غادة اليوسف شاعرة وقاصة،.. حمص
وعندها مؤلفات عديدة
حين يتكلّم الزّعيم أيّة مسؤولية عليه حملها حين يسكب الزعيم صوته على قلق اللحظة واعتكارها وترقّبها؟..وهل يقدر أن يكون الصوت المنتظر؟ وقد كثر الزعماء بعدد الدول والأحزاب والأنظمة والطوائف والمذاهب والفئات والمصالح المتنافرة في عالم اليوم ،وخصوصاً في هذا الشرق المبتلى بملله ونحله وإثنياته ،والذي مايزال في كثير من بقاعه المترامية يتشبّث بهويّات وانتماءات عنصرية وطائفية وقبلية ، تناحرت وتذابحت وهدرت من الدماء البشرية أكثر من أعتى الكوارث، وكأنّ كلّ ما مرّ بالبشر من ويلات لم تكْفِ ـ لضعفٍ مبرمج..وانتقائي في الذاكرة ـ ليتعلّم أنّ لا منقذ له سوى النضال تحت هوية الوطن لإنجاز مواطنيّته وانتمائه الإنساني والحضاري.. والمعضلة الكأداء، هي أن الجميع يتكلّمون باسم المسكين (الوطن)..ويتناسون ربّما لأمّية حضارية، وأخلاقية موروثة أنّ لعبة الكراسي لا تعطيهم الحقّ باللعب بالدماء، في زمن يجنح فيه الصراع إلى أحد منحيين لا ثالث لهما: “فإمّا أن تكون معي فأنت على حق..وإن لا، فأنت على باطل لأنّك خصمي! فتخمد المشاريع الإنسانية والحضارية الكبرى، ويحمل كلّ إناءه ـ والإناء ينضح بما فيه ـ ويدلي بِدَلْوِه المُترع بحمرة مشاريع المذابح المؤجّلة..ويكمل جاهزيّتها للنطع حين يوغل لسانه فيما تضطرم به غرائز البلهاء والمخدوعين ، مستثمراً القهر الذي يراكمه الواقع الإنساني الصعب في وجدان المنهكين، والمسحوقين، والمسلوبين حقوقهم،فيمسوا كالجالسين على فوّهة بركانية تُثَوَّر لدى أيّ حراك.. ويشْرِع صوتَه، يلطّخ العقول بالخطوط الحمر تتقاطر من كلّ جهات التشرزم …تتزاحم…تتعامد… تتقاطع…وتنقسم مساحة الرؤية، وتتجزّأ إلى مربّعات تضيق..وتضيق..حتى تحجب كلّ المنافذ الممكنة بين ضحايا الغرائز المذهبيّة والطائفيّة والفئويّة..من البؤساء المحاصرين بأسوار جهلهم. عندها أيّ خيار يبقى لهم حين تغدو أقلّ حركة بمثابة تماس، يشعل شرارة الحريق لدى اختراق قسريّ للأحمر الدّامي..وأيّة مساحة ستبقى لأيّ زعيم سوى أن يكثّف من لزوجة الدم المتصاعدة، ينزلق عليها الوطن ويُهدَر.. ويغرق فيها.. ويضيع الجميع؟! الزعيم مسؤول أمام محكمة الضمير، والوطن، والتاريخ. ولن يُغفَر الغلط حين يسبب جناية،وحين يكون للغلطة تبعات وعقابيل لا يمحوها القادم من الأيّام بسهولة..هذا إن بقيتْ أيّام بعد دياجير هذه الليالي المظلمات التي تسربل العيون والبصائر، رغم كلّ الدروس والتجارب المريرة الماضية! أهلية الزعيم لتحمّل المسؤولية تستلزم شرطين لا تقوم بغيرهما, وهما :الوعي, والحرّية..وعي للساحة التي يسري بها صوته, ولطبيعة المساحة الزمانية والمكانية ومناخ اللحظة التاريخية وممكناتها..ووعي بمصلحة الملتفّّين حول صوته..والتي يجب أن لا تتعارض أو تتناقض مع مصلحتهم الوطنيّة والإنسانية..والحرّية التي تمنح صوته جدارة الصدق النابع من إيمانه بحقّ الجميع الذين هم جزء من النسيج الإنساني الساعي إلى الحرّيّة والعدل..وأن لا يكون صوته مرتهناً أو عبداً لمصلحةٍ شخصيّة أو فئويّة ..طائفية مذهبيّة مقيتة..أو مُستَعبَداً بما يصدر عنه لهيمنة أسيادٍ أقوياء تربطه بهم ما تفيض به موائدُ تمور بدماء المسحوقين المحرومين..يغطّ بها لسانه ويُشَرِّع الخطوط الحمر..إنّ من يحقّ له أن يضع تلك الخطوط هو من يبلّ كلماته بتراب هذه الأرض المخضوبة بدماء الشهداء.. والمندّاة بدمع الثكالى.. بالرغم من ارتباك اللحظة الكونية ،وانكسار الكثير من أحلام التحرّر، ..لكن المتعاليةُ أصواتُهم على الدين والمذهب والطائفة والفئة لم يسقطوا أمام فوضى المرحلة وجبروتها..وإن شاب صوتهم بعضٌ من خفوت،فليرفعوا عقيرتهم صلاة للوطن،وصوتهم صوت الجميع ليستعيدوا معظم الساحات التي رقصت لهم ذات يوم. حين يتكلّم الزعيم على الآذان أن تعي أيّ سكبٍ يسري في عروق كلماته..وأيّ بذار ينثر في التُّرَب العطشى..أَهوَ بذار نبْتٍ شيطاني يشطأ على دفق ذاكرة الغرائز والأحقاد؟أم أنّها حبيبات الطلع تحملها أنسام الحقّ والمحبّة فتتبرعم رسائل حقٍ وخير وسلام طيّبة.. تسري في أوردة المتلهّفين للأمان..والحرية والعدل.؟ إذا أردتَ أن تتكلّم أيّها الزعيم باسم الوطن في مكان وزمان تتنازعه عصبيّات الداخل وتحدّيات الخارج, فعليك أن تتعالى فوق شروخ انتماءاتك المذهبية والفئوية..لكي تلتصق القلوب بصوتك..وتصمد أمام استحقاق الواقع وحكم التاريخ.. عندها إذا تكلّمْتَ صمَتَ الكونُ وأصْغى لك..
كتبته بعام ٢٠١٢ واعادت نشره