(أبو حيان التوحيدي/ مؤسسة الفكر العربي)
في أواخر حياته، بلغت علاقة أبي حيان التوحيدي بأفكاره ومعتقداته حدّ الخصومة، حتى إنه ألقى قسماً من كتبه في النار. وحين عاتبه معاصروه على فعلته، كتب رسالة يبرّر فيها إحراق كتبه، ويذكر من فقدهم من ولد وصديق وصاحب، ويشكو من زمن أصبح فيه يخشى أن تقع أوراقه في أيدي قوم لا يفهمونها و”يعبثون بها ويدنّسون عرضه”، بحسب كلماته.
كان “فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة” الذي أمضى عمره باحثاً عن قارئ يقدّر أفكاره، قد صار يخشى أن تقع كتبه بعد موته في أيدي من لا يقدّرون قيمتها. فكيف بلغت خصومته لأفكاره هذا الحد؟ يقودنا السؤال إلى بغداد في القرن العاشر الميلادي، حيث عمل التوحيدي في الوراقة، ناسخاً الكتب لقاء أجر ضئيل، واتصل بالوزراء والأعيان طلباً للرزق والمكانة. كان فقره جزءاً من حكايته، غير أن جرحه الأشدّ نشأ من الفارق بين القيمة التي كان يؤمن بأنه جدير بها والمنزلة التي منحه إياها مجتمعه. فعلى الرغم من سعة معرفته وتفرّد صوته، افتقر إلى شبكةٍ من العلاقات تستطيع تحويل معرفته وموهبته إلى اعتراف اجتماعي مستقر، على غرار ما حظي به غيره من جلساء الوزراء.
تكشف هذه السيرة عن آليةٍ ما تزال تعمل داخل كل حقل ثقافي: فالموهبة تحتاج إلى مؤسّسات لتمنحها اسماً وموقعاً. النص في ذاته لا يستمد قيمته الترويجية وإمكانية انتشاره في مضمونه وحده، وفي زمن التوحيدي كان الوزير يجمع جانباً كبيراً من هذه السلطات في يده. يفتح مجلسه للكاتب ويوفر له أسباب العيش وجمهوراً من المريدين، وقد يتركه عند العتبة. لهذا كان رأس المال الثقافي لدى التوحيدي وفيراً، بينما بقي رأس ماله الاجتماعي هشًاً. ومن هذا الموضع الحساس رأى التوحيدي مجتمع العلماء. حيث تظهر في كتبه مجالس تضج بأصوات النحاة والمتكلمين والفلاسفة، وتتحرّك خلف فصاحتهم رغبات الحظوة عند الوزراء والخوف من الأفول والحسد من الآخرين. رسم صورة قاتمة لهذا الوسط، إذ تُستعمل البلاغة لطلب القرب والانتصار في الصراع على الحظوة عند الأمير أو الوزير. وفي النهاية، احتاج التوحيدي نفسه إلى أصحاب السلطة ليتجاوز موقعه المتدني في سلم المكانة بين أهل بغداد آنذاك. كانت مرارته أداة للمعرفة، وكانت، في الوقت نفسه، أثراً لجراحٍ شوشت بعض أحكامه. وتتخذ الأزمة أكثر صورها حميمية في كتابه “الصداقة والصديق”، إذ جمع التوحيدي أخبار الألفة والهجر وأقوال الحكماء والشعراء، كأنما كان يختبر إمكان قيام صحبة لا تحكمها مراتب القوة والمكانة، ولا تتحوّل إلى عقد خفي بين مانح ومحتاج. غير أن الصداقة في عالمه خضعت لمنطق الامتياز الذي يمنحه الأقوى. لهذا يبدو هذا الكتاب تحديداً سيرة مقنّعة لرجل لم يكن يبحث عن مؤانس فحسب، وإنما عن علاقة يستطيع فيها أن يلقي سلاح الحذر جانباً.
وفي علاقاتنا المعاصرة، يتجدّد هذا القلق كلما تحول الحضور والغياب، والاستجابة والصمت، إلى إشارات نقيس من خلالها مكانتنا في نفوس الآخرين. ويمتد التوتر بين الحاجة إلى الآخرين والخضوع لشروطهم إلى بقية الأسئلة الأخلاقية التي شغلته في أكثر من كتاب: كيف يعرف الإنسان الخير ثم تسلك جوارحه طريقًا آخر؟ يدرك العالِم فضيلة وضرورة الاستقلال الفكري ورغم ذلك يقصد باب الوزير. يمدح القناعة لكن عينه تبقى معلقة بمائدة الوزير وكيس عطائه. لهذا يبدو التوحيدي قريباً جدّاً من إنسان القرن الواحد والعشرين الذي تغمره المعلومات من كل جهة، من دون أن تمنحه قدرة مماثلة على تغيير سلوكه. نعرف ما تفعله منصات التواصل بانتباهنا ثم نستسلم لها معظم وقتنا، ندرك أثر الاستهلاك ونواصل الشراء، ندافع عن استقلال الرأي فيما نخشى غضب الجماعة التي تمنحنا المكانة أو تحرمنا منها.
تكمن راهنية التوحيدي في هذه العقدة، فالإنسان قد يغيّر مؤسساته وأدواته ولغته، ومع هذا ثمة قوى في داخله تواصل عملها: الحاجة إلى الاعتراف، والخوف من العزلة، والتنافس على المكانة دوافع لم يستطع الزمن تهذيبها وما زال المثقف خاضعاً لها بعد مرور أكثر من ألف سنة على وفاة التوحيدي.
أحرق التوحيدي كتبه بعدما فقد ثقته بالأجيال التي سترثها، فمارس آخر سلطة بقيت له. الكاتب الذي عجز عن التحكم في شروط الاعتراف به في حياته حاول التحكّم في شروط قراءته بعد موته. ومع ذلك، كتب رسالة تشرح فعل الإحراق. حتى في ذروة يأسه، ترك التوحيدي أثراً لعل قارئاً يأتي بعده ويفهم سبب يأسه.
