-
عدي الزعبي… الجمهورية .نت
-
-
-
التقيتُ ممدوح عزام، مرة وحيدة، في السويداء، بين المجزرتين: العلوية والدرزية. اتفقنا أن يستضيفني، في زيارتي القادمة، في ضيعته تعارة، لمدة يومين، كي ندردش أكثر، عن الأدب، والكتابة، والرواية، والسياسة، وسوريا.
بالطبع، لن يحصل هذا، فقد نُهِبَ بيته، ودُمّر، وحُرق، بعد أسابيع قليلة من لقائنا اليتيم، واحتلّت قوات الأمن العام الضيعة، مع أكثر من ثلاثين ضيعة درزية أخرى، وهُجِّرَ ممدوح وزوجته إلى لندن، بعد أن خسرا كل شيء: كل شيء، لأنهما لا يملكان إلا هذا الشيء: البيت، والمكتبة التي فيه، وأشجاره القليلة، وذكرياته، التي تعود إلى أربعين سنة.
وعن هذا، كتب كتابه الأخير.
موتٌ آخر
يقوم الكتاب على فكرة لقاء مُتخيَّل، بين ممدوح والغزاة. عندما دخل الأمن العام القرية، لم يكن ممدوح حاضراً. ولكنه يتخيّل لقاءه بهم، في بيته. يتخيّل مقتله على أيديهم. يسرد بتفصيل، قصة احتراق البيت، غرفة غرفة، ركناً ركناً، كتاباً كتاباً، وهو يحاول أن ينقذ شيئاً من روحه، أن يفهم ما حصل. يحكي قصص من استُشهد في الضيعة. ويحكي عن عائلته، وعن الماضي، وعن أشياء أخرى.
عنوان الكتاب، من الشمال حتى الجنوب، يُحيل إلى اقتباس من قصيدة لبابلو نيرودا:
من الشمال حتى الجنوب، حيث سحقوا الموتى
أو أحرقوهم
ثمّ دفنوهم في الظلام
أو أُحرقوا بصمت تحت جنح الليل،
أو أُلقيَ بهم في بئر.
ولكن أيضاً، ليس فقط القتل من الشمال حتى الجنوب: إنها قصة سوريا، في حياة ممدوح: من الشمال حتى الجنوب، ترحّلت العائلة مع والده، الذي عمل في «الدرك»، من ديريك إلى عفرين وإدلب وحوران، مُتنقِّلاً باستمرار، قبل أن يعود إلى قريته، ويستقر فيها.
على أن ممدوح، لن يتنقّلَ كثيراً. عملَ في دمشق، وفي الكويت، وفي السويداء؛ ثم عاد إلى تعارة. وفيها عاش، كل العمر، إلى أن هَجَّره الغزاة.
ومن تعارة، تتجلّى سوريا، وتاريخها، ومعناها، وأحزانها، في حياة ممدوح، وفي كتابه.
ضيعة منسية
يحكي الكتاب قصصاً عن الضيعة، من خلال فصول متداخلة، تتناسل من اللقاء المُتخيَّل. عنوان الكتاب الفرعي: «حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود».
الضيعة كانت صغيرة. والد ممدوح أول من بنى بيتاً يبعد قليلاً عن مركز الضيعة، المُتداخِل المُتراكِب كثكنة، ككل القرى والبلدات والمدن قديماً. ثم تبعه أخوه، وآخرون، حتى أصبحت البيوت الخارجية أكثر من البيوت المتداخلة.
احترقت كلها.
من الضيعة، يرسم ممدوح عالمه، وفيها بنى حياته، الغنية جداً، والمتشعبة.
دروز وسُنّة
على العكس مما هو سائد في الكتابات السورية العلمانية، يتحدث الكتاب مباشرةً عن الدروز، عن عاداتهم وتقاليدهم وحياتهم، وعن المجزرة.
في الحقيقة، هناك كتابات طائفية سنّية، انتشرت خصوصاً بعد الثورة، بأشكال متنوعة. وهناك كتابات طائفية علمانية، ضد السنّة، مُقنَّعة دوماً، منتشرة منذ مجازر حماة، وحتى اليوم. ولكن، ما لا نراه، إلا نادراً، هو كتابات غير طائفية، تحكي عن الطوائف. وقد يكون هذا الكتاب بداية صحية.
والأمر، برأيي، يقتضي نزع الأقنعة الطائفية عن الطوائف، لتصبح جزءاً طبيعياً من حياتنا. في سوريا طوائف وأديان كثيرة. أكثرية سنّية، متنوعة فقهياً وتاريخياً وفي ميولها السياسية، وأقليات متوزعة جغرافياً على كامل التراب السوري، متنوعة بدورها، أيضاً في ميولها وفي تواريخها. انتماء المرء إلى طائفة معينة لا ينفي انتماءه إلى هويات أخرى: مثل سوريا، والكتابة، في حالة ممدوح. يجمعني مع ممدوح هذان الأمران، وأمور أخرى: الخوف من الحشود، الهدوء غير الصحي دوماً، حوران سهلاً وجبلاً، دمشق، الكبّة بأنواعها، بورخيس وتولستوي، ولا تفرقنا الطوائف. يفرّقنا، توجهاتي اليسارية أكثر منه، ونفوري المتزايد من الرواية وتَمسُّكه بها، ومحبته للأرياف وعشقي للمدن، وأشياء أخرى.
الطوائف لا تفرّق، وكل ما يعيشه المرء، قد يجمع.
ممدوح نفسه لم يتطرّق إلى الدروز، ولم يذكرهم بالاسم، جرياً على العادات السورية، وربما، خوفاً من الرقابة، قبل المجزرة، رغم أنّ كل رواياته تدور أحداثها بين الدروز، في محافظة السويداء.
في هذا الكتاب، إشاراتٌ إلى الأعراف الدرزية، وإلى المجزرة التي تعرضوا لها لأنهم دروز، وإلى تاريخهم السوري. ولكن، لا يوجد قراءة دينية، أو تاريخية، للدروز.
المجزرة
لا يبدأ الكتاب بالمجزرة، بل بحلم المواجهة مع الجنود، ثم يتفرّع إلى حكاياته المختلفة. تتسرّب المجزرة إلى القارئ، بالتدريج، بين تخيّلات ممدوح عن مواجهته مع الجنود، وبين المكتبة المحترقة، وبين تاريخ الضيعة. بعد عبورك ثلث الكتاب تقريباً، يبدأ الجنود بالقتل، القتل المجّاني لأفراد سوريين، دروز، كانوا في منازلهم، غير معنيين كثيراً بالسياسة.
تدخل المجزرة الضيعة، بيتاً بيتاً. تعرّضت القرى الشمالية والغربية في محافظة السويداء إلى أقسى الهجمات، ودُمِّرَ بعضها كلياً. في حسابات الأرقام، التي لا يذكرها ممدوح، قد تكون المجزرة الدرزية وما تبعها واحدة من أبشع مراحل الحرب السورية الطويلة: يبلغ عدد الدروز في الجنوب السوري حوالي 800 ألف نسمة. في ثلاثة أيام، قُتل منهم 1400 على الأقل، واحتلّت قوات الأمن العام 36 ضيعة، وهجّرت أكثر من 170 ألف مواطن، أي حوالي 20 بالمائة من الدروز. هذا الرقم قد يُشكّل سابقة تاريخية، في حجمه والمدة القصيرة جداً التي نُفِّذَ بها.
يفوق هذا، في خرابه، ما تعرّضت له أوكرانيا خلال سنوات حربها مع روسيا.
ولكن ممدوح لا يعرض الأرقام. بل قصص جيرانه، كلهم، في الضيعة الصغيرة.
تتكثّف المجزرة الدرزية عنده، ليكتفي بما عايشه، وعرفه.
الثورة
أخبرني ممدوح عزام أنه يفضّل لو سلّمَ الدروز سلاحهم، ودخلوا في مؤسسات الدولة. كان ذلك قُبيل المجزرة، عندما كانت السويداء منقسمة، بين من يريد إعطاء سلطة دمشق فرصة لإثبات نواياها، وبين المتشككين بهذه السلطة والرافضين لها.
لم يتوقع أحدٌ هجوم الفصائل السنّية على الدروز، حتى أكثر المتطرفين قسوةً. في الكتاب، تتكرر فكرة الذهول من هذا الهجوم. وما زال هذا الذهول قائماً. كان الدروز معادين لنظام بشار، ورفضَ شبابهم الانضمام إلى الخدمة العسكرية الإلزامية. وفي السنوات الأخيرة، انسحبَ النظام تقريباً من محافظة السويداء. واعتبر معظم أهالي المحافظة أنفسهم منتصرين بانتصار الثورة.
في الكتاب، كما في تصورات الكثير من السوريين، تتكرر مفردتان مختلفتان: الثورة، والحرب. هذا كان واضحاً في روايته الأخيرة أيضاً: الرجل الرفيع ذو القميص الأبيض. وفي الحقيقة، كل ثورة هي حرب أهلية. وسوريا نموذجٌ ناصعٌ. بل أكثر من ذلك، تداخلت حروب سورية، وثورات سورية، مع حروب الخارج، لتصبح واحدة من أكثر الثورات ارتباكاً.
اختلطت الثورة بالحرب، ومارست الفصائل الخطف والتشليح. بعض هذه الفصائل، الآتية من حوران، دخلت المحافظة، كما انتشر مسلحون محليون دروز، بالإضافة إلى وجود قوات النظام البائد. وراقب أهلُ الضيعة البلدَ تتفتت، بجزع، وانكفاء، وأمل بالخلاص.
المكتبة
الحاضر الأكبر في الكتاب هو المكتبة. تتدحرج الحكايات باستمرار، لتعود إلى الكتب. والكتب، كما لا يعرف الجنود، تحكي أيضاً حكاياتهم. من خلال حكايا الكتب، يلجُ ممدوح إلى عوالم أخرى: النار، ومعناها، وتاريخها. الحجارة، ومعناها، وبناؤها. الموسيقا، وعزف الكمان. اللوحات التشكيلية، وفرادتها، واحتراقها. الصور الفوتوغرافية، ومعناها، واحتراقها. وأشياء أخرى كثيرة.
تقاطعات أدبية
بعض الكُتّاب أثَّروا في ممدوح، وفي عالمه. وهنا، يستطيع المرء أن يكتب مطمئناً حول تراث سوري مُشترَك.
في الحرب، انتشرت خرافات عن سوريا مفككة، طائفياً وإثنياً وقومياً. عادت هذه الخرافات، اليوم، بشكل أكثر تخريباً وتشويهاً، مع وصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم، من الطرفين: مناصرو الهيئة وخصومها، المتشابهون في رفضهم لسوريا واحدة متنوعة. ولكن أي متابع، غير كاره للبلد، يعرف جيداً أن أبناء البلد يتشاركون تراثها، في المأكول والمقروء والمكروه والمحبوب. وحتى عندما يختلفون، فهم يختلفون على مشتركات يتأولونها بطرق مختلفة.
حنا مينه يظهر في الكتاب، بقراءة هادئة، نقدية. بداياته تختلف عن مراحله المتأخرة. بقي عالقاً في شخصية الطروسي، بطل الشراع والعاصفة. لم أفكر في هذا من قبل، ويبدو لي ممدوح محقاً. ويبقى لبدايات حنا مينة أثرٌ هائل على الرواية السورية، والأدب السوري عموماً: أثرٌ لطيف عميق حساس.
سعيد حورانية، كما يذكر ممدوح، كتب قصة قصيرة، عن سجين أمضى عشرين سنة في السجون الفرنسية ثم عاد إلى السويداء. ممدوح كتب روايته جهات الجنوب عن سجين آخر تعرّض للمأساة نفسها. القصة والرواية تتشابهان، وتستندان على أحداث واقعية. كان حورانية جاري في مشروع دمر. كنتُ طفلاً وكان كهلاً. التقينا مرات كثيرة، وأهداني كتباً مُشجِّعاً فضولي الكبير للأدب، وللتساؤل. أنا، أيضاً، كتبت قصصاً قصيرة، مُفكِّراً أحياناً في علاقتي الغامضة مع أدب حورانية، ومحبتي الشخصية الكبيرة له، ولصدقه، ولطبعة العصبي العجيب.
مع نجيب محفوظ، تتعقّد الأمور، ونفترق كلياً. يقول ممدوح: «أثر نجيب محفوظ كان محدوداً، كانت لدينا خشية من كتابته القويّة». من المدهش أن يستخدم ضميراً جمعيّاً: «لدينا». أنا، بالتأكيد، ليس لدي أية خشية منه، بل إنني تلميذ نجيب للكاتب المصري، وأدور حول أعماله كأنني في معبد. على أنني أشارك ممدوح الخشية من رواية السراب. أو، في الحقيقة، الذعر، وهي الكلمة التي استخدمها ممدوح لوصف موقفه منها. فكّرتُ كثيراً في ذلك: هل لأننا، أنا وممدوح، نخشى أن يكون عجزُ البطل عاماً، في الحياة؟ أم فينا نحن الاثنين؟ أم أن فكرة العجز الكلي نفسها تثير الذعر؟
كنتُ في بداية الشباب، حين ثارت العاصفة الشهيرة بخصوص قصر المطر، رواية ممدوح الأشهر: مواجهة سوريّة بين السوريين عن معنى الكتابة، انقسمَ فيها الدروز، وغير الدروز أيضاً: بين من يريد العتمة، وبين من يكافح من أجل الحياة. وقّعتُ على عريضة، في الجامعة، للدفاع عن حق ممدوح عزام في الكتابة، مع أصدقاء آخرين. اكتشفتُ أن معظمنا لم يقرأ الرواية، إلا بعد أن وَقَّعنا، في وجه تعصُّب درزي منفلت، وسفاهةِ رقابة بعثية، رفضت الرواية، وأرادت تقييد ممدوح وحقه في الكتابة. يتكلم ممدوح عن روايته هذه، وعن امتنانه لمن وقف في صفه، دون أن يعرف أن بعض الشباب اجتمعوا مرتين لدعمه، في دمشق القريبة، محاولين أن يُثبِتوا لأنفسهم أن الحياة ممكنة، معه، حتى في ظل الأسدين.
وهناك الأجانب. بورخيس وماركيز، وأنا معجبٌ بشكل غير محدود بالأول، ومتحفظ في إعجابي بالثاني. ممدوح بالعكس.
وفوق كل شيء، تولستوي: القديس غير المنضبط.
أتقاطعُ مع اهتماماته، وأختلفُ مع بعض رؤاه: هل هذه اختلافات أجيال، أم اختلافات فردية، أم كلاهما؟
سياسة وأدب
الكتاب ليس في السياسة المحض. والسببُ وجيه: قَرَّعني ممدوح عزام، في لقائنا اليتيم، بتهذيب شديد، لانشغالي المبالغ به بالسياسة. وقبل أكثر من عقد، قَرَّعني الناقد والشاعر العراقي فوزي كريم، للسبب نفسه. وأنا، أيضاً، أُقرِّعُ نفسي، لهذا السبب، ولأسباب أخرى كثيرة.
ميولي أكثر يسارية من الأستاذين، ورغبتي في الكتابة خارج الأدب أكبر قليلاً. ممدوح عزام لم يكتب إلا الأدب: كل كتبه روايات، فقط لا غير. يرى الحياة من منظور الأدب، ويعيشها من خلاله، ويستهلك عمره كي يحيا في كلماته. كان مُتشكِّكاً في جدوى أن يكتب الأدباء في السياسة، بمعناها المباشر. وبالطبع، من تحويل الأدب إلى بروباغندا، كما حصل كثيراً خلال الثورة. الأمر الثاني يزعجه، أكثر بكثير من الأول، وغالباً، الأمر الأول يؤدي إلى الثاني.
بعد لقائنا، بأشهر قليلة، سيكتب هذا الكتاب: كتاب، تقريباً، في السياسة. ليس رواية، مع شكل الرواية: خيط متصل عن مواجهة مفترضة مع الغزاة، تتشابك فيها حكايات الضيعة وممدوح وسوريا والكتب في العالم. ولكنه ليس رواية.
بعد المجزرة، اضطرَّ ممدوح لكتابة ما ابتعدَ عنه طيلة حياته: السياسة، التي طالت مكتبته، وبيته، وعائلته، وأشجاره، وجيرانه، في نيران سوريّة لا تخمد.
أشجار ونباتات
احترقت الضيعة، واحترقت أشجارها. الأشجار القليلة الشخصية: شجرة زيتون، وشجرة تين، وشجرة ليمون. لكلٍّ منها قصة فريدة، يرويها لنا شريكهم. وهناك أشجار القرية، المئات منها، خصوصاً الزيتون. احترقَ معظمها.
والنباتات، خصوصاً الهندباء، والبصل الأخضر، تُلوِّنُ الكتاب بحضورها الرقيق.
وفي معمعة الحرائق، أفكر بأن النباتات وحدها من نجا.
خلافات سياسية
أختلف مع ممدوح في تأويلات سياسية، سأذكر منها اثنتين.
أولاً، التاريخ القديم، وثانياً، التاريخ الوسيط وجذور العنف.
يرد في الكتاب وصفٌ لمناطق أثرية قديمة، منذ أيام الأنباط والرومان، وصلتها بالحاضر. في الحقيقة، تبدو لي هذه الإشارات دوماً، في كتاب ممدوح وخارجه، مريبة. إذ لا يتضح المقصد منها. هل هناك امتداد، حقيقي أو رمزي، بين ذلك الماضي وحاضرنا؟ وفي حالة السويداء، كيف سيكون هذا الامتداد معقولاً؟ أتى الدروز من لبنان قبل قرون قليلة، ليستقروا في جنوب سوريا. وقبلها، ببضعة قرون أخرى، انشقوا عن الإسماعيليين، في قاهرة المعزّ المصرية، في واحدة من أغرب الخلافات الفقهية. كيف تكون صلتهم مع الأنباط والرومان؟ ألأنهم سكنوا أمكنتهم؟ أم لأنها سكنتهم؟ كلا الأمرين صحيح، ولكنه ليس بديهياً.
سكنَ سوريا الكثير من الأقوام، والعرقيات، والإثنيات، والطوائف: أرمن، وعرب، وأكراد، وشركس، وأتراك، وداغستانيون، ودروز، وشيعة، وسنّة، وبدو يعيشون بين الدول، ورومان، ويونانيون، ومصريون، وجزائريون، وعراقيون، وفلسطينيون، ويهود، وعلويون، ويزيديون، وإسماعيليون، ومرشديون، وسريان، ومسيحيون أرثوذكس، وكاثوليك، بل وحتى البروتستانت.
كلهم سوريون.
الأرض استقبلتِ الجميع، والتواريخ تفككت بينهم كثيراً، وترابطت أيضاً. ومستقبلنا السوري يحيا من خلال التعدد، الذي نريده ونعمل من أجله، أكثر من التاريخ.
في الحقيقة، يبدو لي تاريخ سوريا مُتقطِّعاً، أكثر من كونه متصلاً؛ والصِّلات، الموجودة فعلاً، في تواريخنا المتعددة الكثيرة، نحيلة وهشّة.
الأمر الثاني، في أن جذور العنف لا تعود، بشكل رئيس ومباشر، إلى ألف وخمسمائة عام، أو حتى خمسمائة عام، بل إلى قرنين من الزمن، فقط لا غير. الحروب الأهلية الدموية، حيث تتصارع الهويات، مُنتَجٌ للحداثة والرأسمالية، وليس للماضي. أو، ربما، بصياغة أخرى، مُنتَجٌ لفشل الماضي في الحداثة، أو لفشل الحداثة في الماضي. بكل الأحوال، هذه حروبُ الحداثة، بأساليبها ولغاتها وهمجيتها، وليست حروب الماضي، أو، ليست حروب الماضي بدون حداثته. ولكن ممدوح، على العكس، يشير إلى فتاوى قديمة، تُحرِّكُ الغزاة، وتُبهِجُهم.
كلا الأمرين يَرِدُ عفواً في الكتاب، ولا يشكل متناً، ولكن بما أن الكتاب متورط في السياسة، سنتورّط معه في التأويل السياسي.
كشوفٌ شخصية
يكشف ممدوح أصول كل رواياته، في كتابه هذا: يحكي حكاية كل رواية، بلا استثناء، وبالتفصيل: من أين أتت، لماذا كتبها، كيف كتبها، أين كتبها، ومصيرها.
كما يحكي عن كتابين اختفيا كلياً: أولُ كتبه، مسودة قديمة، كاملة، لم ينشرها، احترقت في البيت: حكاية سوريّة خالصة، عن جده، الذي فرَّ من الأناضول بعد تجنيده أيام «السفر برلك»، إلى اليونان ثم مصر وصولاً إلى فلسطين، قبل أن يعود إلى السويداء. ومسودة جديدة، رواية للنشر (لو صحَّ فهمي لما قاله ص 169) احترقت في البيت: أول وآخر كتبه، حرقها الغزاة. كما اختفت آلاف الملاحظات، والتأمُّلات، والاقتباسات، والاقتراحات، والتساؤلات عن بنية الرواية، ومعناها، والتجريب، في الدفاتر المحترقة: أربعون سنة تبخّرت فجأة.
«كتبتُ كل رواياتي في هذا البيت، وعندما رحلنا إلى السويداء لسنوات، لم أكتب رواية».
البيت احترق، وممدوح في لندن، يسجّل سيرة الغزو، هذه المرة. وربما، سيصعب عليه أن يكتب رواية، في بيوت أخرى. احترقت كتبه المنشورة، وغير المنشورة. كتبها كلها كي يسجّل، لنفسه ولنا، سيرة المكان، سيرة السويداء، سيرة الدروز، سيرة سوريا. وهذا كله يكاد يختفي: فقرَّرَ أن يكشف كل شيء، كل أصول الخيال الذي بنى عالمه فيه ومنه.
هذا الكتاب، سجّلَ سيرةَ ما احترق، وما لم يحترق.
خاتمة سوريّة
ما لم يحترق، في النهاية، هو إيمانُ ممدوح العميق والصوفي والكامل بسوريا. في الحقيقة، هذا الإيمان هو الدافع خلف الكتاب.
مستقبل الدروز سوري، في سوريا، ومستقبل سوريا في دروزها. مواجهة المجزرة ومرتكبيها، تكون من خلال التمسّك بسوريا؛ ومواجهة الانفصاليين أتباع إسرائيل، تكون من خلال التمسّك بسوريا، أيضاً: المواجهة المزدوجة، مع الفصائل السنّية ومع دعاة الانفصال الدروز، تقتضي الدرب نفسه، والطريق نفسه: الديمقراطية، والحرية، والحوار، والمحبة.
وسوريا هذه، ليس لها شكل نهائي، أو ثابت عبر التاريخ. لا يدخل ممدوح في هذه التفاصيل، فكتابه، ليس وثيقة سياسية، ولكنه وثيقة شخصية فردية عن معنى السويداء، ومعنى الوجود الدرزي كله، ومعنى سوريا، مجتمعين: وهذا المعنى، يمكن اختصاره، بأن سوريا واحدة: من الشمال حتى الجنوب.
يختم ممدوح، تسجيله لحياته، وللوجود الدرزي، ولسوريا، بالكلمات الحكيمة الجلية الجليلة التالية:
«ومن أكثر البديهيّات التي يرغب دُعاة الحقد والإقصاء والتصفية والانفصال في طمسها هي أنّ سورية ليست شخصاً، بل هي شعب، سورية بلادنا، سورية هي هذه البلاد المنكوبة بالحكّام الطُّغاة، والأتباع الذين اختلَّت لديهم بوصلة القيم، والقتلة الدميمين، سورية هي سوريّتي، سورية هي أولئك الأصدقاء والأصحاب والناس من الذين أحببناهم وأحبّونا، ولن يكون بإمكان أيّ حاكمٍ أو مذبحة أن تنتزعها منا، أو تنتزعنا منها».
-