محرر بموقع السفينة
ماذا يمكن للكلمات أن تقول عن رزان زيتونة ورفاقها، حين تعجز اللغة عن بلوغ مقام الذين اختاروا الإنسان قضية، والحرية طريقاً، والعدالة وطناً؟ ماذا يمكن أن نقول عن أناسٍ لم يبحثوا عن مجدٍ شخصي، بقدر ما بحثوا عن وطنٍ يتسع للجميع، وعن حياةٍ لا يكون فيها الخوف قدراً؟
كانت رزان محامية، لكن المحاماة عندها لم تكن مهنة فحسب؛ كانت موقفاً إلى جانب الإنسان، وانحيازاً إلى الحق، ووقوفاً في وجه الظلم حين كان الصمت أكثر أماناً. كانت تحمل في كلماتها وجع الناس، وفي عملها إصراراً على أن تبقى الحقيقة حية، حتى حين تحاصرها العتمة.
ومعها كان وائل حمادة، وسميرة خليل، وناظم حمادي؛ رفاقاً جمعهم إيمان عميق بأن الوطن لا يُبنى بالخوف، وأن الحرية ليست ترفاً، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، ولا تتغير قيمتها بتغيّر الجهات والرايات.
ثم جاء الغياب.
في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2013، اختفت أصواتهم الأربعة من بين الناس، وبقيت الأسئلة معلقة في فضاء سوريا: أين رزان؟ أين وائل؟ أين سميرة؟ أين ناظم؟ أسئلة مرّ عليها الزمن، لكنها لم تجد طريقها إلى النسيان.
غير أن الغياب لا يملك دائماً القدرة على محو الأثر. فثمة أناس حين يغيبون، يتركون وراءهم حضوراً لا يغيب؛ فكرةً تستمر، وذاكرةً تقاوم، وصوتاً يبقى قادراً على مساءلة الزمن.
تركت رزان ورفاقها خلفهم إيماناً بسيطاً وعميقاً في آن: أن الإنسان يستحق الحرية، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا كانت انتقائية، وأن الوطن الذي نطمح إليه هو وطن لا يُسأل فيه الإنسان أولاً عن طائفته أو قوميته، بل يُنظر إليه بوصفه إنساناً له كرامة وحق وحياة.
ولعل أجمل ما في سيرتهم أنهم لم يبحثوا عن بطولة، بل عن وطن. وطنٍ يستطيع فيه الطفل أن يحلم من دون خوف، وتستطيع فيه المرأة أن تتكلم من دون خوف، ويستطيع فيه الإنسان أن يعيش من دون أن يختبئ خلف اسمه أو هويته.
لهذا، حين نكتب عن رزان ورفاقها، فإننا لا نكتب عن غائبين فقط، بل نكتب عن سؤال سوريا نفسها: أي وطن نريد؟ وأي حياة نريد لأبنائنا؟ وأي مكان نريد للحرية والعدالة في مستقبلنا؟
وربما لهذا سيبقى اسم رزان زيتونة ورفاقها حاضراً في الذاكرة السورية؛ ليس لأنهم غابوا، بل لأن الحلم الذي حملوه لم يغب.
بعض الناس يغادرون أعيننا، لكنهم لا يغادرون وجدان الوطن؛ وبعض الغائبين يتركون من الضوء ما يكفي لكي يظل الطريق مرئياً.