
أطفال لاجئون في غزة ينتظرون أن يحصلوا على طعام.
ندرةٌ من الأشخاص في العالم مُدانُون بطالع مقضي في الحكم المبرم، ومحتوم بالمسؤولية الذهنية ذات الطابع الصارم، تتماثل فيها البشرية في الاعتقاد الحصري للتداعيات الكارثية وتحميلهم إياها، حتى تفوق قدرة العقل الإنساني على استيعاب مجرياتها أو تصديقها، لكنها تصبح مسلّمةً راسخة في الذهن البشري، كأن يشعل شاب ذو السنوات التسع عشرة مثل الصربي غافريلو برنسيب الحرب العالمية الأولى، وتُصْدر الأمم نظرتها الراسخة بتلبُّسِه التسبب في قتل الملايين من البشر، جراء اغتياله ولي عهد النمسا، وارث العرش الأرشيدوق فرنتس فرديناند في سراييفو عام ١٩١٤.
هي شرارة كونية أشعلت إحدى أكبر الحربين العالميتين، التي غيرت طبيعة الإنسان ونظرته في محاكاة الحرب “العادلة” والدوران حول فكرة “السلام المطلق”. لم يدر في خلد من كتب على جدران سجنه ذات يوم أن “ظلالنا ستظل تتجول في فيينا، وستسير في البلاط الملكي، وترعب السادة”، أن ظلال اسمه ستبقى عالقة في جدران الفكر العالمي انصياعا لعمليات الاستيلاء المعرفي والسيطرة الحاكمة في صناعة القيم وترتيب سلم الأخلاقيات التي تتعرض لها الأمم والشعوب، فضلا عن تسطيح الوعي البشري الذي يتمحور حول محاكاة الاستيلاب (الفكري) والاستيعاب النفسي للأفراد والجماعات وتجاوز حواجز الخوف من إدراك الحقائق، والتعرض لمكعبات معرفية جاهزة القوالب في التصميم والإعداد والتفاعل لإصدار أحكام ملتوية الدقة منحرفة الاتجاهات، ذات انجذاب حاد لقوة السطوة لا لقوة الحق وتبيان الحقيقة، وإلا فكيف لشاب خذلته قامتُه في تمددها نحو طول لم يتح له التطوع في المدرسة الحربية، وتخذله في مقتبل العمر ليغدو مُشعل فتيل حرب أردَتْ تحت التراب ملايين البشر في سابقة إنسانية لم تسجلها البشرية منذ أنْ دُوِنَت كتابةُ وجودها، عدا عن رسم خرائط دول جديدة ذات مسارات كونية، و التسبب بانهيار أربع إمبراطوريات حاكمة النفوذ على مدار الكرة الأرضية: النمسوية -المجرية، والألمانية، والروسية، والعثمانية؟