..صقر أبو فخر… ضفة ثالثةI
صدر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب مهم للباحث الليبي سالم الكبتي عنوانه “التنظيمات السياسية والعسكرية في ليبيا (1952-1969): محاولة في مراجعة تاريخها” (عمان – بيروت، 2026، 280 صفحة). وهذا الكتاب جديد في موضوعاته، ويكاد محتواه أن يكون مجهولًا لنا نحن سكان المشرق العربي. بل يمكنني القول إنه مفاجئ بمعلوماته التاريخية الدقيقة التي ملأت صفحات هذا الكتاب. ومع أن ليبيا حاضرة بقوة لدى النخبة السياسية في بلاد الشام منذ زمن الشهيد عمر المختار، مرورًا بالعهد الملكي وحكم السنوسيين، حتى التحول الانعطافي الذي قاده العقيد معمر القذافي ورفاقه الضباط في الأول من أيلول/ سبتمبر 1969، فإن ثمة كثيرًا من عدم الاطلاع لدينا، نحن المشارقة، على المجتمع الليبي بتكويناته السياسية والفكرية والثقافية. وما نعرفه عن ليبيا التاريخ والثقافة والمجتمع إنما هو شذرات متناثرة هنا وهناك في بطون الكتب مثل مذكرات عبد الرحمن بدوي وكتب نقولا زيادة وغيرها. غير أن الباحث سالم الكبتي شاء أن ينير لنا جوانب ظليلة من الحياة السياسية في ليبيا، ومنها قصة “الضباط الوحدويون الأحرار” الذين تمكنوا من الاستيلاء على السلطة في عام 1969، وغيّروا النظام السياسي من نظام ملكي إلى نظام جمهوري (أو جماهيري). لكن النظام الجديد أهال ركامًا من التراب والصمت على المنظمات السياسية الليبية القديمة، أكان ذلك بالمنع أم بالقمع أم بالتهميش. وكتاب الباحث سالم الكبتي يعيد الاعتبار إلى تلك المنظمات، ويزيح ستائر النسيان عن تاريخها وعن رجالها، وعن المصائر التي انتهى إليها هؤلاء.
II
ليبيا، في التاريخ القديم، هي أفريقيا. وأفريقيا إنما هي كل البلاد بعد مصر إلى الغرب وإلى الجنوب. والمعروف أن سبتيموس سفيروس الذي أصبح إمبراطورًا في روما هو من مدينة لبدة الليبية، وزوجته جوليا دومنا من حمص السورية، وابنه كركلا هو الذي اشتهر بقتل أخيه بعد موت أبيه للاستئثار بالإمبراطورية (عائلة كركلا في لبنان، ومنها الفنان عبد الحليم كركلا، لا تمت بأي صلة إلى عائلة كركلا القديمة، فاسمها الأصلي قرة غولي التركمانية، والاسم المستحدث كركلا إنما هو انتساب مصنوع إلى اسم قديم). وقد اشتهرت مدينة قورينا الليبية شهرة عظيمة في زمن الرومان، لكنها تحوّلت اليوم إلى آثار صامتة تشير إلى عظمتها الآفلة، وباتت تدعى شحات وتقع في الجبل الأخضر. ولا ننسى شيشنق الأول، مؤسس الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين، فهو من ليبيا، وتولى عرش مصر في سنة 945 ق. م.
أما في العصر الحديث فلم تعدم ليبيا مفكرين وكتابًا كبارًا عرفتهم عواصم المشرق العربي ومدائن المغرب العربي معًا، وكانت لهم مساهمات مهمة في الثقافة العربية المعاصرة أمثال الصادق النيهوم وعلي فهمي خشيم وإبراهيم الكوني ومحمد الفيتوري وخليفة التليسي وأحمد إبراهيم الفقيه ومحمد عبد المطلب الهوني، وحديثًا فوزية الشلابي وهشام مطر. ويبدو أن المبدعين الليبيين يبرزون خارج ليبيا أكثر من بروزهم في الداخل الليبي. ومن بين هؤلاء اشتهر المفكر اليساري كامل عياد في سورية، وهو من أصول ليبية (ومعه الفنان ياسين بقوش وهو ليبيّ الجذور أيضًا)، وكذلك فتحي الشقاقي الذي يتحدّر من أصول ليبية، والذي أسس مع مجموعة من رفاقه حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، واغتاله الموساد في مالطا في سنة 1995. ونكتشف في هذا الكتاب اسمًا مطمورًا هو رمضان الطيار، وهو ليبي شارك في معركة ميسلون في سورية سنة 1920 (ص 61).
| معمر القذافي ورفاقه الضباط بعد الاستيلاء على السلطة (Getty) |
ومثلما كانت ليبيا تصدّر مبدعيها إلى الخارج، كانت تستورد الأفكار السياسية من الخارج أيضًا، وظلت القبيلة هي الأقوى في الميدان العام، خصوصًا في ظل الفراغ السياسي الذي شهدته ليبيا في زمن الملك إدريس السنوسي (ص 40). ولما أُسست الجامعة الليبية في أواخر سنة 1955 تدفق عليها عشرات الأساتذة من مصر، وهؤلاء كان لهم شأن كبير في نشر الفكر الإسلامي الإخواني. ومن بين أولئك الأساتذة المصريون عز الدين إبراهيم ومحمود الشربيني ومحمد جلال سعدة الذين افتتحوا في ميدان البلدية في بنغازي دروسًا في التوعية والإرشاد، وكان من بين الحاضرين المداومين على تلك الدروس المستر فنلي مدير المباحث في المدينة، والمتزوج من يهودية مولودة في فلسطين (ص 33). وعلى هذا المنوال راح المجتمع الليبي يشهد، بالتدريج، ظهور مجموعات إسلامية متعدّدة الغايات والرؤى مثل حزب التحرير الإسلامي الذي نقل أفكاره إلى الشبان الليبيين الفلسطيني حسن سلطان عبد اللطيف. أما الوعي القومي العربي فقد تسرب إلى الليبيين من خلال الأساتذة العراقيين والسوريين وبعض المصريين، وكان أبرز ممثلي الفكرة القومية آنذاك حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ظهرت أنويته الأولى في ليبيا في منتصف خمسينيات القرن المنصرم. فكان بذلك أول التنظيمات السياسية القومية الحديثة. وساهم سعدون حمادي (من العراق) ومحمد أبو ميزر ويسار عسكري وإميل العوري (من فلسطين) في نشر فكر البعث في ليبيا (ص 69-71).
III
اللافت أن اليمني صالح حبشي هو الذي نقل فكر حزب البعث إلى الطلاب الليبيين الدارسين في القاهرة أمثال سالم السوسي وعامر الدغيس ومنصور الكيخيا وعبد الله شرف الدين النعمي وعامر البكوش وخليفة الغيزواني. ويسرد سالم الكبتي أسماء الأعضاء الأوائل في حزب البعث، ويقول إن معمر القذافي انضم إلى البعث في مدينة سبها لفترة قصيرة (ص 74). أما أبو بكر يونس فكان عضوًا عاملًا في الحزب، وتولى قيادة البعث عامر الدغيس ومحمد فرج حمي وعبد الله شرف الدين وفريد أشرف، ثم انضم إليهم المفكر المعروف علي فهمي خشيم. أما حركة القوميين العرب فقد انضم إليها في البدايات طلاب ليبيون في جامعة القاهرة أمثال عز الدين الغدامسي ونصر الدين البقار وعمر المنتصر وسعد مجبر وزهير المنتصر والطالبة رباب أدهم. وفيما بعد انضم إلى الحركة عبد المنعم الهوني وصالح الدروقي ومحمود شمام وجمعة الفرجاني وإبراهيم البشاري. واللافت أيضًا أن حزب الشعب الذي ظهر في سنة 1964 ظل سريًا وبلا فاعلية، ومن أعضائه عبد القادر غوقة وبشير المغيربي ومصطفى الشيباني. وهؤلاء الثلاثة شكلوا لاحقًا نواة “التنظيم الطليعي” الناصري. والعجيب أننا لم نعثر في هذا الكتاب على أي وجود تنظيمي، سري أو علني، للحزب الشيوعي الليبي. والواضح أن التاريخ السياسي الحديث في ليبيا متصل بالحركة السياسية في المشرق العربي اتصالًا وثيقًا، وبالمغرب العربي اتصالًا سياسيًا مباشرًا. وهو متصل بالمشرق من خلال الإخوان المسلمين والناصرية (في مصر)، وبسورية والعراق من خلال البعثيين، وبفلسطين من خلال حركة القوميين العرب وحزب التحرير الإسلامي. وقد بقيت هذه الصورة العامة على حالها إلى حد كبير حتى صدور قانون تجريم الحزبية في سنة 1972.
IV
بدأت الأحزاب السياسية الليبية رحلتها نحو الانحدار والاندثار بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967 لتحل في محلها المنظمات العسكرية السرية. مع أن المجموعات السرية العسكرية كانت قد بدأت تتشكل قبل تلك الهزيمة؛ فقد أسس فوزي الدغيلي أول مجموعة سرية من الضباط الليبيين الذين كانوا يتدربون في الكلية العسكرية في بغداد وتخرجوا في سنة 1957. وانفصل عن هذه المجموعة في سنة 1967 تشكيل الرواد العسكري الذي قاده المقدم مكي أبو زيد. ثم ظهر تنظيم ضباط مدرسة الزاوية بقيادة المقدم محمد يونس المسماري وأحمد ضياء المدفعي. ولم تلبث الحياة السياسية في ليبيا أن شهدت ظهور تنظيم الوطنيين الأحرار بقيادة عبد القادر العلام والشاعر محمد منصور المريمي. وهذا التنظيم مارس العنف الثوري كتفجير أنابيب المياه الممدودة من الجبل الأخضر إلى درنة وطبرق. غير أن تنظيم الملازمين الصغار (أو تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار) الذي أُسس في سنة 1964 هو الذي سينجح في الوصول إلى السلطة في الأول من أيلول/ سبتمبر 1969 بانقلاب عسكري قاده معمر القذافي ومصطفى الخروبي وعبد المنعم الهوني والخويلدي الحميدي وعبد الفتاح يونس وعبد السلام جلود. وقد قُيِّض لهذا الانقلاب أن يغير وجه ليبيا، وينقلها من الملكية إلى الجمهورية. وسيكون لليبيا، بعد هذا الانقلاب، شأن كبير في السياسات العربية شرقًا وغربًا. غير أن ليبيا التي عرفها العرب على صورة محددة طوال أكثر من أربعين عامًا، والتي عرضها الكاتب سالم الكبتي في هذا الكتاب الشائق، انقلبت مجددًا، واغتيل معمر القذافي، وابتلعت التحوّلات الجارية كل ما بُني في ليبيا من الإيجابيات والسلبيات، ولم تستقر أحوالها على أي نصاب أو معيار حتى الآن، بل غرقت في الفوضى وحمّى الصراعات القبلية والجهوية.