سبل تحقيق العدالة اللغوية في ظل التنوع الثقافي واللغوي في سوريا

باحث متخصص في تعليم اللغة العربية… المصدر جريدة الثورة السورية دمشق
ليست اللغة مجرد أصوات يعبر بها كل قوم عن حاجاتهم، بل هي وعاء للهوية، ومستودع للذاكرة الجماعية، وميدان حي تتقاطع فيه السياسة والتاريخ والاجتماع. واللغة العربية ذات حضارة عريقة وتاريخ ممتد لعشرات العصور، ويتحدث بها أكثر من350 مليون شخص، كما أنها لغة الدين لأكثر من ملياري مسلم على وجه المعمورة.
ولذلك فإنّ إلقاء نظرة معمّقة على واقع هذه اللغة في بقعة جغرافية استراتيجية مثل سوريا يظهر جملة التحديات التي تتعدى مسألة المحافظة على الضاد وتطويرها، إلى عمق مفهوم العدالة اللغوية سواء من حيث علاقة الفصحى بالعاميات أو مظاهر تعايشها مع لغات الأقليات القومية الأخرى في المجالين الرسمي والخاص.
يهدف هذا المقال إلى قراءة المشهد اللغوي السوري كنموذج فريد ومقارنته بنماذج عربية وغربية في إطار تحليل مسألة “التعدد اللغوي” ومحاولة صياغة سياسات لغوية عادلة وحكيمة في ضوء دمج المكونات يجمع بين الحفاظ على الأصالة والاعتراف بالتعدد.
قد تبدو سوريا في سياساتها أيام النظام البائد مثالاً على التوحيد اللغوي؛ حيث كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة المعتمدة في كل مفاصل الدولة والتعليم. لكنّ الواقع السوري لو أزلنا عنه الغطاء الرسمي، يعج بتنوع لغوي وثقافي ولهجي مميز، وتنوع اللهجات المحلية، ووجود لغات قوميات أخرى لا يعني ضعف اللغة العربية، بل يعكس طبيعة التركيب الجغرافي والتاريخي والاجتماعي للبلاد.
ففي سوريا توجد لهجات عربية محلية غنية ومتعددة (كالشامية والحلبيّة والحمصيّة والسّاحليّة والحورانيّة والجزرَاويّة والبدويّة والماردينية). وهذا التنوع ليس دليلاً على ضعف اللغة، بقدر ما يعكس التفاعلات الاجتماعية والتاريخية لكل منطقة، وهو يمثل نموذجاً نادراً من التعدد داخل اللغة الواحدة. كما تتميز سوريا بوجود لغات لأقليات قومية ومكونات طائفية وثقافية أصيلة (كالكردية، والتركمانية، والأرمنية، والسريانية، والآشورية، والشركسية). وقد بقيت هذه اللغات لعقود طويلة تمارس في المجالات الخاصة الضيقة دون أي غطاء رسمي.
إنّ التحولات التي شهدتها البلاد بعد الثورة السورية وسقوط النظام البائد، أدّت إلى بدء مرحلة من الوحدة الوطنية وصياغة تفاهمات سياسية جديدة، أثمرت وعياً كبيراً في التعاطي مع المسألة اللغوية ويمثل المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 محطة تاريخية حاسمة، وقد جعل المرسوم اللغة الكردية لغةً معترفاً بها. واليوم بات من الممكن تدريسها في المدارس ضمن المناهج الرسمية لوزارة التربية.
وهذه خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة اللغوية في سوريا، لقد كانت هذه النتيجة كإفراز طبيعي لمسار تفاوضي وتوافق على المستوى الوطني. ومن دون ذلك التوافق، يصبح التنازع حول الهوية اللغوية مصدراً للصراع. لأنّ الاعتراف بالآخر يعزز السلم الأهلي ويتيح للتنوع أن يكون عامل غنى لا عاملاً يثير التفريق.
وعند مقارنة الحالة السورية ببعض النماذج العربية أو الدولية، تظهر لنا مسارات متباينة في إدارة التعددية اللغوية، كالنموذج العراقي والمغربي، وذلك لتنوعهما اللغوي والثقافي، والتحديات المتعلقة بالاعتراف الرسمي بلغات القوميات والإثنيات المختلفة، فضلاً عن تصاعد نفوذ اللغات الأجنبية لا سيما في المغرب العربي. فقد شهد المغرب تحولاً ديمقراطياً عام 2011 جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، لكنه لا يزال يعاني من ضغط تيار “الفرنكوفونية” الذي يزاحم الفصحى في مفاصل الاقتصاد والتعليم.
ونجح العراق دستورياً (وفق دستور2014) في قوننة التعددية اللغوية فأصبحت الكردية لغة رسمية ثانية إلى جانب العربية وكذلك منح التركمانية والسريانية وضعاً رسمياً في مناطق كثافة ناطقيها، لكنّ الفجوة في العراق تظل قائمة بين طموح النص الدستوري وعراقيل التطبيق السياسي والأمني.
وبالنظر إلى بعض النماذج الأجنبية كالنموذج الفرنسي وهو يمثل نموذجاً صارماً، يقوم على الاعتراف بلغة رسمية واحدة وهي الفرنسية لضمان وحدة الجمهورية مثل (قانون توبون1994)، والذي لا يعترف بلغات الأقليات والمهاجرين (ومنها العربية)، وهو ما يراه كثير من النقاد نموذجاً عاجزاً عن استيعاب التنوع المعاصر.
أمّا النموذج السويسري الذي يتميز بمرونته، فيمثل النموذج المثالي في العدالة اللغوية؛ باعتماد أربع لغات وطنية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الرومانشية)، ويعتمد تطبيق مبدأ الحياد والتمثيل المتكافئ، وهذا ما جعل التعدد سبباً لاستقرار الدولة وليس مبرراً لضعفها.
ما يميز الوضع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص عن النماذج الغربية، هوما تحمله اللغة العربية من بعدٍ دينيّ وحضاريّ باعتبارها لغة القرآن الكريم والتراث الإسلامي، وهذ ما يجعل الحفاظ على مركزيتها وقوتها قضية مهمة، هذا بالتوازي مع إعطاء المكونات الأخرى حقوقها اللغويّة دون إجحاف. فالعدالة اللغوية لا تعني إلغاء الفصحى لصالح العاميات أو اللغات الأجنبية، ولا تعني إلغاء حقوق لغات الأقليات بذريعة الوحدة.
وللخروج من الوضع الحالي والوصول إلى حالة مستقرة يتطلب حزمة من الحلول العلمية والعملية منها: التوازن في المناهج السورية الجديدة، فبعد الاعتراف بلغات الأقليات كالكردية في المناهج، يجب وضع سياسات لغوية وتعليمية تضمن سهولة الانتقال الوظيفي، بحيث تظل العربية الفصحى هي اللغة الجامعة والموحدة للمشهد الوطني، مع إتاحة مساحات عادلة وكافية للغات المكونات الأخرى لتدريسها بأساليب علمية حديثة. والعمل على التوظيف التكنولوجي والاستثمار الرقمي، والاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي في تطوير ودعم المناهج الجديدة وتبسيطها.
والدفاع عن العربية لا يجب أن يكون عبر الخطابات الانفعالية والعواطف الجياشة، فهي تملك مرونةً ورصيداً حضارياً يؤهلها لاستيعاب العصر وتحدياته التكنولوجية والاجتماعية. ولكنّ الرعاية الحقيقية تكون في تبني رؤية علمية واضحة وعادلة. وكما وضّح الفيلسوف والشاعر الإنكليزي جون دون (John Donne) في مقولته المشهورة “ليس أي إنسان جزيرة تامة منغلقة على نفسها”، فإن اللغات كذلك ليست جزراً معزولة، بل هي مجموعة من العلاقات الحيّة التي تؤثر وتتأثر.
إن بناء نظام لغوي متوازن في سوريا، يحترم التعدد القومي واللهجي تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة، مع الحفاظ على مركزية اللغة العربية، هو السبيل لتحقيق عدالة لغوية تصون القيم الإنسانية وتدعم التماسك المجتمعي.