كتابة الفريق البياني… مجلة الفراتس
مرحباً بالجميع،
عَرَفَت العربُ النجومَ والأنواء والمواسم فيما عَرَفَت من الثقافة غير المكتوبة قبل الإسلام. وظلت هذه الثقافة تُتناقل بين الأجيال شفاهاً، بالحكم والأمثال والأشعار والأراجيز. ومن أشهر من عاشوا في جزيرة العرب في القرن الخامس عشر وبدايات السادس عشر راشد الخلاوي. وقد كتب عنه الأديب السعودي الراحل عبدالله بن خميس، سارداً قصة حياته وتاريخه وبعضاً من شعره وقصائده في الفلك وعلم النجوم. وقد أدركت بعض المسنّين في بلادنا من المزارعين والرعاة وأهل الماشية يؤرخون لمواسمهم بقصائد الخلاوي.
وهذا الأسبوع دخل في نجد موسم “الصْفِري”، وهو موسمٌ يتقلب فيه الجو ويبرد الطقس ليلاً وتكثر فيه الحمّى ونزلات البرد وارتفاع درجات حرارة الجسم خصوصاً الأطفال وكبار السنّ. وقد سُمّي الصفري قديماً لاصفرار الأجساد من الحمّى كما يقال. ومن أمثالهم في نجد: “أول البرد تِتَقّه، وتالي البرد تلقّه” أي اتّقِ أول البرد (موسم الصفري) لأنه جالبٌ للحمّى والأمراض، ويَحْسُن أن تتعرض للبرد وتتلقاه آخرَ موسم الشتاء وبدء موسم الربيع قبل انسلاخ أبريل لأنه أصحّ للجسم، كما تذكر الروايات الشعبية.
ومطولات الفراتس هذا الأسبوع تزامنت مع موسم الصفري، فقد كتب عمر عبدالغفار عن دور لجان الحقيقة في تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا. ويستعرض بألمٍ ما يحدث في السجون العربية وتحديداً سجون سوريا في عهد الأسد من تعذيبٍ وتنكيل. ومن ذلك “التعليم”، أي وضع علاماتٍ في جسد السجين. في السجن، حتى مهنة الطبيب تتغير، فلا يعود مساعداً للمريض متلمساً حاجاته وآلامه لتخفيفها، بل تصير مهمته إطالة عمر السجين لتلقي مزيدٍ من التعذيب. يحاجّ عبدالغفار أن دور لجان الحقيقة بعد سقوط النظام لا ينبغي أن يكتفي بكشف أسماء السجّانين، بل حتى الفرق الطبية التي كانت تفحص السجين وتوافق على بعض أنواع التعذيب وتزور التقارير. ويخلص إلى أن العدالة الانتقالية في سوريا تتطلب لجنةً مستقلةً عن الحكومة لها صلاحيات الوصول للسجون والمستشفيات والمقابر والسجلات وحماية الشهود والضحايا.
وفي مطولتنا الثانية كتب نبيل دريوش عن معبر سبتة الإسباني على الأراضي المغربية. إذ ظلت مدينتا سبتة ومليلية المغربيتان تحت الحكم الإسباني منذ نهاية حقبة الاستعمار منتصف القرن الماضي حتى اليوم. يستعرض الدرويش تاريخ المدينتين ومكانتهما اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً. المعبرُ على الخرائط خطٌّ فاصلٌ بين بلدين، لكن كل فريقٍ ينظر له بمعطياتٍ مختلفةٍ تتغير بتغير الأزمان والظروف. فالمغاربة يرون سبتة ومليلية محتلتين وستعودان يوماً لوحدة الأراضي المغربية، ويراهما الإسبان فرصةً لفرض هيمنةٍ أوروبيةٍ وموقعاً يتيح لهم الإشراف على المضيق وما يتبع ذلك من اقتصاد. وتخشى أوروبا منهما منفذاً يَلِج منه المهاجرون غير الشرعيين من إفريقيا. وخير مثالٍ ما حدث منتصف سنة 2026 حين جاز المعبرَ آلافُ المهاجرين بينهم أطفالٌ قصّر. حتى خلافات الأوروبيين فيما بينهم تجعل من المعبر ساحةً للمناكفات وتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات.
وكتبت مريم ياغي المطولة الثالثة عن آلام النساء ومعاناتهن التي أعيت الطب الحديث. تُبرز ياغي الحديث عن متلازمة الألم العضلي الليفي، وهي حالةٌ من الألم المزمن المنتشر في الجسم ترافقها درجاتٌ من الإرهاق واضطرابات النوم وضعف التركيز. بعض الدراسات والأبحاث تجعل الضغوط النفسية والاعتداءات الجسدية والصدمات العاطفية سبباً مباشراً لمتلازمة الألم العضلي. على أن ربط أعراض الألم المزمن بالأسباب النفسية وحسب ليس كافياً، إذ إنها مزيجٌ من الألم الجسدي والنفسي الذي لا ينبغي تسطيح أسبابه بعبارة: “خفّفي ضغط”. تكشف المطولة عن قضيةٍ عصيةٍ على فحص الأطباء وتشخيص الحكماء ومعاناةٍ تظل ترافق النساء زمناً وأعراضٍ لا يجدن لها تفسيراً.
أما مطولتنا الرابعة فجاءت عن أدب اليافعين وثورة الأدب العجائبي، كتبها لؤي وتد. ينطلق الكاتب من ظاهرة سلسلة “هاري بوتر” العالمية واكتساحها سوق النشر، مروراً ببعض الأعمال التي أعادت تشكيل علاقة الأدب بالمتلقّين. يرى الكاتب أن العالم العربي تأثر بهذا المسلك من طريقين، الترجمة وبدء تأليف الأدب العجائبي العربي. وعلى تأثر النسخ العربية بالثورة الغربية في هذا المجال، إلا أنها حافظت على بعض الرؤى العربية المحافظة خصوصاً ما يتصل بالجسد والإباحية. والسوق العربية مثلها مثل السوق الغربية طالبةٌ لمثل هذا النوع من الأدب، وإنْ بمقاييس تناسب الذوق العربي ومعاييره التي قد تختلف عن المتلقي الغربي.
وختمنا مطولاتنا بمطولة الزميل عماد موسى عن تجربة الاقتراب من الموت. يستعرض زميلنا قصص مُشارَفة الموت التي بدأت تثير انتباهه من حديثٍ عابرٍ في مقهىً ببيروت مع سيدةٍ رَوَت تجربتها عندما تعسرت ولادة طفلها فرأت نفسها وكأنها غادرت جسدها بعض الوقت واطلعت على عوالم خفيةٍ وكشفت بعض الحجب. بحسّه الصحفي المتسائل وخلفيته الأكاديمية في تخصص علم النفس أمسك عماد موسى بهذا الخيط وظل يبحث ويحاور ويقابل متخصصين ومجربين من الجنسين، وقرأ عن هذه التجربة “الاقتراب من الموت” كثيراً، ثم سرد لنا خلاصة التجربة في هذه المطولة التي أدعوكم لقراءة تفاصيلها. يمكن أن نخلص من هذه المطولة إلى ما كان المعتزلة يسمونه “منزلة بين المنزلتين”.
وبأبياتٍ لراشد الخلاوي أعود فأختم نشرتنا:
فسبحــان مــن نعمــاه جـم عميمه
وسبحان من بالمد يعطي الفضايل
والكـون مكفــول والأرزاق قــسمــة
والــرزق مبسـوط ومغنـى وعــايــل
ومــن كانت الدنيـا من الله حـظــه
مـغبـون لــو يعطــى مثلـها مثايـل
والمــال عـــده كالرديـف المــحـــول
والملــك مـن هـذا إلـى ذاك زايـــل
وتنتهي مطولاتنا المتزامنة مع موسم الصفري، راجياً لكم خريفاً لطيفاً خالياً من الحمّى وغيرها من الأدواء. فلا نريد أن نكون في منزلةٍ بين المنزلتين، حفظكم الله ومن تحبّون.