أدخلت وفاة ليندسي غراهام مقعد ساوث كارولاينا في سباق أكثر تنافسية، بعدما فازت شقيقته دارلين بترشيح الجمهوريين، على رغم خبرتها السياسية المحدودة. وبينما بقي المقعد أقرب للحزب، أظهرت الاستطلاعات أن الاحتفاظ به لم يعد مضموناً بالدرجة نفسها، بالتوازي مع فقدان أحد أبرز أصوات الجمهوريين في السياسة الخارجية.
يدخل الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية عام 2026 من دون ليندسي غراهام، السيناتور ذي اللهجة الجنوبية الحادة الذي عرف بدعمه لدور أميركي نشط في الخارج وامتد تأثيره من ولايته ساوث كارولاينا إلى أوكرانيا وإيران، فبعد وفاته المفاجئة في الـ11 من يوليو (تموز)، سيواجه الجمهوريون تحدياً أكبر في الدفاع عن مقعد جمهوري لم يكن مهدداً، وسيحتاجون في الوقت نفسه إلى تعويض صوت غراهام المؤثر في السياسة الخارجية طوال ثلاثة عقود أمضاها في واشنطن، وهي مهمة تبدو أصعب من المحافظة على المقعد الانتخابي.
بينما كانت الانعزالية تتسلل إلى الحزب الجمهوري، ظل غراهام واحداً من أبرز المدافعين عن دور الولايات المتحدة كشرطي العالم، ومواجهة الخصوم بالقوة. ولذلك كان بارزاً اختلاف غراهام مع إدارة ترمب الثانية في مهادنتها لروسيا، واتفاقه معها في الحرب على إيران. وعلى رغم أن مواقفه اختلفت أحياناً مع تيار “أميركا أولاً”، إلا أنها لم تمنعه من بناء علاقة وثيقة بترمب مكنته من التحول إلى وسيط بين الرئيس والأجنحة الجمهورية المحافظة التي تدافع عن دولة المؤسسات لا الأشخاص.
بدأت علاقة غراهام بترمب بالكراهية وانتهت بمودة غريبة كشفت عن براغماتية السيناتور الراحل. عندما تنافسا في الانتخابات الرئاسية 2016 صب ترمب جام غضبه على غراهام، ونكاية به قرأ رقم هاتفه الشخصي على الملأ. في المقابل، رد غراهام بمشهد ساخر وتمثيلي يشرح فيه طرقاً مختلفة للتخلص من الهاتف، منها التكسير بالساطور، وضعه في الخلاط، إشعاله، ورميه من السطح وضربه بعصا غولف.
لكن غراهام لم يتردد في استمالة ترمب عندما أدرك أنه باق كحاكم وصانع ملوك جمهوري، فسارع في تبديل لهجته والتركيز على القواسم المشتركة، ومنها رياضة الغولف. وكشفت هذه البراغماتية عن حرص غراهام على أداء دور مؤثر في السياسة الخارجية، وهي مكانة تبلورت قبل الصعود السياسي لترمب، عندما ارتبط اسم غراهام باثنين من أشهر أعضاء مجلس الشيوخ المهتمين بقضايا الأمن القومي، وهما الجمهوري جون ماكين والديمقراطي ثم المستقل جو ليبرمان.
عرف الثلاثة باسم “الأصدقاء الثلاثة”، وهو لقب أطلقه عليهم الجنرال ديفيد بترايوس بعد زياراتهم المشتركة الكثيرة إلى العراق وأفغانستان. دافع الأصدقاء عن رؤية صقورية واستباقية لدور الولايات المتحدة في العالم، دعموا زيادة القوات الأميركية في العراق 2007، سافروا إلى مناطق النزاع، ورأوا أن مصلحة أميركا لا تتحقق بالانعزالية، بل بمزيد من الانخراط السياسي والعسكري.
حمل غراهام لواء “الأصدقاء الثلاثة” في السنوات الأخيرة بعد وفاة ماكين في 2018 وليبرمان في 2024، لكن هذا الثلاثي انتهى فعلياً بوفاة غراهام، في الوقت الذي أصبح تيارهم الفكري بأمس الحاجة إلى من يستكمل أجندتهم بالحماسة نفسها، بعدما أصبح التيار الانعزالي أكثر حضوراً داخل الحزب الجمهوري.
تربى في حانة
نشأ غراهام في بلدة سنترال الصغيرة في ساوث كارولاينا، حيث كان والداه يديران حانة، وعاش هو ووالداه وشقيقته في غرفة واحدة في الجزء الخلفي منها. كان حمام الحانة حمام العائلة ومطبخ الحانة مطبخها كما كتبت الصحافية جينيفر بيري هاوز. وشكلت هذه الخلفية روح الدعابة اللاذعة التي تمتع بها، إذ أسهمت نشأته في احتكاكه المباشر بمرتادي الحانة، وإدراكه للخلفيات المتباينة للبشر وطرق تفكيرهم، وانعكس ذلك في فهمه للآخرين والتأثير فيهم وميله للتعاون مع مختلف الأطراف.
أحب غراهام وصف نفسه بأنه شخص عادي، وكان يقول “أنا لست ذلك السيناتور المتزمت”، لكن شخصيته كانت صعبة الاختزال في صفة واحدة، إذ أثارت مواقفه في أحيان سخطاً من اليمين واليسار، ولا أدق من وصف روجر كيربي، النائب الديمقراطي في مجلس نواب الولاية، الذي قال عنه “كان شخصية سياسية متناقضة، تحبه وتكرهه، وقد تراودك تلك المشاعر في شهر واحد”.
أما عن اهتمامه بالسياسة الخارجية فلا يفسره سوى مساره المهني، إذ بدأ في القوات الجوية محامي دفاع عن العسكريين، ثم أصبح مدعياً عسكرياً في أوروبا. ولم يترك المسار العسكري حين دخل السياسة، بل ظل في قوات الاحتياط خلال عمله في الكونغرس، وكان يستغل بعض العطل للقيام بمهمات احتياطية قصيرة في العراق وأفغانستان.
أنهى غراهام 33 عاماً من الخدمة العسكرية برتبة عقيد في 2015، وأمضى ثمانية أعوام في مجلس النواب قبل انتقاله إلى مجلس الشيوخ في 2003. وحتى أيامه الأخيرة كان منشغلاً بالسياسة الخارجية، فقد التقى بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف قبل وفاته بيوم واحد، لمناقشة مشروع قانون تشديد العقوبات ضد روسيا.
أثارت الوفاة المفاجئة إشاعات اغتياله بالتسميم، لكن التقارير الطبية الصادرة عن مكتبه أشارت إلى أن الوفاة نتجت من تمزق في الشريان الأورطي (الأبهر)، وهو عارض صحي مرتبط بتاريخ عائلته الطبي. وبعد شهرين من الوفاة، وقع ترمب التشريع الذي شارك غراهام في صياغته مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال لفرض عقوبات على روسيا وإيران، وحمل القانون اسمه.
الشقيقة دارلين
بوفاة غراهام انخفض عدد الجمهوريين في مجلس الشيوخ موقتاً إلى 52، قبل أن تعين دارلين غراهام، شقيقة السيناتور الراحل، لملء المقعد حتى الثالث من يناير (كانون الثاني) 2027، ليدخل الجمهوريون الدورة الانتخابية المقبلة بغالبية 53 مقعداً في مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، ويكمن تحدي دارلين المقبل ليس في المحافظة على المقعد الانتخابي فحسب بل استكمال إرث شقيقها.
تمنح علاقة ليندسي بشقيقته القصة الانتخابية بعداً شخصياً غير معتاد، فعندما كان في الـ22، توفيت والدته، ثم توفي والده بعد نحو 15 شهراً، فتولى مسؤوليتها أثناء مراهقتها وأصبح وصياً عليها، ثم تبناها قانونياً خلال خدمته العسكرية لضمان حصولها على المزايا التي توفرها القوات المسلحة لعائلات العسكريين.
وبعد أكثر من أربعة عقود، انعكست الأدوار، فالشقيقة التي تولى ليندسي رعايتها في شبابه أصبحت المرأة التي اختارها حاكم الولاية لتجلس على مقعده بعد وفاته.
لم ينه التعيين المنافسة على المقعد، فإلى جانب الحاجة إلى تعيين من يشغل مقعده موقتاً في مجلس الشيوخ، كان على الجمهوريين أيضاً اختيار مرشح جديد لانتخابات نوفمبر. وهكذا انطلقت انتخابات تمهيدية في ساوث كارولاينا ضمت 10 مرشحين، بينهم شقيقته دارلين التي تحولت إلى الاسم الأبرز بعدما منحها ترمب تأييده وظهر في تجمع انتخابي لمساندتها
لم تحسم الجولة الأولى السباق، فانتقلت دارلين إلى مواجهة مباشرة مع النائب الجمهوري رالف نورمان في جولة الإعادة في الـ25 من أغسطس (آب)، وفازت بنحو 52.5 في المئة من الأصوات، لتنتزع البطاقة الجمهورية وتخوض معركة نوفمبر أمام الديمقراطية آني أندروز.
إرث لا ينتقل بالتعيين
دخلت دارلين مجلس الشيوخ من دون تجربة سابقة في منصب انتخابي، بعد مسيرة تركزت بدرجة أكبر على العمل الإداري والخدمات المرتبطة بذوي الإعاقة في ساوث كارولاينا. وفي الأسابيع القليلة بين تعيينها وخوض الانتخابات التمهيدية، حاولت تقديم هذه الخلفية باعتبارها ميزة، مؤكدة أنها ليست من الطبقة السياسية التقليدية وأنها أكثر اهتماماً بما تسميه القضايا التي تمس حياة الناخبين مباشرة، مثل أسعار الغذاء والطاقة وكلفة المعيشة. ووصف ترمب افتقارها إلى الخبرة السياسية بالطريقة نفسها، قائلاً بعد الجدل الذي أثارته إحدى إجاباتها إنها كانت صريحة وإن اهتمامها ينصب أكثر على الأسعار والقضايا الداخلية.
وأصبح هذا الاختلاف بينها وبين شقيقها أكثر وضوحاً خلال المناظرة التي سبقت جولة الإعادة الجمهورية في أغسطس حين سئلت عما إذا كانت تايوان وبحر الصين الجنوبي يمثلان قضية أمن قومي للولايات المتحدة، فطلبت دارلين إعادة السؤال، ثم قالت إنها تريد أن تكون صريحة وإنها “ليست مطلعة إلى هذا الحد على الأمن القومي”، قبل أن تضيف أن الأمن القومي “ليس مجالي” لكنها تدعم القوات المسلحة، وقوبلت الإجابة باستهجان مسموع من بعض الحضور.
كان السؤال محرجاً لدارلين، لأنه مس أحد أبرز الملفات المرتبطة بإرث شقيقها الذي كان من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ انخراطاً في قضايا تايوان والصين والسياسة الخارجية عموماً، وزار تايوان بنفسه ودافع عن تعزيز العلاقات معها. وهكذا جعل سؤال واحد التباين بين الشقيقين ظاهراً أمام الناخبين، فبينما أمضى ليندسي عقوداً في قضايا الأمن القومي، كانت دارلين قد أمضت نحو خمسة أسابيع فقط في مجلس الشيوخ عندما أقرت علناً بأن هذا المجال ليس من اختصاصها.
وسارع منافسها رالف نورمان إلى استغلال الإجابة، وقال إن من يترشح لولاية مدتها ستة أعوام في مجلس الشيوخ يحتاج إلى الإلمام بالقضايا التي سيتعامل معها، كما استخدم مؤيدوه الحادثة لتعزيز حجتهم بأن خبرة دارلين المحدودة تمثل نقطة ضعف. وقال النائب المحلي جوردان بيس، لـ”بوليتيكو” إن الإجابة أكدت في رأيه أنها “غير مستعدة إلى حد كبير” لعضوية مجلس الشيوخ. أما نيكي هايلي، التي دعمت نورمان، فاختصرت موقفها بعبارة أن خبرة السياسة الخارجية لا يمكن “توريثها”.
لكن دارلين لم تحاول بعد ذلك تقديم نفسها باعتبارها نسخة من شقيقها، على العكس، جعلت من محدودية خبرتها جزءاً من خطابها عن كونها وافدة جديدة إلى واشنطن. وقالت خلال المناظرة “أنا لست سياسية مصقولة”، ثم دافعت حملتها عن موقفها بالقول إن ناخبي ساوث كارولاينا أكثر اهتماماً بكلفة المعيشة من بحر الصين الجنوبي.
وفي تجمع لاحق إلى جانب ترمب، واجهت دارلين الانتقادات مباشرة قائلة إن منتقديها يتهمونها بأنها ليست سياسية، قبل أن تجيب “مذنبة كما اتهمتموني”، مستحضرة أن ترمب نفسه وصل إلى الرئاسة من دون أن يكون قد شغل منصباً انتخابياً من قبل.
ولم يمنع اللغط حول تايوان دارلين من الفوز في الانتخابات التمهيدية، إذ تدخل ترمب بصورة مكثفة في الأيام الأخيرة، وزار ساوث كارولاينا شخصياً وطالب أنصاره بالتعامل مع السباق كما لو كان هو نفسه على بطاقة الاقتراع، لكن فوزها لا يلغي الفارق الذي أصبحت المناظرة رمزاً له، فالاستمرارية بين الشقيقين واضحة في اسم العائلة وفي بعض المواقف وفي قربهما من ترمب، لكنها أقل وضوحاً في المجال الذي كان ليندسي غراهام قد بنى فيه جانباً كبيراً من ثقله داخل مجلس الشيوخ.
استطاع الجمهوريون، بتعيين دارلين ثم فوزها بالترشيح، الحفاظ على مقعد غراهام واسمه على بطاقة الاقتراع، لكن السؤال الذي تركته وفاة شقيقها يتعلق أيضاً بما هو أصعب من تعويض صوت عددي في المجلس، وهو تعويض شبكة العلاقات والخبرة والنفوذ التي راكمها شقيقها طوال عقود.
عبء انتخابي
وتشير الاستطلاعات إلى أن دارلين لم ترث مقعداً مضموناً، ففي استطلاع أجرته “إمباكت ريسيرش” بين الـ18 والـ24 من أغسطس، تعادلت مع الديمقراطية آني أندروز عند 41 في المئة لكل منهما، وإن كان الاستطلاع ممولاً من جهة ديمقراطية.
وبعد ذلك بأسبوع، منح استطلاع “أباكوس داتا” دارلين تقدماً واسعاً، 55 في المئة في مقابل 42 في المئة، لكن استطلاع “إنسايدر أدفانتج” في سبتمبر أعاد الفارق لأقل من نقطتين، 45 في المئة لدارلين في مقابل 43 في المئة لأندروز.
ولا تدل هذه الاستطلاعات على أن ساوث كارولاينا ولاية متأرجحة بالضرورة، لكنه يوضح أن السباق لم يعد يعامل باعتباره محسوماً سلفاً. في الـ23 من سبتمبر، خفض “كوك بوليتيكال ريبورت” تصنيف المقعد من “جمهوري مضمون” إلى “مرجح للجمهوريين”، مشيراً إلى حظوظ أندروز، وإن كانت دارلين لا تزال في موقع أقوى، وبذلك أضافت وفاة ليندسي إلى معركة الجمهوريين على مجلس الشيوخ مقعداً يحتاج إلى قدر من الدفاع والإنفاق لم يكن متوقعاً في البداية.