-
المصدر …الجمهورية.نت
-
-
-
يبدأ موسم قطاف الزيتون مع أول أمطار الخريف، وهو مصدر عيشٍ أساسيٌّ لكثير من الفلاحين والعمال، ومونة العام لأسرٍ تملك بضع أشجار. وهذا العام، تتوقّع وزارة الزراعة موسماً وفيراً بعد عام من الجفاف. لكنّ الوفرة لا تُترجَم تلقائياً إلى زيت أرخص أو مونة أكبر. فبين مَن يبيع محصوله ومَن يحتفظ به، تتَّجه العائلات إلى المعاصر بينما تقضم تكاليف القطاف والنقل والعصر والوقود جزءاً متزايداً من الموسم وتنعكس على سعر الزيت في الأسواق.
تُقدّر وزارة الزراعة المساحة المزروعة بالزيتون بنحو 677 ألفَ هكتار، تضمُّ 101.5 مليون شجرة، منها 90.7 مليون شجرة مثمرة. وتتوقّع أن يُنتج الموسم الحالي نحو 955 ألفَ طنٍّ من الزيتون، يُعصر 80 بالمئة منه لإنتاج قرابة 191 ألفَ طنٍّ من الزيت، أي نحو ثلاثة أضعاف إنتاج الموسم الماضي البالغ 66 ألف طن. ويعود جزءٌ من هذه الزيادة إلى سوء موسم 2025، الذي تراجع إنتاجه بأكثر من 45 بالمئة بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن ظاهرة «المعاومة» التي يتناوبُ فيها إنتاج الأشجار بين عام وفير وآخر شحيح. ويُسمّى الموسم الشحيح موسمَ «معاومة»، لكن الكلمة تشير أصلاً إلى ظاهرة تناوب المواسم نفسها.
وفرة المحصول لا تُلغي كلفة الإنتاج
تتصدّر حلب المساحات المزروعة بنحو 190 ألفَ هكتارٍ، تليها إدلب بـ 118 ألفَ هكتارٍ، ثم حمص بـ 96 ألفَ هكتار، وطرطوس بـ 75 ألفَ هكتارٍ، وحماة بـ 71 ألفَ هكتارٍ، فاللاذقية بـ 48 ألفَ هكتارٍ. وتُعدّ منطقة عفرين في محافظة حلب من أبرز مناطق زراعة الزيتون وإنتاج زيته، إذ سجَّل إنتاجُها هذا الموسم زيادةً بنسبة 14 بالمئة، وفق تصريح المتحدث الإعلامي لمديرية المنطقة زانا خليل للجمهورية نت.
وعلى الرغم من تحسّن الهطولات المطرية خلال الموسم الحالي، فإنّ أثر الطقس في الإنتاج لا يظهر دائماً في العام نفسه، إذ تتأثَّر الأشجار بظروف نموّ الأغصان وحمل الموسم السابق. ففي صحنايا بريف دمشق تبلغ المساحة المزروعة بالزيتون نحو 957 دونماً، تضمُّ 6206 أشجار، وقد تراجع الإنتاج فيها بفعل الجفاف ويَباس جزءٍ واسعٍ من الأشجار، وفق ما يؤكده رئيس البلدية كامل متري في حديثه للجمهورية نت. ويُشير متري إلى أنّ قلّة الأمطار وتراجع منسوب مياه نهر الأعوج الواصلة إلى البساتين، نتيجة الجفاف والتعديات على مجراه، تُعدّ من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، إلى جانب ارتفاع أجور الأيدي العاملة وتكاليف النقل والعصر.
وتُعمَّم هذه الأجور على مختلف المناطق وتتباين حسب الظروف. ففي الرقة، تبرز كلفة الري بصورة أوضح، إذ يعتمد بعض أصحاب البساتين على محركات تعمل بالوقود، ما يجعلُ أيَّ زيادة في سعر الديزل عبئاً إضافياً على الإنتاج.
يمتلك أبو أُبَي، في ريف الرقة، نحو ألفي شجرة زيتون. ويقول إن تكاليف الإنتاج تضاعفت هذا الموسم مع ارتفاع أسعار الوقود، بسبب اعتماده على محركات الري. ويُقدّر كلفة إنتاج كيلوغرام الزيتون بنحو 40 سنتاً من الدولار، تشمل الأسمدة والمبيدات والديزل، فيما يحصل العمال على ما بين 12 و13 ليرة سورية جديدة (أقل من دولار) مقابل قطاف كيلوغرام من الزيتون. ويتراوح إنتاج الشجرة الواحدة، وفق تقديره، بين 25 و50 كيلوغراماً، تبعاً للظروف الزراعية.
وتضيف طبيعة الأرض عاملاً آخر إلى هذه الحسابات، ففي الأراضي المروية بالرقة، يتأخر نُضجُ بعض الثمار، ما يدفع المزارعين إلى التريّث قبل القطاف خشية انخفاض كمية الزيت المستخرجة. ويقول أحمد العلي، صاحب معصرة في الرقة، إن توقيت الجني يؤثّر في المردود، بينما تزيد نفقات الديزل والكهرباء من تكاليف تشغيل المعاصر. ويُقدّر أجرةَ عصر الطنِّ بنحو 50 دولاراً، مشيراً إلى عدم وجود تسعيرة واضحة وثابتة في جميع الحالات. ويقول جمشيد دقوري، صاحبُ المعصرة الوحيدة في الحسكة، للجمهورية.نت: إن أجرة عصر الطنِّ بلغت نحو 65 دولاراً أميركياً في الموسم الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ما بين 70 و75 دولاراً أميركياً هذا الموسم، بسبب تكاليف الوقود ومدى توافره. وتبلغ الكمية الدنيا التي تستقبلها المعصرة للعجنة الواحدة 500 كيلوغرام، فيما تصل طاقتها إلى ثلاثة أطنان في الساعة.
وتدفعُ الكميات الصغيرة بعض أصحاب الأشجار إلى جمع محاصيلهم مع جيرانهم في حمولة واحدة، ثم توزيع الزيت الناتج بحسب كمية الزيتون التي قدّمها كلُّ منهم. ويشير دقوري إلى أن توقيت القطاف يؤثر في كمية الزيت المستخرجة، مقدّراً أن كيلوغراماً واحداً من الزيت قد يحتاج إلى نحو 12 كيلوغراماً من الزيتون في بداية تشرين الثاني (نوفمبر)، مقابل نحو خمسة كيلوغرامات إذا تأخر القطاف إلى مطلع كانون الثاني (يناير). وتظل هذه النسب تقديرات مرتبطة بالصنف ودرجة النضج وظروف المحصول، ولا يمكن تعميمها على جميع المناطق.
من البستان إلى المعصرة: حسابات المردود
تتأثّر كمية الزيت المستخرجة بعوامل متعدِّدة، منها الصنف ودرجة نُضج الثمار ونسبة الرطوبة وطريقة العصر. وتتباين نسب الزيت بين الأصناف، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة إلى أنها تتراوح بين 30 و32 بالمئة في صنف الزيتي الحلبي، وبين 25 و30 بالمئة في الصوراني، فيما تبلغ نحو 22 إلى 26 بالمئة في الخضيري. غير أن هذه النسب تبقى تقديرية، ولا تعني بالضرورة أن المعصرة ستستَخرج الكمية نفسها في كل مرة، إذ تتدخل عوامل إضافية مثل موعد القطاف وظروف المحصول وتقنيات العصر.
وتظهر الفروق بين المردود المتوقع والكمية الفعلية المستخرجة بوضوح في إدلب، وتختلف تقديرات المزارعين عن أصحاب المعاصر. يُقدر مزارعون حصيلة عصر كل 3.3 كيلوغرامات من الزيتون بكيلوغرام من الزيت، بينما تذكر معاصر نسباً أقل تصل إلى كيلوغرام مقابل سبعة إلى عشرة كيلوغرامات. ويُعزز هذا الاختلاف الكبير بين التقديرات الفردية للمزارعين ونسب المعاصر مخاوف المزارعين من الوقوع ضحية الاحتيال، لا سيما عبر التلاعب بنسب الزيت المتبقية في التفل (البيرين) أو إعادة عصره سراً، ولذلك طالب أصحاب المحاصيل بتوضيح طريقة احتساب المردود وما يبقى من الزيت في مخلّفات العصر.
ويقول المزارع محمد سليمان إن اختلاف قيمة المردود قد ينتج بسبب عصر التفل وزيادة الماء الساخن واحتساب التراب والأوراق مع الوزن. ويمكن إثبات هذا التلاعب عند حدوثه بأخذ عينة من التفل وتحليلها، فإذا تجاوزت نسبة الزيت المتبقي فيه 4 بالمئة فهذا دليل مادي على استغلال المعصرة للمزارعين. وقد تحدث إعادةُ عصر الزيتون مرة ثانية دون علم المزارع، وهو ما يؤدي إلى زيادة نسبة الزيت المستخرج، وإن بجودة أقل، دون أن يحصل المزارع على حصته منه.
وفي 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، صدر قرار لمحافظة إدلب برقم 672 يُحدِّد أجور العصر وفق طريقة التعامل مع البيرين (التفل)، سواء احتفظت به المعصرة أم أعادته إلى المزارع، مع تحديد خيارات للدفع النقدي أو العيني. وبحسب القرار، تبلغ الأجرة النقدية ست ليرات سورية جديدة لكل كيلوغرام من الزيتون إذا احتفظ المزارع بالبيرين، مقابل ليرتين إذا احتفظت به المعصرة. أما الدفع العيني، فيبلغ خمسة بالمئة من الزيت الناتج في الحالة الأولى، وثلاثة بالمئة في الثانية.
وتكتسب هذه التفاصيل أهميةً للمزارعين، لأن البيرين قد يحتفظ بجزء من الزيت، كما يمكن تجفيفه واستخدامه وقوداً. لذلك لا تتعلق المسألة بأجرة العصر وحدها، وإنما أيضاً بما يحصل عليه صاحب المحصول في النهاية، وما إذا كانت طريقة الحساب واضحةً للطرفين. وتشمل إجراءات الرقابة المعلنة على المعاصر في إدلب التحقّقَ من النظافة وسلامة المعدات وظروف التخزين، إلى جانب أخذ عينات للفحص. غير أن فاعلية الرقابة تتطلب تطبيق التعرفة المُعلَنة، وإتاحة الاعتراض على الحسابات عند وجود خلاف، والتحقّق من جودة الزيت عند الاشتباه بالغش.
مَن يعمل في القطاف، ومَن يحتفظ بالزيت؟
تُشارك النساء في مراحل متعددة من سلسلة إنتاج الزيتون، من العناية بالأرض والقطاف والفرز إلى إعداد الزيتون المكبوس وحفظ الأغذية وصناعة الصابون التقليدي من مشتقات الزيتون، وفي بعض المناطق، تُقلّل مساعدة الأقارب والجيران الحاجةَ إلى توظيف عمال مؤقتين، بينما تختار أسرٌ أخرى أن تتقاضى جزءاً من أجرها زيتاً بدلاً من المال. وتقول زينب المحسن من إدلب: «نخرج كل عام مع جميع أفراد العائلة لقطف موسم الزيتون، ومع نهاية الموسم نتقاسم مع أولادنا الزيت. لا يكفي مونة العام، لكن الجميع يعمل ويأكل الزيت من الموسم».
وفي قرية بارودة في ريف الرقة الغربي، يملك حمود حسن نحو 100 شجرةٍ، ويتوقّع أن يبدأ القطاف في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، ويُقدّر محصوله بين سبع وتسع تنكات من الزيت. ويعتمد على الأقارب والجيران في جمع المحصول، في علاقة متبادلة يصفها بقوله: «نساعد العالم والعالم تساعدنا». ويبيع الزيت لمعارفهِ وأقاربه بدلاً من التعامل مع التجار.
وفي إدلب، تتَّخذ العلاقة بين العمل والمونة شكلاً آخر. تقول ضحى الحميدي، من أريحا، وهي صاحبةُ مشروعٍ لحفظ الأغذية، إن كثيراً من العائلات صارت تحتفظ بتنكة واحدة من الزيت وتبيع ما تبقى لتسديد ديون القطاف والإيجار، بعدما كانت بعض الأسر تدّخر ثلاث تنكات سنوياً.
أمّا عائشة الحجي، فهي تعمل في القطاف في إدلب، وتتَّفق مع صاحب الموسم على الحصول على الزيت بدلاً من الأجر النقدي، لتضمن وجود مونةٍ في منزلها. وتقول: «أعمل كل عام بقطف الزيتون مقابل الزيت لا المال، وكلما كان الموسم وفيراً كان عملي أكثر ومونتي أفضل».
وتحتاج الحجي إلى نحو 16 يوم عمل، أي 142 ساعة، لتحصل على تنكة زيت واحدة. ويعني هذا الاتفاق أن أيام العمل تتحوَّل إلى جزء من مخزون الأسرة الغذائي، لكنه يجعل كمية المونة مرتبطةً بحجم المحصول وعدد أيام العمل المتاحة.
ويقول سالم الجمعة، من جبل الزاوية، إنه يعمل نحو تسع ساعات يومياً مقابل أجر يبلغ نحو 900 ليرة سورية جديدة (نحو 6.25 دولار أميركي) مع استراحة قصيرة، ويتكفّل بإحضار طعامه من المنزل. ويشير إلى أن الأجور تختلف بين المناطق، ويُخطِّط لشراء طنٍّ من الحطب بنحو 250 دولاراً للتدفئة من أجرِ القطاف، لكن هذه الأجور لا تضمن له تغطية جميع احتياجاته.
الزيت في السوق
بعد القطاف والعصر، تنتقل كلفة الموسم إلى المستهلك عبر السعر الذي يدفعه مقابل الزيت، والذي يتباين بحسب الصنف والجودة والحموضة ومصدر الإنتاج والتخزين، إضافةً إلى نفقات النقل والتعبئة. ففي إدلب تراوحَ سعر تنكة الزيت (16 كيلوغراماً) في الموسم الماضي بين 75 و100 دولار.
وفي المحافظات التي لا تُغطّي احتياجاتها من الإنتاج المحلي، يُباع الزيت في عبوات بسعة لتر واحد بنحو ستة دولارات، بينما يبدأ سعر التنكة من 100 دولار تبعاً للجودة والمصدر، سواء كان الزيت عفرينياً أو إدلبياً أو ساحلياً.
ويُعدّ زيت الزيتون من أكثر المواد عرضةً للغشِّ، وتعلن مديريات التجارة الداخلية بشكل متواتر عن ضبط حالات تتعلق بتغيير اللون أو الخلط أو التلاعب بالحموضة. ولذلك تُفضِّل العائلات القريبة من مناطق الزراعة شراء الزيت الذي تشهد بنفسها عملية عصره، في ظلِّ تفاوت الجودة ومحدودية الرقابة على المعاصر والأسواق. وفي المحصلة، ورغم وفرة الموسم هذا العام، ستزداد التكاليف بما لا يقل عن 20 بالمئة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات.
-