوريون استعداداً واضحاً للقبول بالتغيْر والتغيير المعلن عنهما، والمتعلّق بأذيال التفاؤل وحباله. لكن حبال الأحوال الاقتصادية والمعاشية والاحتجاجات عليها ماكرة وتستعصي في غياب الخبرة والكفاءة والرغبة بالتفرّد والانفراد؛ ولن تساهم عمليات تسويق الدور الكبير للجيوستراتيجيا وللدولة الممر والمركز الفريد وثروة الترانزيت الوطني ولا موجات دعم ترامب المتقلّبة في تبريرها، ولا تلك السياسات النيوليبرالية المعتمدة على الحظوات والمحسوبيات، والباطنية (وهي عكس الشفافية هنا) في المسائل المالية والتمويلية وحقائق الموازنة والموارد والإنفاق.. وليس عبثاً أن يتذكْر البعض مسار نظام الأسد الأب، ونظام الأسد الابن وحكايته مع الفساد قبل الاستبداد. في حين تختفي مفاهيم عديدة من الضروري حضورها، كمفهوم الديمقراطية؛ ويتلاشى مفهوم إعادة البناء ليفسح الطريق للاستثمار والصفقات المرتجلة… ويستمرّ تجويف مفهوم العدالة الانتقالية.
كاتب سوري