“الحمد لله أنّنا دائماً على حقّ”، عبارة قرأتها قبل عدّة سنوات على صورة أحد شهداء “الحزب” معلّقة فوق أحد مباني الضاحية الجنوبيّة، وبقيت عالقة في ذهني، ليس لأنّها تختصر بالضرورة ما يفكّر فيه “الحزب”، بل لأنّها تختصر المعضلة الأصعب التي تواجه أيّ حركة عقائديّة حين تقرّر مراجعة تجربتها: كيف يمكن أن تراجع نفسك إذا كان احتمال أن تكون مخطئاً غير موجود أصلاً؟
في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العامّ السابق لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، يقول رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمّد رعد إنّ “الحزب” أجرى “مراجعة عميقة” للمسار الذي اعتمده منذ الثامن من تشرين الأوّل 2023، وشخّص “بكلّ موضوعيّة” نقاط الصواب والخلل والقصور في أدائه وإمكاناته. إعلان مختلف لحزب عاش في السنوات الثلاث الماضية أخطر مرحلة منذ تأسيسه، وفقد أمينه العامّ وقيادات الصفّ الأوّل، وتعرّض لاختراق أمنيّ غير مسبوق، وتضرّرت قدراته العسكريّة، وتغيّرت من حوله سوريا وإيران والمنطقة، فيما دفعت بيئته البشريّة والعمرانيّة كلفة هائلة.
الأهمّ من إعلان المراجعة هو ما توصّلت إليه. فبحسب رعد، خرج “الحزب” منها “أكثر قناعة بصوابيّة” قرار إسناد غزّة، فيما انحصر الخطأ في “بعض الخلل الجزئيّ التكتيكيّ”. “وحدة الساحات” ما تزال صحيحة، وإعادة تعريف المقاومة “لا جدوى لها”، وأمّا الخطوط الحمر فلم تتغيّر بعد نصرالله، “بل ربّما زاد التشدّد في عدم الاقتراب منها”. دخل القرار، إذاً، إلى غرفة المراجعة صحيحاً وخرج منها أكثر صحّة.
دعاة أم قضاة؟
قبل أكثر من نصف قرن، أنتج الصراع الفكريّ داخل “الإخوان المسلمين”، بعد تجربة السجون الناصريّة وصعود النزعات التكفيريّة، واحداً من أشهر النصوص في تاريخ الحركات الإسلاميّة: “دعاة لا قضاة”، المنسوب إلى المرشد الثاني حسن الهضيبي. وقد أظهرت دراسات أحدث أنّ ظروف إنتاج الكتاب ونسبته أكثر تعقيداً من الرواية الشائعة عن نصّ كتبه الهضيبي منفرداً في مواجهة سيّد قطب، وأنّه نتاج مسار شاركت فيه قيادات وعلماء داخل السجون، ودخلت خلاله في صراعات فكريّة حقيقيّة أنتجت كمّاً هائلاً من الأدبيّات التي تشهد على حيويّة فكريّة لا ديماغوجيّة متحجّرة.
لكنّ ما يهمّ هنا ليس حسم الجدل حول المؤلّف، بل السؤال الذي طرحه العنوان: هل وظيفة الحركة أن تدعو إلى فكرتها أم أن تنصّب نفسها قاضياً على المجتمع وإيمانه وسلوكه؟ وفي حالة “الحزب” هل وظيفة الأخير هي في الدعوة إلى الدفاع عن لبنان في وجه المطامع الإسرائيليّة والعمل من خلال تجيير كلّ الموارد لرفد الدولة بالقدرات اللازمة لترجمة هذا الموقف إلى واقع أم مصادرة قرار الحرب من ملايين اللبنانيّين لأنّ حسابات المظلّة الإقليميّة للفرع المحلّيّ تتطلّب ذلك؟ وهل يعني تصويت الشيعة لـ”الحزب” في الانتخابات تفويضاً مطلقاً له بالتصرّف بمصائرهم كما يحلو له وللمحور الأوسع الذي ينتمي اليه؟
لا وجه للمقارنة العقائديّة أو السياسيّة بين تجربة الإخوان وتجربة “الحزب”، لكنّ سؤال المراجعة يصلح لاختبار الحركات العقائديّة على اختلافها: هل تدخل الحركة غرفة المراجعة لتضع نفسها أيضاً في قفص الاتّهام، أم تدخلها قاضياً يراجع أخطاء الآخرين ويصدر حكماً جديداً بصواب خياراته؟
في حديث رعد شيء من ذلك. فالذين خذلوا غزّة “ساقطون أخلاقيّاً”، والسلطة اللبنانيّة فرّطت بالسيادة، والتفاوض “خزي وإذعان”، ومن يسخر من وحدة الساحات ينطلق من “تصوّر صبيانيّ”. أمّا “الحزب” نفسه فارتكب “خللاً جزئيّاً تكتيكيّاً” في سياق قرار تاريخيّ مشرّف ثبت صوابه.
ليست المشكلة في حقّ رعد في إدانة خصوم “الحزب” أو الدفاع عن خياراته، بل في تعريف المراجعة نفسها. فالمرآة التي يفترض أن تكون موجّهة إلى الداخل سرعان ما تنعكس إلى الخارج.
حين تراجع الجماعة الفكرة لا التّنفيذ
تقدّم تجربة “الجماعة الإسلاميّة” المصريّة نموذجاً مختلفاً. فبعد أكثر من عشرين عاماً من العنف، لم تكتفِ قياداتها بالقول إنّ المعركة كانت صحيحة، وإنّ التنفيذ كان خطأً، بل أنتجت ما سمّته “سلسلة تصحيح المفاهيم”، حيث أدّى تحليل “الأكلاف والمنافع الجهاديّة” إلى إعادة النظر في معايير القيام بالجهاد. واعترفت الجماعة في تلك الوثائق بأنّها كانت تمارس الجهاد “كغاية وليس كوسيلة”، وفشلت في “أن تأخذ في الاعتبار الحصيلة المدمّرة لهذا الخيار على المجتمع المصريّ”، كما أعادت صياغة علاقتها بالدولة والحاكم واعترفت بشرعيّة الدولة النهائيّة، بغضّ النظر عمّا إذا كانت تطبّق الإسلام الصحيح أم لا.
قد يحاجج البعض بأنّ سيف الجماعات الجهاديّة كان موجّهاً إلى ما تعتبره عدوّاً داخليّاً، أي النظام المصريّ، فيما يواجه “الحزب” عدوّاً خارجيّاً كإسرائيل لا يفهم إلّا لغة القوّة ويفرض معادلات مختلفة، وهذا صحيح في جزء منه. إلّا أنّ هذه الحجّة تسقط أيضاً في ميزان الأكلاف والمنافع أمام الحصيلة الباهظة في الأرواح والممتلكات التي تكبّدها الجنوبيّون. فقد أدّت الحسابات الخطأ والمنهج المعطوب إلى اقتلاعهم من جذورهم وحرمانهم من القدرة على العودة إلى قراهم، على الأقلّ في المدى المنظور، من دون أن يتحمّل “الحزب” الجزء المتعلّق به من المسؤوليّة، أو أن يتنازل من عليائه ليقدّم حتّى الآن رواية مقنعة يشرح فيها لبيئته لماذا كان عليها أن تقدّم كلّ هذه التضحيات وهل يمكن إعادة ما تهدّم في ظلّ الإصرار على صوابيّة الموقف الذي أدّى إلى الكارثة والاستمرار في النهج نفسه رغم موازين القوى الواضح داخليّاً وخارجيّاً؟
من مراجعة التّكتيك إلى نقد “القاعدة”
يميّز علم التعلّم التنظيميّ Organisational Learning بين مستويين: مراجعة تصحّح الخطأ مع إبقاء القاعدة التي أنتجته، Single Loop، وأخرى تعود إلى القاعدة نفسها وتسأل إن كانت خطأ، Double Loop. ويمكن العثور على النموذج الأوّل في بعض المراجعات الجزئيّة داخل تنظيم القاعدة: نقد الإفراط في العنف وسوء اختيار الأهداف وقتل المسلمين والإضرار بالحاضنة، من دون التخلّي عن أصل المشروع المسلّح.
حين ذهب سيّد إمام الشريف، الذي كان أميراً لـ”تنظيم الجهاد” قبل عام 1993، أبعد من ذلك في “وثيقة ترشيد العمل الجهاديّ في مصر والعالم”، وتمايز التيّار المحلّيّ عن التيّار العالميّ لـ”القاعدة” بتغليبه “المصلحة المحليّة للجماعة التي يعيش في كنفها” واعتبار الدعوة فعله الرئيسيّ، ردّ عليه أيمن الظواهري بكتاب “التبرئة”، فردّ الشريف بـ”مذكّرة التعرية لكتاب التبرئة”. كانت المراجعة مقبولة ما دامت تصلح الطريق، وحين اقتربت من السؤال عن الطريق نفسه أصبحت موضع صراع. وبغضّ النظر عن موضوع السجال، كانت حيويّة المصارعة الفكريّة واضحة للجمهور المتابع والعناصر والبيئة الحاضنة، وهو ما يبدو مفقوداً إلى حدّ كبير في حالة “الحزب”.
بهذا المعيار، تبدو مراجعة رعد حتّى الآن أقرب إلى المستوى الأوّل: أين وقع الاختراق؟ ما النقص في الإمكانات؟ كيف يعاد بناء الردع؟ لكنّها تتوقّف عندما يصبح السؤال: هل كان قرار الثامن من تشرين الأوّل (بعد شنّ عمليّة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل) نفسه خطأً؟ هل أثبتت وحدة الساحات جدواها للبنان؟ هل تحتاج وظيفة المقاومة بعد كلّ ما جرى إلى إعادة تعريف؟ وهل كان على المقاومة أن تثبّت إنجاز التحرير باتّفاق سياسيّ مع إسرائيل بعد العام 2000، وتستثمره في مكاسب سياسيّة في ذروة الالتفاف الشعبيّ حولها، ثمّ تتقدّم في مشروع بناء الدولة التي طالما رأت أنّها ضعيفة؟
من يراجع قرار “الحزب” وإيران؟
إذا كانت هذه الأسئلة قد طُرحت داخل “الحزب”، فلا نعرف من طرحها ولا كيف أُجيب عنها. وإذا لم تطرح، يصبح من الصعب معرفة أيّ فرضيّة استراتيجيّة كانت معرّضة فعلاً للسقوط خلال “المراجعة العميقة”. وما دام “الحزب” يرفع شعار “إنّا على العهد” وفاء لقائده التاريخيّ فمَن مِن قادة “الحزب” سيجرؤ على نقد تجربة وخيارات “السيّد (حسن نصرالله)” من دون المغامرة بخسارة ما بقي لهم من رصيد شعبيّ، فلا شرعيّة للقيادة الحاليّة سوى تلك المستمدّة من إرث نصرالله ولا يبدو أنّها في وارد السماح للاختلاف الفكريّ في أن يتحوّل إلى نقاش جدّيّ حول الخيارات نتيجة عوامل عدّة أبرزها آلة الضبط الإيرانيّة.
فمن يراجع إيران؟
تتجاوز العلاقة بين “الحزب” وإيران الصورة التبسيطيّة عن أوامر تصدر من طهران إلى الضاحية. وقد تمتّع “الحزب” في زمن مضى بهامش حريّة في الداخل وهامش نقاش في الخارج من دون بلوغ حقّ الفيتو، لكنّ طبيعة الحرب هذه تطرح سؤالاً مختلفاً: أيّ جزء من استراتيجية إيران يستطيع “الحزب” مراجعته منفرداً؟
يؤكّد رعد أنّ الهيئة القياديّة لـ”الحزب” تتّخذ القرارات الاستراتيجيّة، فيما كان رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ وكبير المفاوضين محمّد باقر قاليباف يعلن قبل أسابيع تواصله المباشر مع مقاتلي “الحزب” في عليّ الطاهر، بما يشي بمستوى من المتابعة يتجاوز طبقات القيادة ليصل مباشرة إلى الميدان. كما تحدّثت تقارير صحافيّة عن دور لضبّاط ومستشارين من الحرس الثوريّ في إعادة بناء هياكل “الحزب” وقدراته وفي القيادة الميدانيّة خلال معارك الجنوب عامَي 2024 و2026. وكان نائب قائد العمليّات في الحرس الثوريّ عبّاس نيلفروشان قد قُتل إلى جانب نصرالله في الضربة نفسها. ولا يتّسع المجال في هذا المقال لسرد كامل أدلّة الارتباط والتطابق التنظيميّ بين “الحزب” والحرس، لكن رغم ذلك لا تثبت هذه الوقائع الإدارة المجهريّة الإيرانيّة لـ”الحزب”، لكنّها تطرح أيضاً سؤالاً: أين تنتهي دائرة القرار اللبنانيّ؟ وما حدود القرار الإيرانيّ؟
إذا كانت وحدة الساحات وموقع “الحزب” في المحور وجزء من بنيته العسكريّة تقع في مساحة استراتيجيّة مشتركة مع طهران، فلا يمكن لمراجعة جذريّة أن تتجنّب، في لحظة ما، مراجعة هذه العلاقة أيضاً. وهذا تحديداً ما لم يجِب عنه رعد حين سُئل ماذا يحدث إذا تعارضت المصلحة اللبنانيّة مع الحسابات الإيرانيّة.
حين تصبح المرجعيّة خارج المراجعة
يبقى في حديث رعد سؤال لم نسمع إجابة عنه: ماذا عن الارتباط الدينيّ بولاية الفقيه نفسها؟ فإذا كانت المراجعة قد طالت الخيارات الاستراتيجيّة والعسكريّة، فهل طالت أيضاً الأساس الفقهيّ الذي يستند إليه ارتباط “الحزب” بالوليّ الفقيه في إيران؟ فالمرجعيّة في الفقه الإماميّ الاثني عشريّ لا تنتقل بالوراثة السياسيّة ولا بمجرّد خلافة فقيه لسلفه، بل تقوم على الاجتهاد والأعلميّة والاعتراف بمرجعيّة الفقيه.
فهل ولاية الفقيه، بصيغتها الإيرانيّة الراهنة، من المسلّمات التي تقع خارج نطاق المراجعة؟ وإذا كانت كذلك، فأين تنتهي مراجعة حزب لبنانيّ لقراره الاستراتيجيّ عندما تكون مرجعيّته الدينيّة والسياسيّة غير خاضعة أصلاً لمراجعته؟
أثبت “الحزب” طوال عقود قدرة عالية على التعلّم العسكريّ والتنظيميّ، لكنّ ثمّة فرقاً بين القدرة على التعلّم والقدرة على الشكّ. الأوّل يسأل: كيف نفعل الشيء نفسه بصورة أفضل؟ والثاني يسأل: هل ينبغي أن نفعله أصلاً؟
قد يكون “الحزب” أجرى بالفعل مراجعة عميقة لا نعرف تفاصيلها. لكنّ عمق المراجعة لا يقاس بعدد الملفّات التي فتحتها، بل بمدى استعدادها للوصول إلى الجواب الذي لا يريد أصحابها سماعه.
