شاهدت خلال الأيام القليلة الماضية، مجموعة من الأفلام الوثائقية عن رواندا، ولا تتعلق تلك الأفلام بالمجزرة الدامية التي أودت بحياة أكثر من مليون إنسان، لكن برواندا اليوم، التي توصف بأنها سنغافورة إفريقيا، أو كما وصفها أحد المؤثرين الأوربيين «دبي القارة السمراء»، فالبلد الإفريقي الصغير يضرب مثلاً عظيماً في التعافي، و الخروج من المحنة أقوى، فرغم إمكاناتها المحدودة، إلا أنها تسجل معدلات تنمية غير مسبوقة، لتصير وجهة سياحية عالمية، يرتادها السياح من أربع جهات الأرض، إذ تشكل السياحة قرابة أربعين في المئة من دخلها القومي، و لتصنف عاصمتها كيغالي على أنها واحدة من أكثر المدن نظافة و أماناً في إفريقيا، و تحتل مركزاً متقدماً في هذا الشأن عالمياً، فكيف أزالت رواندا في هذه المدة الزمنية، القصيرة نسبياً، وحلَ سنوات من الخلافات و الدم، و نهضت من تحت الركام؟
لا يوجد أسرار، و لا خلطة سحرية، سوى كلمة واحدة «أوموغاندا» و التي تعني باللغة المحلية «الاجتماع لتحقيق هدف مشترك». يصف أحد زائري رواندا، كيف أن الدولة كلها، و في السبت الأخير من كل شهر، و من الثامنة صباحاً حتى الحادية عشر ظهراً، تخرج عن بكرة أبيها إلى الشوارع، فتبدأ حملات تنظيف واسعة، يشارك فيها المسؤولون الحكوميون، و المواطنون، بل و حتى الزوار، و لا تقتصر حملات التنظيف تلك على الشوارع الرئيسة في العاصمة، بل تمتد إلى أصغر قرية في أقاصي البلاد، فثمة عمل محدد، يتم الاتفاق عليه لإنجازه، و قد يكون ذلك العمل مساعدة أحد المواطنين في ترميم منزله، أو شق قناة لتصريف مياه الأمطار، أو حتى تنظيف مجرى إحدى السواقي، الكل مشارك و الكل مسؤول، وهكذا يشكل هذا الجهد الجماعي اللافت، ليس فقط عملاً لأجل النظافة و تطوير البلاد، بل هو أيضاً اجتماع مفتوح في الهواء الطلق، اجتماع لأولئك الذين كانوا حتى وقت قريب ممزقين ما بين هوتو وتوتسي، رغم أنهم يتشابهون في كل شيء، فهم يتحدثون اللغة المحلية نفسها، ويرتدون الأزياء التقليدية نفسها، بل إن أعيادهم هي نفسها، فما الذي حدث لهم إذاً؟
كل ما في الأمر أن رواندا «أرض التلال الألف»، كانت حقل تجارب للمستعمرين، الذين قاموا بتقسيم المواطنين إلى قبائل، وفقاً لنظرية عرقية لا أساس لها، و كتبوا على الهويات الانتماء القبلي لكل مواطن، أي أنهم، وبسهولة، قسموا السكان، ليسهل حكمهم والتحكم بهم، و الأمر المفجع أن المستعمرين أنفسهم حين وقعت المجزرة عام 1994 وقفوا يتفرجون، ولم يتدخلوا لإيقافها، بل اكتفوا بإجلاء رعاياهم، وإصدار بيانات إدانة، فكانت النتيجة أكداساً من الجثث تملاً الشوارع والأزقة، في المناطق و القرى، وفاحت روائح الدم من العاصمة كيغالي، حتى لم يعد السير في طرقاتها ممكناً أسابيع وأشهراً بعد المجزرة.
سارت رواندا، متعثرة، سنوات بعد ذلك، ورسمت لنفسها طريقاً للمصالحة الوطنية والعدالة، فاكتظت سجونها بما يقارب مئتي ألف متهم، واستعانت بخبراء و قانونيين دوليين لمساعدتها على تنفيذ خطة العدالة، لكن الحل الأكثر فاعلية كان لجوء الحكومة الرواندية إلى إحياء «محاكم غاشاشا/غاكاكا» التي يقوم بها المجتمع بنفسه، فيقر المذنب بذنبه أمام المجلس القبلي، الذي يعقد في مكان عام، وتوضع الكرة في ملعب المجتمع، فإما أن يسامحه أو يطالب بمحاكمته.
وخلال انشغالي بالاطلاع على تاريخ رواندا المعاصر، كانت وسائل الإعلام تحمل تباعاً أخباراً عن اكتشاف مقابر جماعية جديدة في سوريا، في قارة في ريف دمشق، وكرم الزيتون في حمص، وقبل ذلك في ريف حلب، وقبلها في صحراء دير الزور، وربما بعدها هنا أو هناك من المناطق، حتى ليخال المرء أن سوريا تستقر على سلسلة من المقابر الجماعية، وتلك المقابر ليست سوى تفصيل واحد من مشهد سوري دامٍ يقدر عدد ضحاياه بالمليون، وهو يدفع بقوة للقصاص لأولئك الضحايا، مع تفشي حالة نكران عجيبة من قبل بعض الأطراف السورية المعارضة للسلطة الجديدة، وصولاً ربما إلى تبرئة الجناة، على اعتبار أن النظام سقط، وانتهى بسقوطه كل شيء، وعفا الله عما سلف، هكذا حرفياً.
منذ التحرير، يحاول بعض العاملين في الشأن السوري، الاستدلال بالنموذج الرواندي في المصالحة الوطنية وتنفيذ العدالة، لكنهم يغفلون المسارات المتعثرة التي مرت بها رواندا، ويحاولون الإيهام بأن الأمور تمت بسلاسة، وسهولة، وهذا مناف كلياً لما حدث، لأن التجربة الرواندية لم تكن مثالية في كل شيء، وحدثت فيها أخطاء كثيرة، حتى استقرت على صيغتها النهائية، التي مزجت ما بين القانون الرسمي والقانون الاجتماعي، في خلطة كانت كفيلة بعد مرور أكثر من سبع سنوات من وقوع المجزرة، على أن تضع البلاد على طريق التعافي، فما هي الخلطة التي تحتاج إليها سوريا، كي تخطو أولى خطواتها على طريق التعافي؟
أخيراً، و قبل أن تغادر رواندا، فلا يمكنك إلا أن تقوم بزيارة متحف الإبادة، حتى وإن كانت زيارة افتراضية، كما فعلت أنا، هنالك حيث ترى بعينيك، صوراً معلقة على الجدران لمئات آلاف الضحايا، لتذكر الروانديين والعالم بأسره، بالثمن الكبير الذي دفعه ذلك الشعب، الذي نراه اليوم مبتسماً، ينظر إلى المستقبل، فهل سيتاح لمئات آلاف الضحايا السوريين أن يكون لهم متحف يؤرخ مأساتهم، ويذكرنا بهم؟ صحيح أننا لا نستطيع أن نعيش في الماضي، لكننا أيضاً لا يمكننا نكرانه، والادعاء بأنه لم يكن موجوداً.
