يعود الفرنسي مارسيل بروست (1871-1922) إلى دائرة الضوء ككاتب رسائل عاشق للتفاصيل ومراقب مهووس بكل ما يمس مصير كلمته المطبوعة، مع صدور كتابين جديدين يضمان الرسائل التي تبادلها مع ناشريه، برنار غراسيه وغاستون غاليمار، وكتاب ثالث ضم 100 رسالة غير منشورة خطها بين الأعوام 1888 و1922 تستكمل مجموعة “الرسائل المستعادة” التي نشرها فيليب كولب عام 1966.
تكشف الرسائل المكتشفة عن وجه آخر للروائي مارسيل بروست الذي صنع من الزمن مادة أدبية ومن الذكريات كوناً متكاملاً. ولعلها تظهره بهشاشته الجسدية وحساسيته وانكفائه التأملي ووعيه الحاد بالزمن، مما يمكن المهتمين بأدبه من فهم توتره الخلاق بين العزلة والعالم، بين المرض والكتابة، بين الحياة الاجتماعية والانسحاب منها، وفهم إمكانات الأدب ذاته، وقدرته على إنارة ما هو خفي في التجربة الإنسانية.
أنجز الكتابان الأولان وحرر مضمونهما المؤرخ الفرنسي باسكال فوشيه، وهما على التوالي: “المراسلات بين بروست وغراسيه” وتتصدره دراسة بعنوان “بروست عند غراسيه، مغامرة نشر”، الصادر في باريس عن دار غراسيه (2025- 538 صفحة)، و” بروست وغاليمار، الرسائل المكتشفة 1912-1922″، الصادر أيضاً في باريس عن دار غاليمار (2025- 238 صفحة)، أما الكتاب الثالث الموسوم “مئة رسالة غير منشورة، مراسلات مستعادة (1886-1922)” فقد صدر عن دار “أونوريه شامبيون” (2026-259 صفحة) تحت إشراف جولي أندريه وصوفي دوفال وغيوم فو.
لا تنحصر أهمية هذه الكتب بكشفها عن رسائل بروست الشخصية بقدر ما تعيد تركيب مشهد مهم في تاريخ الأدب الحديث، التقى فيه الإبداع بالرهانات التجارية وتحول الحوار بين الكاتب وناشره إلى مختبر صيغت فيه رواية “البحث عن الزمن المفقود” التي تتألف من سبعة أجزاء ونشرت بين الأعوام 1913 و1927 والتي غيرت قواعد الكتابة الأدبية التي اعتاد عليها قراء القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20.
عين الريبة
تعلمنا هذه الرسائل أن بروست حين قرر في مارس (آذار) عام 1913 نشر الجزء الأول من روايته الشهيرة، كان المشهد الأدبي الفرنسي ينظر إليه بعين الريبة، فقد رفض أندريه جيد نشرها لدى غاليمار من دون أن يقرأها فعلياً، ليقبلها بعد ذلك برنار غراسيه من غير أن يطلع عليها فعلياً. من هنا بدأت سلسلة الرسائل المتبادلة بين الرجلين وعددها 246 تبين العلاقة المعقدة بين كاتب يرى في كل فاصلة في نصه جزءاً من رؤياه الجمالية، وناشر لرواية يسعى إلى ضبط الإيقاع المالي والطباعة والمواعيد المرتبطة بصدورها.
تكشف هذه “المراسلات” إذاً عن مرحلة ما قبل نشر “البحث عن الزمن المفقود”، التي تتحول فيها مسودات الطبع إلى صفحات مليئة بالملاحظات والإضافات. من خلالها نكتشف أن بروست لم يكتف بتصحيح الأخطاء المطبعية، بل كان يضيف على مراجعاته لبروفات الطباعة فصولاً كاملة، معيداً صياغة مقاطع بأكملها، مما اضطره مراراً إلى دفع أموال إضافية كثمن لهذه البروفات، لكن ذلك لم يكن نزقاً فنياً، بقدر ما كان تعبيراً عن طبيعة الرواية نفسها التي خطها كنهر لا يتوقف عن الاتساع.
تظهر هذه الرسائل أيضاً أن فعل الكتابة عند بروست لم ينته لحظة اكتمال النص، بل بدأ فعلياً في المطبعة، ففي إحدى رسائله الموجهة إلى برنار غراسيه، يكتشف القارئ أن بروست كان يتدخل في كل تفاصيل طباعة روايته، كشكل الغلاف وحجم الخط والتجليد والإعلانات التسويقية، لأنه رأى في كل تفصيل انعكاساً لجمالية سرده، ولطريقته الخاصة في أن يكون “مقروءاً كما يجب”.
ولئن كانت مراسلات بروست مع غراسيه ترسم صورة الكاتب المتطلب والمتوتر، فإن الرسائل المتبادلة مع غاستون غاليمار، تكشف عن وجه آخر لعلاقة تأرجحت بين رفض أولي واحتضان أبدي، فغاستون غاليمار الذي رفض بداية بتأثير من أندريه جيد نشر “البحث عن الزمن المفقود”، اكتشف النجاح غير المتوقع للجزء الأول المعنون “جانب منزل سوان”، فسعى إلى استقطاب بروست إلى دار نشره، لذا بدأت المراسلات بين الرجلين تظهر حواراً دقيقاً بين الناشر الشاب والكاتب الذي أصبح رمزاً للحداثة الأدبية والذي وصفه غراهام غرين بأنه “أعظم روائيي القرن الـ20”.
زمن الحرب
الطبعة الجديدة للرسائل المتبادلة بين الرجلين أضافت أكثر من 100 رسالة إلى المراسلات التي نشرت عام 1989. معظمها يكشف عن تفاصيل غير معروفة في تاريخ نشر الرواية الضخمة، كالمفاوضات حول العقود، وصعوبات الطباعة في زمن الحرب، والمناقشات حول الجوائز، وأحياناً الاعتذارات الطويلة التي يكتبها بروست لغيابه أو لتأخره في الرد، فضلاً عن إظهارها الإعجاب والصداقة والاحترام المتبادل بين الرجلين، فقد كان غاستون غاليمار يرى في بروست “كاتباً من طينة أخرى”، وكان بروست يعتبره “حارس الزمن الذي لا يضيع”.
ما يثير الدهشة في هذه المراسلات هو التناقض بين ما يقوله بروست عن الرسائل وما يكشفه فيها، فهو، وإن كتب ذات مرة “أكره المراسلات” لأنها “شيء ممل”، جعل من الرسالة امتداداً للحياة ومساحة للتأمل ومختبراً للأسلوب. في إحدى رسائله يعترف أن الرسالة هي الشكل الوحيد للتواصل في عزلة المرض والغرفة المغلقة، ففي هذه الرسائل التي تحولت إلى مرآة للذات الكاتبة، يكتشف القارئ جذور الروايات البروستية.
تجمع هذه الرسائل بين الانفعال والصرامة، بين النبرة الودية والتفكير النقدي، ففي رسالة وجهها إلى برنار غراسيه، ناقش بروست جماليات الطباعة، وفي أخرى أرسلها إلى غاليمار تفكر في مسألة العلاقة بين النص والحياة. ولعل هذه الرسائل التي تتبدى كمسودة متحركة لأفكاره، ستتبلور لاحقاً في الرواية، كمفهوم الزمن الضائع والزمن المستعاد ومفهوم الذاكرة اللاإرادية التي تولد صدفة من طعم أو رائحة أو رسالة.
تسمح هذه الرسائل إذاً بفهم أعمق لطبيعة الزمن في تجربة بروست، هكذا وصف بروست في رسالة خطها عام1911 كيف استعاد ذكرى لقاء قديم بمجرد كتابة جملة بسيطة، تماماً كما استعاد من دون إرادته، من رائحة الشاي وطعم حلوى “المادلين”، ذكريات طفولته في كومبراي. على هذا النحو تتحول هذه الرسائل إلى صورة أخرى من صور البحث عن الزمن الضائع، منذ تتبعها مسار شخصية سوان، الزوج الغيور العاشق لزوجته الأنيقة أوديت، ومسار الراوي، مارسيل، الذي يقع في حب جيلبيرت، ابنة سوان وأوديت، وانتهاء هذا الحب بخيبة، لكن إقاماته في النورماندي بصحبة جدته، وتحديداً في مدينة بالبيك، جعلته يتجاوز تلك الخيبة، ليتعرف إلى فتيات أخريات، أبرزهن ألبرتين التي ستغدو الخيط الناظم لكل أجزاء الرواية.
أما في المراسلات مع غاليمار، الذي أصبح ناشر بروست بعد اضطرار غراسيه لإغلاق دار نشره بسبب الحرب، فيكتشف القارئ كيف تشكلت رواية “البحث عن الزمن المفقود” ككائن حي، يتطور من خلال النقاشات والخلافات. هكذا نقرأ في إحدى الرسائل عن تأفف بروست من آلامه الجسدية، لكنه في الرسالة عينها يعترف أنه ما دام قادراً على الكتابة، فإن المرض لن يهزمه، وكأن الرسالة ههنا وسيلة تواصل وفعل مقاومة ضد النسيان والألم والموت.
لا يمكن إذاً النظر إلى هذه الرسائل الصادرة حديثاً على أنها وثائق ثانوية أو ملحقات بالأعمال المنشورة، هي في الحقيقة جزء من مشروع بروست الأدبي نفسه، فقد كتب الروائي في إحدى رسائله أنه “لا يفرق بين الكتابة الأدبية والمحادثة الصادقة”، لأن كليهما يسعى إلى قول الحقيقة في أعمق صورها، فالرسالة عند بروست ليست مجرد تواصل بين شخصين، هي صورة من صور الفكر ونوع من “رواية في حال الولادة”.
وثيقة جديدة
وإذا كانت المراسلات التي تبادلها بروست مع ناشريه تكشف عن الجانب المؤسسي والعملي من ولادة العمل الأدبي، فإن صدور كتاب “مئة رسالة غير منشورة، مراسلات مستعادة (1886-1922)” يفتح نافذة أخرى على عالمه الرسائلي، فالكتاب يضم 100 وثيقة جديدة من أوراق بروست، كانت محفوظة لديه ثم دخلت أخيراً إلى مجموعات المكتبة الوطنية الفرنسية، لتستكمل مجموعة “الرسائل المستعادة” التي نشرها فيليب كولب عام 1966. ولا تقتصر هذه الوثائق على رسائل مكتملة، فمن بينها مسودات ومراسلات لم ترسل، وبطاقات قصيرة موجهة إلى أفراد الأسرة والمحيطين به، تكشف عن يوميات الكاتب ومشكلاته المالية، وهشاشته الصحية، وانشغالاته العاطفية والأدبية. وتضم رسائل واردة من شخصيات قريبة منه، من لوسيان دوديه إلى ألفريد فاليت، وصولاً إلى سيلست ألباريه، بما يتيح للقارئ أن يسمع أصواتاً نادرة من العالم الذي أحاط ببروست.
وتكتسب هذه المجموعة أهميتها من كونها لا تضيف إلى رصيد بروست الرسائلي مجرد وثائق جديدة، وإنما تؤكد مرة أخرى أن الحدود بين الحياة والكتابة عنده كانت شديدة السيولة، ففي هذه الأوراق العابرة، التي قد تكون في ظاهرها طلباً يتعلق بالمنزل أو شكوى من الأرق أو حديثاً عن المرض أو المال، تظهر الخيوط نفسها التي ستغذي عالم “البحث عن الزمن المفقود”: الذاكرة، والانتظار، والمرض، والرغبة، والعلاقات الإنسانية، والمراقبة الدقيقة للعالم الاجتماعي. وهكذا تأتي هذه الرسائل الجديدة لتكمل الصورة التي ترسمها مراسلاته مع غراسيه وغاليمار: ففي الأولى نرى الكاتب وهو يصارع من أجل أن يصل نصه إلى القارئ بالشكل الذي يريده، وفي الثانية نراه في حياته اليومية، أكثر عفوية وهشاشة، وهو يحول حتى التفاصيل العابرة إلى مادة للكتابة.
لذا، إن نشر هذه المراسلات لا يعني إكمال الصورة التاريخية عن الروائي، إنها نافذة جديدة على مختبره الإبداعي، نطل منها على كيفية اختياره الجمل وإعادة ترتيبه الفصول وتأمله في تلقي القراء أدبه، معيداً بذلك تعريف معنى أن يكون الكاتب مسؤولاً عن مصير كتاباته أدبياً وطباعياً.
يؤكد باسكال فوشيه أن هذه الرسائل هي “وثائق تأسيسية لفهم الحداثة الأدبية”، تظهر التفاعل بين الإبداع الفردي والبنية المؤسساتية للنشر في فرنسا في بدايات القرن الـ20، لأن النشر لم يكن آنذاك مجرد طباعة، بل عملية تفاوض بين الكاتب والفكر والسوق. وبروست، الذي عاش هذه التجربة حتى حدها الأقصى، كان من أوائل الكتاب الذين أدركوا أن استقلال الكاتب يبدأ من وعيه بحدود الناشر، وأن الكتابة ليست فقط عملاً فنياً، بل هي أيضاً علاقة قوة.
إن قراءة هذه الرسائل المتبادلة بين بروست وغراسيه وغاليمار تظهر لنا وجهين مختلفين لعلاقة الكاتب بالناشر، فغراسيه هو المغامر الذي قبل بنشر كاتب مجهول، على رغم شكوك النقاد وخسائر النشر، فيما غاليمار هو الذي حول هذا النص المجهول إلى رواية فرنسية خالدة، على رغم قلق بروست وخوفه من سوء الفهم وبحثه المحموم عن الكمال وهاجسه المستمر بأن تقرأ جمله كما تخيلها، هو الذي كتب “أكره أن تغير كلمة واحدة في ما أكتب، فكل كلمة عندي هي نبض من دمي”. هذا التعلق بالكلمة يفسر كثرة المراسلات وشدتها، التي حولت كل تعديل مطبعي إلى قضية مصيرية، وقد تحمل الناشران حساسية بروست، لأنهما أدركا أنه ليس روائياً عادياً، بل كاتباً يكتب ليخلق الزمن من جديد.
إن المراسلات المتبادلة بين بروست وناشريه تعطينا إذاً صورة مختلفة عن هذا الروائي الذي ظن كثر أنه كاتب منعزل يعيش في غرفة مغلقة. فيها نكتشف إنساناً يقيم في قلب معركة مع الحياة والنشر والاعتراف بموهبته الأدبية، لعلها تشهد على ذكائه العملي وعلى قدرته على إدارة تفاصيل العمل الأدبي بدقة تكاد تكون هندسية، ولو كانت في بعض الأحيان مرآة لضعفه الإنساني وعلاقته بالمرض والرغبة في أن يفهم.
ليس صدورها مجرد حدث أدبي، بل عودة إلى الزمن الذي ولدت فيه الرواية الحديثة. على تتالي صفحاتها نسمع أصواتاً كانت غائبة: صوت الكاتب الذي يصحح، وصوت الناشر الذي يفاوض، وصوت الزمن الذي يتشكل على الورق، كلها تعلمنا أن الكتابة ليست فعلاً فردياً، بل حواراً دائماً بين الذات والعالم، بين ما يكتب وما ينشر، بين ما يراد قوله وما يسمح بقوله.
في هذا الفضاء الرمادي بين الرسالة والرواية، بين الحياة والورق، كتب بروست بعضاً من أجمل نصوصه وأصدقها.
