
تتنوع المحاضرات الدينية التي يلقيها أحد أبرز مشايخ السلفية في سوريا، الشيخ عبد الرزاق المهدي، مثلما تتنوع الأماكن التي يلقي فيها هذه المحاضرات بين جامعي “تنكز” و”الفردوس” وغيرهما من المساجد وسط دمشق، في مشهد جديد لم تعتده العاصمة السورية منذ عقود، يتجلى في عودة موسعة للنشاط الديني وتحريره من كل القيود.
ورصدت “المدن” تنوع النشاطات الدينية في مدينة دمشق وريفها، ولا يقتصر هذا النشاط على الحركة السلفية، التي تُعتبر توجهاً دينياً مختلفاً عما اعتادته دمشق سابقاً، بل يشمل المدارس الدينية الأخرى ذات التوجه الصوفي والأشعري.
جولات دعوية دون رقابة
وتتعدد أنماط النشاط الديني الجديد بين الالتزام بتقديم المحاضرات والاحتفالات في المساجد، والنشاط الدعوي خارج مؤسسة المسجد، الذي يتجلى في تسيير حافلات تبث الأناشيد أو القرآن عبر مكبرات الصوت، أو تنظيم ملتقيات دعوية في بعض الأماكن العامة، وهي مشاهد لم تكن مألوفة في العهد السابق، الذي كان شديد الضبط لإيقاع النشاط الديني، إلى درجة حصره في ما كان يُعرف بـ”معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم”.
وتُعتبر حملة “الشيخ الذهبي” للدعاية لـِ “اللباس الشرعي” أحد نماذج هذا النوع من النشاط الديني العام، وقد وُوجهت الحملة بانتقادات واسعة، بالتوازي مع تحرك حكومي تمثل في مديرية أوقاف ريف دمشق، التي حظرت إحدى الفعاليات التي تشرف عليها الحملة.
أما في مدينة التل بريف دمشق، فتنشط مجموعة “فقراء الدعوة”، المكونة من عدد من الشبان الملتحين. وتتجول المجموعة في الطرقات بهدف “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتزور المتاجر وتتحدث مع المارة في الشوارع، وتلقي على مسامعهم الأحاديث النبوية وبعض الآيات القرآنية.
استئناف “العمل المسجدي”
ومنذ سقوط النظام، استأنفت “جماعة زيد”، إحدى أبرز الجماعات الدينية في دمشق وريفها، نشاطاتها، إذ عاد الشيخ أسامة الرفاعي، مفتي الجمهورية الحالي، ليتصدر المشهد الديني في العاصمة، بالتوازي مع عودة نشاط جماعته في مساجد عبد الكريم الرفاعي، وزيد بن ثابت، وحمزة والعباس، والإيمان، وغيرها من مساجد العاصمة، وفقاً لما رصدته “المدن”.
وعلى مدار الأشهر الماضية، يشهد مسجد عبد الله بن رواحة في منطقة الميدان بدمشق حركة نشطة في نشر الدعوة السلفية، وتُذاع هذه الدروس على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحظى بمتابعات كبيرة لأنها تقدم توجهاً فكرياً جديداً.
بدورها، تشرف وزارة الأوقاف السورية على مشروع “نهج”، الذي يشمل تقديم مجموعة متنوعة من المحاضرات الدينية ذات الطابع السلفي. ورغم هذا الطابع، فإن مشروع “نهج” لا يقتصر على الكوادر السلفية، بل جرى إشراك مشايخ محسوبين على الأشعرية الصوفية، مثل الشيخ نعيم العرقسوسي.
ضبط المجال الديني
وتعليقاً على ذلك، يعزو الباحث والأكاديمي عبد الرحمن الحاج عودة النشاط الديني إلى المجال العام السوري بهذا الزخم الكبير إلى أن “الدين كان عنصراً فاعلاً في الثورة والحرب بأشكال مختلفة، فكان من الطبيعي أن يحضر بقوة بعد الحرب”. ويضيف لـِ “المدن” أنَّ النشاط الديني في عهد الأسدين كان خاضعاً للرقابة الأمنية الشديدة، وبعد سقوط النظام جرى تحرير النشاط الديني من كل هذه القيود.
في المقابل، يلاحظ الحاج أن السلطة الجديدة “شرعت بتطبيق سياسات جديدة على المجال الديني تهدف إلى ضبط هذا المجال، فقد تم وضع ميثاق لتوحيد الخطاب الديني، ومنع الخطاب المتطرف من المنابر”.
ويبرر هذا الضبط بأنَّ الدولة “في الوقت الذي تواجه فيه خطر تنظيم داعش، لا يمكنها أن تفسح المجال لخطاب يعيد إنتاج داعش ويمنحها أرضية للتجنيد، لكن مقابل هذه القيود تم إطلاق التعليم الديني على أساس التراث الفقهي والحديثي، وجرى إحياء الدروس وحلقات المساجد العلمية، في عودة لنموذج التقاليد العلمية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة الوطنية”.
ويتابع الحاج أن الحكومة تسعى إلى تحقيق انفتاح ديني، لكنه مضبوط؛ فهو، من جهة، يمنع التأثير على وحدة المجتمع، من قبيل منع النشاط الدعوي الاستعراضي في السيارات، وخصوصاً في الأحياء المسيحية، ومن جهة أخرى، يدمج التوجهات السلفية بالتوجهات التقليدية في مجلس الإفتاء الأعلى، لضمان منطق متوازن يحول دون الصراع بين التوجهات الدينية: السلفية والصوفية والأشعرية.
ويشدد على “ضرورة فرض رقابة على النشاط الديني، لكنها رقابة لتطبيق القانون وليست رقابة أمنية تهدف للسيطرة، لأن الرقابة المفرطة تؤدي إلى نشوء سوق سوداء للمعرفة الدينية وتشكل بيئة مواتية للفكر المتطرف”.