مكّنتْ دراستي الأدب العربي في الجامعة (1963 ــ 1967) للسيرة الذاتية التراثية في وعيي. ولا أنسى أن أطيافًا بعينها لم تفارقني، كنت قرأتها أو قرأت منها، وأولها لأبي حيان التوحيدي في كتابه “الصداقة والصديق”. فقد روّعني ما كتب في نُبَذٍ من سيرته الذاتية، كأنما هو يعري ذاته. وبنصيحة من أساتذتي قرأت في سيرة ابن خلدون “التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا”، وسيرة أسامة بن منقذ “الاعتبار”. وبذلك وما شابهه من القول في الترجمة الذاتية، وفي التراجم، في التراث، كتبت فيما كان دفتري السري حلمًا فحلمًا بكتابة سيرة لا تكتفي بأسرة ودراسة وسفر ووظيفة… بل تتبع التوحيدي في نبش ما في الدخيلة بلا مواربة.
وقد تعزّز هذا الحلم وهذا الفهم للسيرة الذاتية بما توالى من قراءاتي في التراث (التحدث بنعمة الله للسيوطي ــ المنقذ من الضلال للغزالي ــ طوق الحمامة لابن حزم…)، وكذلك قراءاتي في الرواية التي تقوم على السيرة، وهنا كانت المفاجأة برواية غالب هلسا “الخماسين” (1975)، التي حمل فيها الراوي اسم الكاتب. وهذا ما سأفعله في محاولتي السيرية الأولى “المسلّة” (1980). وقد أقرأت مخطوطة “المسلّة” لأكثر من ثلاثين صديقة وصديقًا، فرفع كثيرون وكثيرات الأوراق الحمراء في وجه ما في السيرة من المحرم السياسي، ومن المحرم الجنسي، ولذلك أجّلت نشرها إلى أن انتقلت إلى بيروت، وجنّستها (رواية) كنوع (ساذج) من التقية. ولم يعد لي طموحي بتجنيسها (سيرة) إلا في نهاية السنة الماضية، ربما لأني بلغت الثمانين، وليكن الطوفان.
أثناء كتابة “المسلة” لم أكن قد قرأت ما أرسل فيليب لوجون عام 1975 في السيرة الذاتية، ولا ما أرسله دوبروفسكي عام 1977 في التخييل الذاتي. بيد أن ما بدأت به بالسيرة الذاتية التراثية أخذ يفتنني ويختلف بفضل ثلاثة عوامل، أولها ما كانت تفعله السيرة الذاتية في رواياتي “هزائم مبكرة” (1985)، “مجاز العشق” (1998)، “في غيابها” (2003)، “دلعون” (2006)، “مدائن الأرجوان” (2010)، “جداريات الشام: نمنوما” (2014)، “ليل العالم” (2016)، “تحوّلات الإنسان الذهبي” (2022). والعامل الثاني كان قراءاتي في الرواية العربية التي تواتر وتعمق ما للسيرة الذاتية فيها خلال العقود الأربعة الماضية. والعامل الثالث هو قراءاتي النقدية.
في ظني أن النقد العربي قد غلب عليه الأخذ بالمحدّدات الغربية في دراسته للسيرة الذاتية التراثية. ولقد كان ولا يزال السؤال شغالًا ولائبًا عن تلك السيرة من حيث صلتها بالسيرة الذاتية العربية المعاصرة. والأهم هو السؤال عن هذه السيرة على ضوء ما تنتجه منها الكتابة العربية، وما يقوله فيها النقد العربي وغير العربي، فبات حديثُ الميثاق السير ذاتي، وحديثُ التطابق بين المؤلف والراوي والشخصية حديثَ السيرة الذاتية العربية.
إذا كانت رؤيتي للسيرة الذاتية تتأسس هنا، ولها في التراث جذر أيضًا، فلا يغيبنّ عن كل ذلك ما يحفّ بهذا الجنس من إكراهات التلصص، بل والعقاب، على تجاوز السيرة الذاتية للمحرمات الجنسية والدينية والسياسية، وبالتالي: ماذا عن الرقيب الداخلي الذي يسكن دخيلة الكاتب؟
من الإكراهات ما هو نقدي أيضًا، كما في تجفيف لغة السيرة الذاتية من أدبيتها، أو في وهم المطابقة الحرفية بين حياة الكاتب وما في السيرة. رحم الله إحسان عباس في قولته في كتابه “فن السيرة” (1956): “الحقيقة الذاتية صدق نسبي، مهما أخلص صاحبها في نقلها على حالها، ولذلك كان الصدق في السيرة الذاتية محاولة، لا أمرًا محققًا”. وهذا ما يفسح ولو قيد شعرة للتخيّل، وهنا يقوم جزء من الفيصل بين السيرة الذاتية الأدبية والسيرة الذاتية غير الأدبية، بين سيرة أنور السادات “البحث عن الذات”، مثلًا، وسيرة ميخائيل نعيمة “سبعون”.
هنا تتفجر الأسئلة: كيف يمكن للنسيان أن يكون نعمة بدلًا من أن يكون نقمة؟ كيف تضيء الكتابة عتمات الذاكرة؟ ماذا عن التفاعل بين الأجناس الأدبية وبين الفنون مثلًا، هل السيرة بمنجاة منه؟
ليست السيرة يوميات، ولا مذكرات. أجل، ولكن السيرة تفيد من أية كتابة شخصية وحميمية. والسيرة ليست رواية، كما أن الرواية ليست سيرة. لكن التفاعل بينهما، سواء فيما أطلقه دوبروفسكي من التخييل الذاتي، أم فيما بات ركنًا روائيًا راسخًا، وركنًا نقديًا راسخًا، مما أسميه (السيرة الروائية)، وهو أوثق صلة بالسيرة الذاتية من (الرواية السيرية). وفي كل ذلك يبدو بجلاء كم في تجنيس السيرة الذاتية من الزلاقة، ومن الملص من الحدود القاطعة. ولكن لماذا لا تكون الزلاقة ويكون الملص من الرحابة؟
ها هنا يحضرني من فن السيرة الذاتية التي كتبها ماركيز، وأراه في صلب رؤية/ نظرية لجنس السيرة الذاتية، حيث كان الرجل (يلغّم ويلغّز) سيرته الذاتية، فتراه يسرد واقعةً ما بصيغٍ بشتى، وفي كل صيغة جزء من الواقع والحقيقة، وجزء من ماذا؟
لقد أورثنا شيخنا ماركيز (التلغيم والتلغيز) لكتابة السيرة الذاتية.
ثمة أسئلة لا تفتأ تُلهب السرد السير ذاتي، منها ما يتعلق بالأنا المكتوبة ومدى مطابقتها للأنا المرجعية، بالأحرى: مدى التخييل فيها. ومن الأسئلة ما يتعلق بحدود ما يمكن للإنسان أن يعرف عن ذاته، أو يتعلق بالمصورة (الكاميرا) التي يُراد للسيرة الذاتية أن تصوّر بها وقائع وأحداثًا عاشها الكاتب ذات يوم، وأناسًا كانت له بهم صلة أو صلات ذات يوم. وكما جعلت هذه الأسئلة من السيرة الذاتية اليوم غير ما كانت عليه عندما كتب طه حسين “الأيام”، ستظل الأسئلة تتجدّد ليتجدّد جنس السيرة الذاتية.