تمرّ هذه الأيام الذكرى الثانية لرحيل الروائي إلياس خوري، الذي توفي في 15 أيلول/ سبتمبر 2024، بعد عامٍ ونيّف من الألم، عن ستةٍ وسبعين عامًا، ملأ خلالها دنيا الأدب، وشغل ناس الرواية، وانخرط في حركة ثقافية ناشطة، تعدّدت فيها محاور اهتمامه، وتنوّعت حقول نتاجه المعرفي، وتراوحت بين القصة والرواية والمسرحية والدراسة والمقالة، وتمخّضت حركته عن ست عشرة رواية، وأربعة عشر كتابًا، وثلاث مسرحيات، ومئات المقالات الصحافية الملتزمة. ذلك أن إلياس خوري “لا يُعدّ ولا يُحصى”، على حدّ تعبير أحمد بيضون، وهو جمعٌ بصيغة المفرد، يلتقي فيه القاص والروائي والناقد والصحافي والكاتب المسرحي والأستاذ الجامعي والمناضل السياسي، في خلطة سحرية، متعدّدة المحاور، متنوّعة الحقول، ما منحه موقعًا متقدّمًا في المشهد الثقافي العربي، وبوّأه صهوة عالية في تاريخ الرواية العربية، حتى إذا ما رحل، على حين غرّة، ترك خلفه فراغًا لا يملأه سواه.
نزوع أدبي
ولد خوري في 12 تموز/ يوليو 1948، في محلّة الأشرفية من أعمال بيروت، لأسرة متوسّطة، وانكبّ صبيًّا على قراءة روايات من جرجي زيدان، وأخرى من الأدب الروسي، ونصوص من الأدب الحديث، ما يعكس نزوعًا أدبيًّا مبكّرًا لديه، سيتفتّح، على الزمن، ويُسهم في تشكيل شخصيته الأدبية. ويأتي حصوله على شهادة الثانوية العامّة عام 1966 من ثانوية الراعي الصالح، وحصوله على الإجازة في التاريخ من الجامعة اللبنانية عام 1971، ومتابعة دراساته العليا في التاريخ الاجتماعي في جامعة باريس، ليسهم في صقل تلك الشخصية، وتغذية تلك النوازع. ناهيك بمعاصرته مجموعة من الأحداث التاريخية أسهمت، بدورها، في تشكيل وعيه السياسي، وتحديد خياراته الوطنية والقومية؛ فقد تزامنت ولادته مع النكبة الفلسطينية في عام 1948، وتقاطعت مراهقته مع النكسة في عام 1967، وعاش في عشرينياته الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1975، وشهد في ثلاثينياته الغزو الإسرائيلي لمدينته بيروت في عام 1982، وعاصر في ستينياته الحرب السورية التي نشبت في عام 2011، وعاين في سبعينياته حرب الإبادة التي يشنّها العدو الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وكأنما كُتِب على خوري وجيله أن يعيش وسط سلسلة من النكبات العامّة، بين الولادة والرحيل، ما ترك تأثيرًا كبيرًا على حياته الخاصّة وخياراته فيها، وانعكس في نتاجه الأدبي، لا سيّما الروائي منه.
الهوية والهوى
وإذا كان خوري لبناني الهوية بحكم الولادة والإقامة، فإنّه فلسطيني الهوى بحكم الشعور الإنساني والوعي القومي والثقافة الملتزمة والنضال السياسي، ما جعل كثيرين يظنّونه فلسطينيًّا، ويتعاملون معه على هذا الأساس. ولكلٍّ من الهوية والهوى في نتاجه الأدبي نصيب. فعلى مقاعد الدراسة الثانوية، تزامل خوري مع عدد من الطلبة الفلسطينيين، وقام بزيارة مخيم للاجئين في بيروت، ورأى الهول الذي يعيشون فيه، وزار مخيّمًا للاجئين في عمّان في عام 1967، وانخرط في حركة فتح الفلسطينية، ما أسهم في تعزيز هواه الذي بدأت بواكيره في مرحلة مبكّرة، حتى إذا ما أنهى دراسة التاريخ في جامعة باريس، عاد ليجد نفسه يعمل في “مؤسّسة الأبحاث الفلسطينية” في بيروت، وفيها يلتقي الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتكون بداية علاقة ثنائية بينهما، تتطوّر إلى صداقة حميمة، وتتحوّل إلى علاقة رباعية تضمّهما إلى سمير قصير ومارسيل خليفة، تتمخّض عن ثمار طيّبة؛ فيضع خوري، في إطارها، كتاب “محمود درويش وحكاية الديوان الأخير”، ويُسهم مع آخرين في وضع كتاب “محمود درويش الشاعر، الإنسان، الحب”، ويشترك مع سمير قصير في كتاب “تأملات في شقاء العرب”، ويلقي له مارسيل خليفة نصًّا بصوته، حول معتقل أنصار، مرفقًا بالموسيقى.
تمظهرات ثقافية
على أنّ الهوى الفلسطيني لدى إلياس خوري يتّخذ تمظهرات أخرى، ذات طابع ثقافي؛ فيترأس تحرير مجلة “شؤون فلسطينية” بالتعاون مع درويش بين عامي 1975 و1979، ويدير تحرير مجلة “الكرمل” بين عامي 1981 و1982، ويترأس تحرير “مجلة الدراسات الفلسطينية” بين عامي 2011 و2024. ناهيك بترؤّسه القسم الثقافي في جريدة “السفير” اللبنانية بين عامي 1983 و1990، ورئاسته تحرير ملحق النهار الثقافي بين عامي 1992 و2009. وفي جميع هذه المطبوعات، أفرد خوري للقضية الفلسطينية الصفحات الواسعة. غير أنه لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن هوى خوري الفلسطيني لم يكن على حساب هويته اللبنانية التي يفخر بالانتماء إليها؛ لذلك، لم يتوانَ عن التعبير عن انزعاجه، ذات يوم، حين وصفته صحيفة “دايلي ستار” اللبنانية الأنغلوفونية بالفلسطيني. فهواه الفلسطيني لا يعني التنكّر لهويته اللبنانية، وهو عرف كيف يوازن بين الهوية والهوى في نتاجه الروائي، فيتوزّع، بمعظمه، على الحرب الأهلية اللبنانية، من جهة، والقضية الفلسطينية، من جهة ثانية.
الحرب اللبنانية
ذات حوار صحافي، يقول إلياس خوري لمحاورته دارين حوماني: “خُلِقت في الحرب، وعشت في الحرب، ويبدو سنموت في الحرب” (“ضفة ثالثة”، 17 أيلول/ سبتمبر 2024). ومن الطبيعي أن تنعكس مثل هذه الحياة في نتاجه الروائي؛ لذلك، نراه يتناول الحرب الأهلية اللبنانية في عدد من رواياته، ويرصد تداعياتها المباشرة وآثارها المتمادية على الناس والأمكنة، في محاولة منه للتعبير عن رفضه الحرب، لا سيّما أنه شارك في بعض فصولها الأولى، وخبر ويلاتها عن كثب، ولم يكن حديثه عنها “بالحديث المرجّم”، على حدّ تعبير الشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سلمى. من هنا، تكتسب رواية الحرب، لدى إلياس خوري، واقعيتها الفظّة وصدقها الصارخ، على أنّ تناوله لها يختلف من رواية إلى أخرى، سواء على مستوى الحكاية أو الخطاب؛ ففي “الجبل الصغير” (1977)، التي تدور أحداثها في الأشرفية في بيروت، والجبل الصغير هو الاسم الروائي لتلك المنطقة، يرصد خوري تداعيات الحرب على الناس والأمكنة، وكيف تحوّلهم عن وظائفهم الأصلية إلى أخرى ليست من طبيعتهم، فتتحوّل الكنيسة، على سبيل المثال، من مكان للصلاة إلى ساحة للصراع والتقاتل السياسي، وهو ما ينسحب على أماكن أخرى. وفي “رحلة غاندي الصغير” (1989)، يروي خوري سيرة المدينة في الحرب، من خلال سير المهمّشين فيها، وفيهم غاندي ماسح الأحذية وأليس المومس وغيرهما، ويرصد تداعيات الحرب على هؤلاء وغيرهم من ذوي المسارات العاثرة والمصائر الفاجعة، ويشكّل ذاكرتهم الجماعية التي هي ذاكرة المدينة في مواجهة الحرب التي تمحو الذكريات وأصحابها.
في “الوجوه البيضاء” (1981)، يتناول واقع اللاجئين الفلسطينيين، خلال الحرب الأهلية، وتحوّلات العمل الفدائي، بين مرحلتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فتطغى الصورة الإيجابية على المرحلة الأولى حين الفدائي يقارع العدو الإسرائيلي، وتطغى الصورة السلبية على المرحلة الثانية حين الفدائي ينغمس في الحرب الأهلية اللبنانية.
وفي “يالو” (2002)، التي تجري أحداثها في عام 1993، تتمظهر الحرب في آليات ممارسة السلطة مهامّها، ما يترك تداعياته السلبية على الممارَسة عليهم؛ فالقمع العبثي الذي يتعرّض له الشاب السرياني يالو دانيال، خلال التحقيق معه، على خلفية اتهامه بأعمال سرقة واغتصاب، يَضطرّه إلى الإدلاء باعترافات عدّة، متناقضة، حتى إذا ما تمّ اكتشاف المجرم الحقيقي، يتمّ إخلاء سبيله، ولكن بعد أن سِيمَ صنوف التعذيب والترهيب. وهكذا، تدين الرواية أساليب التحقيق القمعية التي هي من رواسب الحرب ولوازمها.
وفي “سينالكول” (2012)، يرصد خوري التصدّعات التي أحدثتها الحرب، داخل الأسرة الواحدة، من خلال أسرة نصري شماس الذي يلتحق ولده كريم بحركة فتح الفلسطينية، ويلتحق ولده الآخر نسيم بحزب الكتائب اللبناني، فتنقسم الأسرة على نفسها، ويجد الشقيقان أحدهما في مواجهة الآخر، حتى إذا ما التقيا بعد نهاية الحرب، يدركان أن كلاهما خاسر، ولكن بعد فوات الأوان؛ ذلك أن الحرب كانت قد تركت آثارها المتمادية على كل منهما، على شكل عقد وأمراض نفسية. فالحرب قد تنتهي في الواقع، لكنها تستمر في النفوس، بشكل أو بآخر. ومن خلال هذه الحكاية، ترصد الرواية التحوّلات السياسية والفكرية والاجتماعية الناجمة عن الحرب، وهو ما يتمظهر في تراجع اليسار اللبناني مع التدخل السوري المباشر، ظهور الأحزاب الإسلامية، بروز طبقة أغنياء الحرب، ومصادرة أعمال المقاومة. وبذلك، تشهد الرواية، من خلال الخاص، على العام، وتجمع بين حكايات الأفراد الخاصة وتاريخ الجماعة العام، وإلياس خوري مختص في التاريخ إلى كونه ضالعًا في كتابة الرواية. وإذا كان ثمة خلاصة يمكن الخروج بها من هذه القراءة، فهي أن خوري ما كتب رواية الحرب إلّا ليرفضها، وينبّه إلى مخاطرها، ويدعو إلى عدم تكرارها. فينهض الأدب بوظيفة جرس الإنذار، يستخلص العبرة من دروس الماضي، ويضعها على طاولة المستقبل.
القضية الفلسطينية
قلّما تخلو رواية من روايات إلياس خوري من تناول المسألة الفلسطينية، بشكل أو بآخر، بدءًا من روايته الأولى “عن علاقات الدائرة” (1975)، غير أن تناوله إياها سيبلغ الذروة مع روايته الملحمة “باب الشمس” (1998)، التي ارتبط اسمه بها، وشكّلت علامة فارقة في مسيرته الروائية، واكتملت أركانه مع ثلاثية “أولاد الغيتو” التي صدرت تباعًا بعناوين: “اسمي آدم” (2016)، “نجمة البحر” (2018)، و”رجل يشبهني” (2023). وهو في الروايات الأربع يرصد جوانب مختلفة من الجلجلة الفلسطينية، خارج فلسطين وداخلها، ويصوغ السردية الفلسطينية بالأسماء والوقائع التاريخية والجغرافية، في مواجهة الحكاية الإسرائيلية المستندة إلى الأساطير والخرافات، ويُصحّح بالرواية إمعان المؤسسة الصهيونية في تزوير التاريخ وتشويه الجغرافيا.
“باب الشمس”
ففي “باب الشمس” (1998)، يلملم خوري نثار الذاكرة الفلسطينية، ويرفو ثقوبها، ويرمّم تصدّعاتها، ويشهرها في وجه النسيان. وهو يفعل ذلك من خلال استعادة أحداث نصف قرن من عمر الحكاية الفلسطينية، حكاية يونس الداخل في غيبوبة منذ سبعة أشهر، يرويها على مسامعه الطبيب الراوي خليل، لعلّه يستفيق من غيبوبته، وهنا يصبح الحكي معادلًا للحياة، والدليل أن يونس يفارق الحياة ما أن يقطع خليل عملية الحكي. على أن الأحداث المستعادة في إطار علاقة حب بين يونس ونهيلة تعكس جلجلة اللاجئ الفلسطيني في نزوحه وتشرّده وتسلّله ومقاومته وانكساره، وفي وقائع الحكاية: ولادة يونس في عين الزيتون من أعمال عكا لأبٍ يستحمّ بالتراب، زواجه من نهيلة، التحاقه بالجهاد المقدّس، انتقاله إلى دير الأسد، نزوحه إلى لبنان، تسلّله إلى مغارة باب الشمس في الجليل للقاء بنهيلة، انخراطه في العمل الفدائي، ومواجهته الحرب الإسرائيلية على المخيمات وما يترتّب عليها من مجازر. وهي وقائع تعكس الشخصية الفلسطينية في عنادها ونضالها ومقاومتها وتضحياتها واستشهادها.
تمظهرات سلبية
على أن هذه الصورة النمطية الإيجابية للشخصية الفلسطينية في “باب الشمس” يجري كسرها في “أولاد الغيتو” التي تجري أحداثها داخل فلسطين. وإذا كان يونس في “باب الشمس” يمثّل الرجولة والفحولة والبطولة والحب والنضال، وهي صفات عُرِفت بها الشخصية الفلسطينية، عبر نضالها الطويل، فإن شخصية آدم والشخوص الأخرى المتعالقة معها في “نجمة البحر”، الجزء الثاني من الثلاثية، تمثّل صفات أخرى، تكسر الصورة التاريخية النمطية للشخصية الفلسطينية، فتتراوح تمظهراتها في الرواية بين المهزومة، والعميلة، والمنتقمة، والوحيدة المقطوعة من شجرة، والغارقة في الحنين إلى ما مضى. أي أننا إزاء شخصيات سلبية، مغتربة عن الزمان والمكان، وموزّعة بين ماضٍ لن يعود ومستقبل لن يأتي؛ فالشخصية المهزومة يمثّلها آدم الذي يُعثر عليها طفلًا على صدر أمه الميتة عند شجرة زيتون، وينتحل صبيًّا هوية صبي إسرائيلي كي يحمي نفسه، ويخفي هويته الحقيقية عن الآخرين، ما يوفر له فرص المأوى والتعلم والعمل والحب، غير أنه حين يتم اكتشاف حقيقته، يجري طرده وحرمانه من كل المكتسبات التي أتاحها له التنكّر، في إحالة واضحة إلى خطورة التخلي عن الهوية والانقطاع عن الجذور. والشخصية العميلة يمثلها رباح عبد العزيز الذي يراهن على علاقته باليهود لاسترجاع أرضه، فيفشل رهانه، ويخسر نفسه ولا يستعيد الأرض. والشخصية المنتقمة يمثّلها عبد الله الأشهل الذي يضيع البوصلة، فينتقم من العربي الذي حضن أسرته بدلًا من المحتل الذي هجّره مع أسرته إلى لبنان. والشخصية المنقطعة عن جذورها تجسّدها عبلة التي رفضت الرحيل مع أسرتها، وآثرت البقاء للعناية بأمها، ما يجعل زوجها يقترن بأخرى، ويقطع صلتها بأولادها، ويُعرّضها للإذلال في الغيتو. أمّا الشخصية المغتربة في “نجمة البحر”، فيجسّدها أبو حسن العائد من غربة أولى أميركية ليعيش غربة ثانية على شاطئ يافا، غارقًا في تأملاته وحنينه إلى زمن لن يعود. ولعل هذه التمظهرات السلبية للشخصية الفلسطينية تعود إلى التراجع الكبير الذي شهدته القضية الفلسطينية، وغيابها عن جدول أعمال القوى العظمى والمؤسسات الدولية، في الربع الأول من القرن الحالي. ولعل هذا ما أدّى إلى طوفان الأقصى الذي لا تزال تداعياته مستمرّة.
وبعد، إن استئثار الحرب اللبنانية والقضية الفلسطينية بمعظم نتاج إلياس خوري الروائي لم يحل دون اهتمامه بأسئلة أخرى يطرحها الواقع العربي، في هذه اللحظة التاريخية، ممّا لا يتسع المجال لذكره. على أن خوري في هذا النتاج الغني لم ينسج على منوال من سبقه من كبار الروائيين، ويقطع مع الرواية العربية التقليدية، ويكتب روايته الخاصة على غير منهج، كما رأى صديقه إدوارد سعيد في تقديمة الطبعة الإنكليزية من “الجبل الصغير”. وهو إذا كان تأثر بموجة الرواية الجديدة في فرنسا، على حدّ بعض الدارسين، وأفاد من تقنيات السرد العربي، لا سيما في “ألف ليلة وليلة”، فإنه لم يسقط في درك التقليد، بل كان روائيًّا مبدعًا بكل معنى الكلمة، ومجدّدًا في استخدام تقنيات السرد الروائي، وهذا ما منحه موقعه المتقدّم على خريطة الرواية العربية والعالمية، فتُرجمت رواياته إلى العديد من اللغات، وجرى تكريمه في غير منبر دولي، ونال المكانة التي يستحق، ودخل تاريخ الرواية العربية من الباب الواسع.