سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
ترى شقيقتي أنَ مِنَ العار التوقف في منطقةٍ مقطوعةٍ، لأنتظرَ مرورَ أي تكسي عابرة، ثم استقِلها، وفي النهايةِ يتبينُ أنَّ صاحِبها معروفٌ بأنهُ: ابن حرام.
قلتُ لها أن الأمر كان رغماً عني، فقد أدركت أنني صعدت الحافلة الخطأ في منتصف الطريق، ولم اجد حلاً إلا بالترجل ثم انتظار اي تكسي او سيارة عابرة للعودة.
المهاجرون منذ ٣٠ عاماً كالنازحين منذ ٢٥ عام، وكالراحلين منذ عام ونصف، سوريّون تختلف فيما بينهم معايير الحلال والحرام، واما من هاجر منذ زمن طويل فهم ينتمونَ إلى المغتربين السوريين الذين حافظوا على معاييرِ الحلال والحرام.
لكن فاتهم قطار: مقاطعة الخوف. . هم مَعذورون يا سوريا، مَعذورون يا رفيقتي الشقِيّة.
إنّهم لا يعلمونَ أن المسافات بين الحلال والحرام على أرضك لم تعد في خبر: علوي أو سني أو مسيحي او درزي أو كردي. هم معذورون، معذورون جداً.
لا يعرفون انَّ المسافة بين الحرام وابن الحرام باتت عند معظم السوريين كالمسافة بين الحلال وابن الحلال؛ مسافة زمنية تعادل دقات كتلة بوزن ٣٥٠ غرام إلى يسار كل قفص صَدري. هم لا يعلمون أن حدود امرأة داخل تكسي، كحدودها داخل سيارة خاصة، وكحدودها داخل البيت وحدودها على قارعة أيّ طريقٍ؛ تعادلُ أبعاد جسد أي مواطنة سورية لم تتكلْ يوماً إلا على الله، وتعادل تفكيك أبعاد كثيرة.
إن تفكيك أزمة الهوية، و التحولات الأخلاقية، والانقسام بين السوريين في الداخل والخارج صارت على شكل حكايات يوميّة قاسية جداً من حيث الوقع والنتيجة.
لقد تبدّلت معايير “الوطنية” و أمّا فرز الشعب على أساس الخوف فقد تجاوز البعد الطائفي لأنَّ الصراع السوري والزمن غيّرا طبيعة الانقسام داخل المجتمع، و المسافات والحدود في سوريا اليوم لم تعد تُقاس بالانتماءات الطائفية أو العرقية التقليدية، او بمقياس “الحلال والحرام” ، أو “الخطأ والصواب” أو “النبل والانتهازية” بل بمدى صمود المواطن السوري في الداخل أمام آلات القمع، والظروف المعيشية.
إن الفجوة العميقة بين سوريّي الداخل وسوريّي الشتات (اغتراب الوعي) تكمن بانهم ما زالوا يحاكمون الواقع السوري بأدوات وأخلاقيات ما قبل الحرب.
هم يعيشون في “مغترب” حافظوا فيه على قيمهم، و لا يدركون عمق المعاناة اليومية، و الترويع الممنهج، والاضطرار الذي يعيشه مواطن الداخل للبقاء على قيد الحياة، في ظل نسبية الأخلاق وسقوط “الرفاهية الأخلاقية” منذ بداية زمن الحرب.
في البيئات السياسية والاقتصادية الطاحنة، تصبح الأخلاق رفاهية لا يملكها الجميع، ويصبح الحكم على الأشخاص بـ “ابن حلال” أو “ابن حرام” غير مبني على قواعد مطلقة، بل على الغريزة الإنسانية والاضطرار والقدرة على الصمود وسط واقع مشوه سياسياً وأمنياً، وهذا إن صح التعبير؛ انعكاس للوقوع في “فخ الظروف” التي فرضها الاستبداد السياسي، و النفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي معاً.
المؤسف اليوم هو حجم التعرية في سوريا، لقد تعرّى مفهوم” الأمان”.
تعرّى واقع الداخل السوري الذي طحنه الخوف وسبب في تغيّر المفاهيم الأخلاقية، والاجتماعية، حتى تجاوز الوجع السوري المشترك الاصطفافات الطائفية القديمة إلى صراع وجودي يومي من أجل البقاء وصارت حدود أمان المرأة السورية، هي ذاتها حدود امان سوريا الشقيّة، و كل مواطن ضعيف؛ متساوية في خطورتها وهشاشتها بعد انهيار الحماية السياسية للإنسانية. والسؤال الأهم بعد لقاء أمسٍ هو: إلى متى سيبقى كل ما يجري بحق سوريا كلّ فترة أشبه بإلغاء الحدود الواضحة والفواصل الجلية بين ما هو مشروع (حلال) وما هو ممنوع (حرام)، بحيث تذوب المنطقة الفاصلة بينهما ويصبح التمييز بينهما صعباً أو مشوشاً؟؟!!!