
باتت الصين قوة عسكرية وازنة وأصبحت دول كثيرة تتهافت على صناعاتها العسكرية (اندبندنت عربية)
تبدو الفترة الأخيرة من عهد ما وتسي تونغ، المنطلق والمنصة اللتان ستقودان الصين إلى بدايات أكثر رحابة وانفتاحاً على العالم الخارجي، لا سيما أن النهايات امتلأت بالأخطاء الجسيمة التي لم تكن لتواكب الزمن.
أمام هذا المزج السحري بين القديم الكونفوشيوسي، والحديث الماركسي المعصرن بصبغته الصينية، تبدو هناك 4 زوايا وأسس قادت الصين إلى مكانتها الحالية حول العالم.
من بين علامات التعجب في النصف قرن الأخير، تأتي قصة صعود الصين الصاروخي، خارج أسوار الأغلال الجغرافية والثقافية الفكرية والاقتصادية، واقترابها الهوينا من مدارات القطبية العالمية، بل ومنافسة الولايات المتحدة الأميركية، المنفردة بمقدرات أوقاتنا الحاضرة.
كيف استطاعت الصين تحقيق انتصاراتها التي يتابعها البشر اليوم، من غير معارك حربية، أو غزوات برية؟
يبدو التساؤل وثيق ولصيق الصلة بتاريخ الصين، وكذا بالمراحل المختلفة التي مرت بها عبر 5 آلاف عام، هو عمر حضارتها، عطفاً على توجهاتها الأيديولوجية، التي يمكن النظر إليها من خلال زاويتي الفلسفة والمفكرين من جهة، والسياسيين المؤدلجين من جهة ثانية.
وإذا كان من الصعوبة بمكان، تقديم رؤية تحليلية لتاريخ الصين منذ البدايات، وهو الأمر الذي يحتاج مؤلفات قائمة بذاتها، فإنه على الأقل يمكن النظر إلى الصين في الخمسة عقود المنصرمة، ومحاولة إيجاد سر هذه الصحوة في منطقة “الملكوت المركزي”، وهو الترجمة الحرفية لكلمة “الصين”، الأمر الذي يؤمن به الصينيون إيماناً تاماً.
دعونا ننطلق في هذه القراءة من مفهومين رئيسيين في حياة الصين يجمعان بين القديم والحديث، أي من عند الكونفوشيوسية من جانب، والماركسية الماوية من جانب آخر، والنظر إلى نهضة الصين المعاصرة، وما إذا كانت خلطة سحرية عجيبة بين الطرحين المتقدمين، هي التي قادتها إلى مكانتها الدولية اليوم.
غير أنه لا بد من العودة ولو سريعاً إلى العمق التاريخي الصيني، ومحاولة فهم أبعاد قصة العزلة الصينية، وكيف خرجت منها منتصرة على النحو الذي نراه اليوم.
الصين وأزمنة العزلة التاريخية
لعل أسوأ قرار في تاريخ البشرية كان قرار الإمبراطور الصيني شواندو (المعروف أيضاً باسم تشو تشانجي)، في عام 1434. ففي ذلك العام، أصدر مرسوم هايجين الذي عزل الصين عن العالم، ونتيجة ذلك أصبحت الصين التي كانت آنذاك بلا شك الدولة الأكثر تقدماً في العالم، تدريجاً ما يسميه المؤرخون أحياناً “حضارة متوقفة”.
بعد بضعة قرون، وبحلول القرن الـ19، أدت سياسة العزلة الطويلة الأمد التي انتهجتها الصين، والتي اتسمت بالرضا عن الذات، إلى نشوء دولة متخلفة وضعيفة وراكدة. وسرعان ما أصبحت هدفاً مغرياً للدول الغربية المتقدمة عسكرياً، وساحة قتال للدول الإمبريالية والاستعمارية في تلك الفترة.
كانت عزلة الصين منطلقاً لتدهور أوضاع تلك الإمبراطورية الواسعة الشاسعة. فمع حلول ثلاثينيات القرن الـ19، كان البريطانيون يهربون الأفيون إلى الصين عبر مركزهم التجاري في كانتون، متحدين بذلك حظر الأمبراطور لتجارة الأفيون لما لها من آثار ضارة على الشعب الصيني.
استولت السلطات الصينية في نهاية المطاف على المركز التجاري البريطاني في كانتون، ودمرت مخازن الأفيون فيه. ووفر هذا الإجراء الصيني للبريطانيين ذريعة لخوض حرب سهلة. وفي عام 1842، أجبر البريطانيون الصين على فتح عدة موانئ أخرى للتجارة الخارجية والتنازل عن هونغ كونغ لبريطانيا.
أثارت هذه النتيجة إغراء أكبر للغرب، فبعد بضعة أعوام دخلت بريطانيا في حرب أخرى مع الصين، وانضمت إليها هذه المرة فرنسا، وفي عام 1858 فتحت مزيداً من الموانئ الصينية للتجارة الغربية. وسرعان ما بدت الإمبراطورية الصينية، التي كانت عاجزة عسكرياً وتقنياً بصورة واضحة، جاهزة للتقسيم بين قوى استعمارية عدة.
لكن الحقيقة أنه وعلى رغم هذا الضعف التكتوني، لم تفقد الصين رصيدها الحضاري والفكري الأهم، الموصول بأحد أهم روافد حياتها العقلية، الذي سيسمح لها لاحقاً بالتحليق عالياً… فماذا عن ذلك؟
الكونفوشيوسية وجذور الفكر الصيني
باختصار غير مخل، يمكن تعريف الكونفوشيوسية كفلسفة ومنظومة أخلاقية ودينية صينية أسسها الحكيم كونفوشيوس في القرن السادس قبل الميلاد. تركز على القيم الإنسانية وطاعة الوالدين واحترام الأجداد والعدالة الاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق الانسجام والسلام في المجتمع من خلال الفضيلة والتعليم بدلاً من القوة.
ولعله من أهم الأفكار الرئيسة في الكونفوشيوسية، فكرة السلوك القويم التي، بمعنى ما، ينبغي أن تنظم نفسها بنفسها انطلاقاً من جوهر الإنسان الأخلاقي.
الكونفوشيوسية إذاً هي نظام فكري يؤمن إيماناً راسخاً بالتنمية الذاتية والتعليم، وكثيراً ما يقال، على سبيل المجاز، إن الصينيين أكثر حرصاً من أي مكان آخر في العالم على التعليم.
وإذا كان يقال إن المجتمع الصيني يولي التعليم قيمة عظيمة، فإن ذلك يعود ولو بصورة جزئية إلى فكرة كونفوشيوس، وإحدى صفاته كونه “المعلم الأول في الصين”.
تختلف الكونفوشيوسية عن الأنظمة الأخلاقية الحديثة في أنها، على عكس تلك الأنظمة، تنص صراحة على أهمية التسلسل الهرمي، وأن المجتمعات يجب أن تتمتع بتسلسلات هرمية سليمة للحفاظ على استقرارها.
تهدف هذه الأفكار في مجملها إلى إنشاء نظام لما يترجم أحياناً إلى “لي” باللغة الصينية، أي السلوكيات الصحيحة.
ويلاحظ وجود خيط قوي يربط الفكر الكونفوشيوسي عبر القرون، مفاده بأن إحدى طرق تشجيع السلوك الأخلاقي، الذي ينبع من الداخل – من القلب والعقل، كما يقال أحياناً، “شين” وهي التأكد من التصرف بطريقة صحيحة في الخارج، ويشمل ذلك الطقوس والعادات والتصرف بطريقة سليمة.
ماذا عن الجناح الآخر الذي لعب دوراً مهماً في حياة الصين في النصف الثاني من القرن الـ20؟
الصين وطريق صعود الماوية
يمكن القطع بأن المفهوم الفكري الثاني، الذي ترك انطباعاً كبيراً في مسيرة الصين الحديثة، هو مفهوم “الماوية”، والذي يعود للزعيم والمفكر السياسي الصيني والمخطط الاستراتيجي الشهير ماو تسي تونغ (1893-1976).
عرف الصينيون ماو كشيوعي ثوري، ومؤسس لجمهورية الصين الشعبية البازغة في الأفق الدولي، لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم إعادة تقسيم العالم ما بين الكتلتين الشرقية والغربية، أو حلف “وارسو”.
حكم ماو الصين من خلال قيادته لـ”الحزب الشيوعي” الصيني منذ تأسيسه في عام 1949، وحتى وفاته.
يُعرف أيضاً باسم الرئيس ماو. اشتهر ماو بأيديولوجيته الماركسية اللينينية واستراتيجياته العسكرية الخاصة ونظرياته وسياساته، إذ شكلت كل هذه الأفكار مجتمعة ما بات يعرف بـ”الماوية”.
طور ماو الفكر الاشتراكي اللينيني سعياً منه لتحقيق ثورة اشتراكية في المجتمع الصيني الزراعي، ما قبل الصناعي، لجمهورية الصين، ولاحقاً جمهورية الصين الشعبية. هل من فارق بين الماوية والماركسية اللينينية؟
من دون التعمق بالتفاصيل الأيديولوجية والسياسية، يمكن القول إن أحد الفروق يتمثل في كون جبهة موحدة من القوى التقدمية في المجتمع الطبقي تقود الطليعة الثورية في المجتمعات ما قبل الصناعية، بدلاً من الثوريين الشيوعيين وحدهم.
تمثل هذه النظرية، كما تقول موسوعات المعلومات المختلفة لا سيما البريطانية، التي تعطي الأولوية للممارسة الثورية كما تعطي الأولوية للعقيدة الأيديولوجية، الماركسية اللينينية الحضرية المُكّيفة مع الصين ما قبل الصناعية.
والمعروف أنه منذ خمسينيات القرن الـ20 وحتى إصلاحات وانفتاح دينغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن ذاته، كانت الماوية هي الأيديولوجيا السياسية والعسكرية للحزب الشيوعي الصيني والحركات الثورية الماوية في جميع أنحاء العالم.
لم تكن الماوية خالية من العيوب، لا سيما أنها أدخلت الصين في مرحلة لا يزال الصينيون يختلفون من حولها، ونعني بها زمن الثورة الثقافية، الذي اعتبر بمثابة عودة إلى زمن العزلة الصينية مرة جديدة، مع سقوط الضحايا بأعداد هائلة.
لم تكن صياغة مصطلح “الماوية” من أعمال الصينيين، بل أطلقه للعالم عالم السياسة والمؤرخ الأميركي بنيامين أي شوارتز في عام 1951، كوصف لاستراتيجية ماو تسي تونغ البراغماتية للثورة التي تبنت عناصر من الماركسية اللينينية، لا سيما “الحزب الشيوعي” الصيني المنضبط والهرمي على قاعدة جماهيرية فلاحية معبأة.
ومن دون استفاضة في التعريفات المفاهيمية، ربما يتحتم علينا التساؤل: “هل صحوة الصين الآنية هي نتاج لعودة الكونفوشيوسية، أم لصعود الماوية، وربما هو خليط من الأمرين معاً؟”.
الماوية والعودة المقنعة للعزلة
تبدو الفترة الأخيرة من عهد ما وتسي تونغ، المنطلق والمنصة اللتان ستقودان الصين إلى بدايات أكثر رحابة وانفتاحاً على العالم الخارجي، لا سيما أن النهايات امتلأت بالأخطاء الجسيمة التي لم تكن لتواكب الزمن.
شهد عهد ماو تسي تحريم الملكية الخاصة، وعومل رواد الأعمال وأصحاب العقارات كمجرمين، وهيمنت أنظمة التخطيط المركزي على النمط السوفياتي على الحياة الاقتصادية.
وبعبارة أخرى كانت الدولة هي التي تتحكم في السوق بل تحتكره.
كانت الخطة الثانية للصين، التي أطلقت برنامج “القفزة الكبرى” لماو (1958-1962)، تهدف إلى جعل الصين قوة صناعية عظمى. إلا أنها دمرت الزراعة وأدت إلى مجاعات جماعية، حيث جرى إنشاء الكومونات الشعبية وتحويل الموارد قسراً من الزراعة إلى الصناعات الثقيلة.
وفي عام 1966، أطلق ماو “الثورة الثقافية” وهي فترة من عمليات التطهير الجماعي، استمرت حتى وفاته في عام 1976.
خلال الثورة الثقافية، شن الحرس الأحمر هجمات عشوائية على كل من يُنظر إليه على أنه مؤيد للرأسمالية، ونُفي المثقفون إلى الريف مع كل من قد يُشكل تهديداً لاحتكار “الحزب الشيوعي” الصيني للسلطة. واعتُبر أي خروج عن مبادئ الحزب جريمة فكرية قد تؤدي إلى السجن أو ما هو أسوأ. ووشى الأطفال بآبائهم إلى شرطة الفكر، وتلقى الناس تعليمات “بالضرب بقوة ضد أدنى بادرة للملكية الخاصة”، والعهدة هنا على الصحافي البريطاني الشهير جاسبر بيكر في مؤلفه الشيق “الصينيون”.
هل كان لهذه الماوية أن تستمر طويلاً، في الوقت الذي كانت فيه الرأسمالية الغربية بأجنحتها الثلاثة، الأميركية والأوروبية الغربية، عطفاً على اليابانية، تحلق عالياً، وتحقق مستويات عالية من كفاءة الحياة ومن رفاهية ورغد العيش. علماً أن في ذلك الوقت جرى الانقسام الصيني – السوفياتي، حيث ادعى كل من الحزب الشيوعي الصيني والحزب الشيوعي السوفياتي، أحقية كل منهما في خلافة جوزيف ستالين، في ما يتعلق بالتفسير الصحيح للماركسية اللينينية، والزعامة الأيديولوجية للشيوعية العالمية.
ثورة دينغ وبداية تحولات الصين
بعبارة موجزة، يمكننا القول إن بداية نهضة الصين الحقيقية بدأت بعد رحيل ماو تسي تونغ في سبتمبر (أيلول) 1976. وقد مهد رحيله الطريق أمام صعود دينغ شياو بينغ كزعيم أعلى للصين في ديسمبر (كانون الأول) 1978 .
بدأ دينغ وحلفاؤه حينها في تمهيد الطريق نحو نظام اقتصادي أكثر توجهاً نحو السوق وأصبح التركيز الأساسي للحزب الشيوعي الصيني على التنمية الاقتصادية بدلاً من الصراع الطبقي.
لم تكن هناك خطة محددة للتحرير الاقتصادي. وكما يشير الكاتب الفرنسي سيريل جيرين لاين، في كتابه “إعادة تشكيل المؤسسات الاقتصادية للاشتراكية: الصين وأوروبا الشرقية”، “إن أبرز ما يميز الإصلاحات الصينية هو أنها انطلقت من دون خطة إصلاحية مفصلة”… وقد نتجت عن ذلك عملية إصلاح مفتوحة فريدة من نوعها بين الاقتصادات المخططة مركزياً.
كانت بدايات انتشال الصين من عالم التنظير الأيديولوجي لماو، إلى واقع الأسواق الجديدة حول العالم، متمثلة في اتخاذ دينغ شياو بينغ، نهجاً عملياً في الإصلاح. فإذا كان بإمكان الأسواق المفتوحة أن تُحسن حياة الشعب الصيني، فمن المنطقي تجربة هذا الخيار، حتى في دولة اشتراكية.
كانت نظرية شياو بينغ تدور حول المفهوم الشعبوي الصيني القديم: “لا يهم لون القطة، طالما أنها تصطاد الفئران”.
لم يكن من الممكن إلغاء التخطيط المركزي بين عشية وضحاها. لم تكن هناك ثورة صاخبة، بل تحول هادئ تدريجي من التخطيط إلى السوق.
في هذا الإطار، مهدت التجربة والابتكار الطريق للتنمية الريفية، مع ظهور نظام المسؤولية الأسرية وإنشاء مؤسسات البلدات والقرى، التي شكلت في ثمانينيات القرن الماضي عنصراً مهماً في القطاع الخاص الناشئ. كذلك مهد إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة في المناطق الساحلية ونمو القطاع غير الحكومي، الطريق أمام الصين لتصبح لاعباً رئيساً في التجارة العالمية.
من هنا يمكن القطع بعودة روح المبادرة لدى الشعب الصيني، التي كانت مكبوتة في عهد ما.
كان الدافع وراء التوجه نحو السوق نابعاً من أولئك الذين تضرروا بشدة من سياسات ماو الكارثية، وتحديداً سكان الأسر الريفية الذين أجبروا على العيش في الكومونات وعادوا من المجاعة الكبرى. بدأ بعض المزارعين بالتعاقد مع السلطات المحلية للحصول على حقوق استئجار الأراضي من الكومونات وبيع منتجاتهم في الأسواق الخاصة بمجرد استيفاء الحصص الرسمية. ومع تزايد شعبية نظام التعاقد غير الرسمي، جرت الموافقة عليه رسمياً في نهاية المطاف. في عام 1982، أقر دينغ شياو بينغ هذا الترتيب المؤسسي الجديد، وأطلق عليه “نظام مسؤولية الإنتاج المنزلي”، كما تشير إلى ذلك الكاتبة والباحثة الصينية كيت شياو تش في كتابها “كيف غير المزارعون الصين: قوة الشعب”.
المفاضلة بين الاشتراكية والرأسمالية
هل كان الطرح الخاص بالمفاضلة بين الرأسمالية والاشتراكية هو بداية الطريق لتحرر الصين من أوهام الماوية بنوع خاص؟
المؤكد أن دينغ كان هو رجل التحولات الجذرية وإليه يعزى القول والفعل معاً.
خلال زيارته مدينة شنتشن في جنوب البلاد عام 1992، قال: “ينبغي أن نكون أكثر جرأة من ذي قبل في إجراء الإصلاحات والانفتاح على العالم الخارجي، وأن نتحلى بالشجاعة للتجربة”.
كانت الرسالة الرئيسة التي وجهها دينغ خلال جولته هي أنه: “لا يهم إن صنفت السياسات اشتراكية أو رأسمالية طالما أنها تعزز التنمية”، وذلك وفقاً لما ذكره الاقتصادي الأميركي باري نوتون في كتابه “الاقتصاد الصيني: التحولات والنمو”.
بالطبع لم يكن دينغ ورفاقه يهدفون قط إلى إنشاء ما سماه عالم الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان، خلال زيارته للصين عام 1980، “الأسواق الخمس الحرة”.
كان هدف الحزب الشيوعي الصيني هو إنشاء نظام اشتراكي سوقي، وليس ليبرالية سوقية.
تكررت رسالة دينغ بعد ذلك كثيراً وتركزت حول الهدف العام من تعميق الإصلاح، وهو تحسين وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتعزيز تحديث نظام الحكم الوطني وقدراته.
كانت صيحة دينغ هي أنه “يجب علينا أن نعمل بنشاط وبطريقة منظمة على تعزيز الإصلاح الموجه نحو السوق على نطاق واسع وعميق، مما يقلل بصورة كبيرة من دور الحكومة في التخصيص المباشر للموارد وتعزيز تخصيص الموارد وفقاً لقواعد وأسعار السوق والمنافسة في السوق ذاته.
والثابت أنه بينما كانت الصين تنمي تجارتها الداخلية، بدأت أيضاً بالانفتاح على العالم الخارجي. في ظل التخطيط المركزي احتكرت الدولة حقوق التجارة، ولم تُمنح هذه الحقوق إلا لعدد قليل من الشركات المملوكة للدولة، ونتيجة ذلك، كانت الصين معزولة عن الاقتصاد الدولي.
إلا أنه بدءاً من عام 1980، أنشئت مناطق اقتصادية خاصة في المناطق الساحلية، وحظيت بمعاملة تفضيلية.
في أغسطس (آب) من العام ذاته، توسعت تلك المناطق في شنتشن وتشوهاي وشانتو وشيامين. وخلال الفترة من عام 1985 إلى عام 1990، ارتفع إجمالي قيمة الإنتاج الصناعي في هذه المناطق الأربع من 5.5 مليار يوان صيني إلى 49.5 مليار يوان صيني.
كانت عجلة السوق قد دارت، وكانت الصين لاحقاً على موعد مع رئيس آخر، يفضل ما يعرف بـ”الطريق المزدوج” لتعزيز نهضتها وخروجها من خلف الأسوار.
شي جينبينغ و”الطريق المزدوج”
هل امتلكت الصين في عهد الرئيس شي جينبينغ، سلاحاً سحرياً، مكنها من الاقتراب من القطبية العالمية ومنافسة الولايات المتحدة الأميركية؟
ربما نجد الجواب طي الكلمة التي ألقاها شي جينبينغ خلال أعمال ندوة “وراثة وتنمية الثقافة” التي نظمها الحزب الشيوعي الصيني في منتصف مارس (آذار) من عام 2024.
في تلك الكلمة قال: “يعتبر خلق وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على أساس الحضارة الصينية العميقة الممتدة لأكثر من 5 آلاف عام، ودمج المبادئ الأساسية للماركسية مع الواقع الملموس الصيني والثقافة التقليدية الصينية الممتازة، طريقاً لا مفر منه”.
هنا يبدو واضحاً أن شي جينبينغ، كان يركز على تلك الخلطة السرية من التاريخ الصيني القديم، الذي كانت فيه الكونفوشيوسية في القلب، مع نسج رؤية عصرانية للفكر الاشتراكي، وغالب الظن من غير إغراق في النظرية الشيوعية الماركسية اللينينية، وكذلك بعيداً من انعزالية ماو تسي تونغ.
فرضية الدمج هي الاتفاق المتبادل، بحسب شي جينبينغ، الذي يقطع بأن “الماركسية والثقافة التقليدية الصينية الممتازة لهما أصول مختلفة، لكنهما متسقان إلى حد كبير مع بعضهما البعض”.
ويضيف “تتحلى الثقافة التقليدية الصينية الممتازة بعمق الينبوع وطول المجرى واتساع المعرفة. وتمثل بلورة حكمة الحضارة الصينية التي تنطوي على مفاهيم مثل “العالم ملك للجميع” و”الشعب أساس الدولة” و”حوكمة البلاد بالفضيلة” و”الإصلاح والتجديد”.
هل النظرة الصينية للعالم تفتح الطريق لها لتجاوز ما كان مغلقاً في وجه الشعب الصيني في أوقات سابقة؟
لا شك أن ذلك صحيح، وهو ما يفيد بأن الدمج كما يراه شي جينبينغ، وضع أساساً متيناً للطريق، فقد جرى تطوير طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بتوجيه من الماركسية وتراث الحضارة الصينية الكونفوشيوسية وتطورها لأكثر من 5 آلاف عام، وربما هذا ما ييسر لها مشروعها الأحدث حول العالم، ذلك المتعلق بـ”الحزام والطريق”، الذي يراه الصينيون قمة الانفتاح على بقية بقاع وأصقاع العالم من جانب، بينما ينظر إليه البعض الآخر، لا سيما في الدوائر اليمينية الغربية، على أنه نوع من الزحف الأصفر البطيء، ينذر بعودة الأمبراطورية الصينية من جديد، ومن غير جدران أو أسوار ، ومن دون أغلال تمنع تواصلها مع العالم الخارجي.
ولعل الذي يتابع كتابات الرئيس شي جينبينغ، يجد أنه دوماً يكرر استخدام تعبير “صينية وعصرنة الماركسية”، مما يعني أنه لا يتخلى عن ثوب الحكمة الكونفوشيوسية القديمة من جهة، لكنه في الوقت ذاته يسعى للحداثة والعصرانية.
التحديثات الأربعة ومفاتيح اللغز
يحتاج الحديث عن التحولات المثيرة في المشهد الصيني، وكما أسلفنا مراراً، إلى مؤلفات قائمة بعينها، وليس مجرد قراءة عابرة.
غير أنه وأمام هذا المزج السحري بين القديم الكونفوشيوسي، والحديث الماركسي المعصرن بصبغته الصينية، تبدو هناك زوايا وأسس أربعة قادت الصين إلى مكانتها الحالية حول العالم:
أولاً الزراعة، إذ عملت الصين على تجنب تلك المأساة التي عرفتها خلال أزمة المجاعة 1959-1961، مع وعد بأن ما جرى لن يتكرر مرة أخرى.
ثانياً الصناعة، وهنا يمكننا قياس نجاحات الصين التي باتت تعرف بأنها مصنع العالم، فريادتها تمزج بين السلع الاعتيادية رخيصة الثمن، والتي راجت في العالم برمته، محققة لها فائضاً دولارياً غير مسبوق، والصناعات الثقيلة المنتشرة حول العالم، معززة من نفوذها السياسي.
ثالثاً الدفاع الوطني، اليوم باتت الصين قوة عسكرية وازنة، بل إن كثيراً من دول العالم أصبحت تتهافت على صناعاتها العسكرية، التي ترتفع جودتها يوماً تلو الآخر لدرجة أن البعض بات يفضلها على الصناعات العسكرية الأميركية.
رابعاً التعليم والثقافة، ربما تعد هذه زاوية مهمة للغاية في طريق الصين الناهضة والقادمة من وراء الضباب بنوع خاص وتحتاج إلى قراءة متأنية.
باختصار، أولى الإصلاحيون أولوية قصوى لتدريب الكفاءات التقنية والعلمية والأكاديمية وفق معايير عالمية.
شمل ذلك إعادة بناء نظم تعليم عالي انتقائي ونخبوي للغاية، يعتمد القبول فيه على امتحانات أكاديمية تنافسية. كذلك جرى استحداث برامج الدراسات العليا، وأرسل آلاف الصينيين إلى الخارج لمتابعة دراساتهم العليا.
في الوقت ذاته، جرت الاستعانة بأعداد كبيرة من العلماء الأجانب للمساهمة في تطوير النظام التعليمي. ومن المفارقات أن القيمة التي أولاها الإصلاحيون لجني المال كان لها أثر غير مقصود، إذ شجعت عديد من الشخصيات اللامعة على التخلي عن المسارات الفكرية لمصلحة مشاريع أكثر ربحية. واتسع نطاق العروض الثقافية المتاحة بصورة كبيرة، وجرى اختبار حدود جديدة باستمرار.
من هنا يمكن فهم كيف انطلقت الصين، فيما السؤال الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن هو: “هل سيكتب لهذه الصحوة المضي قدماً لتسنم قمة العالم؟
هناك شكوك حول الأوضاع الاقتصادية للصين في قادم الأيام، وفي الوقت عينه تبدو إشكالية التراجع الديموغرافي مؤرقة للكثير من المفكرين في البلاد.
عطفاً على ذلك، لا تزال هناك علامات حيرة حول مستقبل الحرية، في دولة كبرى لا تزال تتعاطى مع بعض الأقليات (الإيغور المسلمين والصينيين الكاثوليك) بنظرة ستالينية قولاً وفعلاً.
فإلى أين تمضي الصين؟ سؤال يحتاج إلى إعادة قراءة وربما إعادة نظر.