طهران- في لحظة تواجه فيها إيران ضغوطاً اقتصادية واستراتيجية متزايدة، اتجه الزعيم الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي إلى خطاب الوحدة الإسلامية، داعياً الدول الإسلامية، وفي مقدمتها دول الخليج، إلى تجاوز الانقسامات ومواجهة ما وصفه بـ«العدو الحقيقي»، في رسالة تبدو أبعد من مناسبة دينية، وتعكس محاولة لإعادة فتح قنوات التواصل مع المحيط الخليجي وتخفيف عزلة طهران الإقليمية.
وجاءت رسالة خامنئي بمناسبة أسبوع الوحدة الذي يتزامن مع ذكرى المولد النبوي، ونشرت عبر حسابه على تطبيق تيليغرام، ودعا فيها إلى وحدة المسلمين والتعاون بينهم في مختلف المجالات، بما في ذلك الدفاع المشترك.
وحذر من أن أي طرف يتسبب في الانقسام بين المسلمين، سواء عن قصد أو من دون قصد، يخدم في النهاية مصالح خصومهم.
ويبرز في خطاب خامنئي تركيز واضح على دول الخليج، إذ وجه دعوة مباشرة إلى حكام الدول الإسلامية، ولا سيما دول غربي آسيا والدول المطلة على الخليج، إلى «معرفة العدو الحقيقي» وفهم مخططاته والتصدي له. وهي صيغة تسعى طهران من خلالها إلى نقل النقاش من الخلافات الثنائية مع جيرانها الخليجيين إلى إطار أوسع يقوم على مواجهة خصم مشترك.
وتحاول إيران بذلك إعادة صياغة طبيعة العلاقة مع دول الخليج، بحيث لا تبدو الخلافات معها باعتبارها صراعاً دائماً على الأمن والنفوذ، وإنما خلافات يمكن تجاوزها داخل إطار أوسع من الانتماء الإسلامي.
ويمنح هذا الخطاب طهران فرصة لاستدعاء خطاب لطالما شكل جزءاً من سياستها الخارجية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حين سعت إلى تقديم نفسها بوصفها قوة تتجاوز الانقسامات القومية والمذهبية.
لكن توقيت الرسالة يمنحها أهمية سياسية أكبر من بعدها الديني. فطهران تواجه ضغوطاً أميركية متصاعدة، ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، وإنما أيضًا في المجال الاقتصادي، مع استمرار العقوبات التي تستهدف قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، وفي مقدمتها النفط والدفاع والتمويل.
وفي 25 أغسطس، أعلنت واشنطن حملة عقوبات جديدة استهدفت نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بالقطاعات الدفاعية والنفطية والمالية الإيرانية، بالتزامن مع توسيع نطاق الضغوط على الجهات الأجنبية التي تساعد إيران في تجارتها، وخصوصاً تلك التي قد تكون عرضة للعقوبات الثانوية الأميركية.
ويضع هذا التصعيد إيران أمام حاجة متزايدة إلى تخفيف الضغوط الخارجية، وهو ما يجعل علاقتها بدول الخليج ذات أهمية خاصة. فالدول الخليجية لا تمثل فقط جيراناً جغرافيين لطهران، وإنما تشكل مراكز اقتصادية ومالية وتجارية رئيسية، كما أن علاقتها بواشنطن تمنحها دوراً مؤثراً في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية تخص المنطقة.
ومن هنا يمكن قراءة دعوة خامنئي باعتبارها محاولة لإبقاء الباب مفتوحاً أمام تحسين العلاقات مع دول الخليج، أو على الأقل منع انتقال التوتر معها إلى مستوى جديد يخدم سياسة العزل التي تواجهها إيران.
واستند خامنئي في رسالته أيضاً إلى القضية الفلسطينية، متسائلاً عما إذا كان الشعب الفلسطيني سيصبح «أعزل» ويتعرض لما وصفه بظلم المحتلين وجرائمهم لو كان المسلمون «يدا واحدة».
ويعيد ذلك إنتاج خطاب إيراني تقليدي يربط الوحدة الإسلامية بمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، ويمنح طهران قضية مشتركة يمكن استخدامها لتقريب المسافات مع الرأي العام العربي والإسلامي.
غير أن هذا الخطاب يصطدم بحسابات دول الخليج، التي لا تنظر إلى العلاقة مع إيران من زاوية مذهبية أو دينية فقط. فخلال العقود الماضية، ارتبطت الخلافات بين الطرفين بقضايا أمنية واستراتيجية مباشرة، من بينها النفوذ الإيراني في عدد من دول المنطقة، ودعم طهران لفصائل مسلحة، إلى جانب برنامجها الصاروخي والنووي.
كما أن الهجمات التي نفذتها إيران خلال الحرب الحالية واستهدفت منشآت عسكرية أميركية وبنية تحتية أخرى في دول الخليج أظهرت أن الخلاف بين طهران وجيرانها لا يمكن اختزاله بسهولة في الانقسامات الإسلامية التي تحدث عنها خامنئي.
وتنظر دول الخليج إلى أمنها القومي من منظور مختلف، إذ يرتبط بالنسبة إليها باستقرار الحدود والمنشآت الحيوية وحرية الملاحة وأمن الطاقة، إلى جانب علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية. ولذلك فإن الاستجابة لدعوة الوحدة الإسلامية لن تكون منفصلة عن هذه الحسابات الاستراتيجية.
كما أن الذاكرة السياسية في الخليج تجاه إيران لا تزال مثقلة بإرث طويل من التوتر منذ الثورة الإسلامية عام 1979. فقد نظرت الأسر الحاكمة في دول الخليج، على مدى عقود، بحذر إلى الخطاب الثوري الإيراني المناهض للملكية وإلى محاولات طهران توسيع نفوذها الإقليمي.
قد توفر رسالة خامنئي فرصة لإعادة اختبار المسار الدبلوماسي مع الخليج، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير المعادلة. فالهوة بين الخطاب الديني الإيراني والحسابات الأمنية الخليجية لا تزال واسعة، وتقليصها يحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز الدعوة إلى الوحدة.
وفي هذا السياق، فإن دعوة خامنئي إلى الوحدة تبدو أقرب إلى محاولة سياسية لتوفير أرضية جديدة للعلاقات، وليس إعلاناً عن تحول كامل في السياسة الإيرانية. فطهران تحتاج إلى تخفيف الضغوط الإقليمية في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطاً أميركية، كما تحتاج إلى منع تشكل جبهة إقليمية أكثر اتساعاً ضدها.
ويعزز ذلك حديث خامنئي الداخلي عن ضرورة الحفاظ على «التماسك الاجتماعي»، ودعوته السلطات إلى تجنب التصريحات التي تضعف المعنويات الوطنية.
ويشير هذا الخطاب إلى أن القيادة الإيرانية تدرك أن الضغوط الخارجية تصبح أكثر خطورة عندما تتزامن مع هشاشة داخلية أو تراجع في الثقة الشعبية.
ويأتي ذلك فيما لم يظهر خامنئي علناً منذ إصابته في الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية قبل ستة أشهر، والتي أدت أيضاً إلى مقتل والده الزعيم الأعلى السابق آية الله علي خامنئي، وفق المعطيات الواردة في التقرير. وبالتالي، تحمل رسائله الأخيرة بعداً داخلياً أيضاً، يتمثل في تعزيز التماسك في مواجهة الضغوط.
لكن نجاح محاولة فك العزلة الخليجية لن يتوقف على الخطاب وحده. فدول الخليج ستنظر إلى الأفعال الإيرانية أكثر من التصريحات، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي والتدخلات الخارجية والبرنامج النووي والصاروخي ودعم الجماعات المسلحة.
وبالتالي، قد توفر رسالة خامنئي فرصة لإعادة اختبار المسار الدبلوماسي مع الخليج، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير المعادلة. فالهوة بين الخطاب الديني الإيراني والحسابات الأمنية الخليجية لا تزال واسعة، وتقليصها يحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز الدعوة إلى الوحدة.
في المحصلة، يستنفر خامنئي ورقة الوحدة الإسلامية في وقت تحتاج فيه إيران إلى تخفيف الضغوط المحيطة بها. وتبدو الرسالة محاولة لإعادة تعريف الخلاف مع الخليج من صراع على النفوذ والأمن إلى مواجهة مشتركة مع «عدو حقيقي»، بما يسمح لطهران بتوسيع هامش المناورة الإقليمية.
لكن دول الخليج ستواجه معادلة أكثر تعقيداً: هل تتعامل مع الدعوة باعتبارها فرصة لخفض التوتر وفتح صفحة جديدة مع طهران، أم تعتبرها إعادة توظيف للخطاب الديني في لحظة تحتاج فيها إيران إلى كسر عزلتها؟ الإجابة ستتحدد، على الأرجح، ليس بما تقوله طهران، وإنما بما إذا كانت مستعدة لتحويل خطاب الوحدة إلى سياسات تعالج مصادر القلق الخليجي الأساسية.