سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
كان رفيقي يُقسم لي بأنَّ سيفَ الإمام عليّ كَرُمحِ القديس مار جرجس، وكَفَرَسِهِ أيضاً، ومن بوابة المدرسة الثانوية إلى بوابة معمل الميماس في قريتي زيدل، كنت أُعالجه، وأُصرُ ألّا يحشر علياً في كل روايةٍ أُسطورِيّة، ونضحك معاً.
حتى اللحظة لا زال الوعي الفِطري موجوداً في سوريا، و لازال الحماس يفيض ببعض القلوب، و التآخ المجتمعي العفوي يميز منطقة حمص، و حتى اللحظة لا زال مبنى تلك الثانوية في مكانه، و مبنى معمل الميماس في مكانه، و حافلة زيدل باتجاه حمص تمُرّ من الطريق نفسه، لكنّ الأساطير الكبرى انكسرت على أرض سوريا، وجميع الأحصنة والسيوف صاروا في خَبَر عرق زيدل الأبيض الناصع المُقطّر.
نعم هذا ما حدث بالتحديد، فقد تحول الصخب القديم في سوريا إلى مجرد ذكريات تكاد تتلاشى يوماً بعد يوم، وتحجب الرؤية الواضحة للماضي بينما صوت العقلانية التي تحاول تفكيك الأساطير يتعبَ اكثر فأكثر، ويهرم رويداً رويداً، و هو يعاينُ بأمّ عينه بأنَّ البحث عن الحقيقة صار يعادل السعي نحو السلوى التي تتضمن التعزية من قسوة الحاضر باسترجاع الماضي، وتجرُّعه كجرعة دواء مرّة وحلوة في آن واحد.
ومن الأمس مروراً باليوم حتى بعد بعد غَدّ سيبقى ذلك السائل الصافي الذي يقطر بصمتٍ يرمز للنسيان، و للبقاء الذي تجاوز الشعارات والسفاسف الأرضية في سوريا.
فأي قيمة لاختزال تحولات الزمن، والذاكرة المحلية في المجتمع السوري!! ايّ قيمة لاختزال الهوية الجمعية فيها ؟ لقد تحول وعي الأسطورة إلى حالة واقعية، وصار ثبات المكان وتلاشي الإنسان لا يعنيان النوستالجيا فقط بل يُعَبّران عن مفارقة وجودية قاسية. فهيهات على واقع سوريا الجاف الذي لم يتبقَّ منه سوى جغرافيا صامتة، وحكايات تلاشت وتبخرت في كؤوس النسيان.