في المرحلة الانتقالية، لا تُقاس قوة الدولة بالشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قادرة على تحويل الرؤى إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. واليوم بينما تدخل سورية مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والتدمير، يبرز سؤال يتكرر في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية: هل تحتاج سورية إلى السياسيين أم إلى التكنوقراط؟ وهل يمكن أن تقود الخبرة وحدها عملية التعافي؟ أم أن السياسة ستظل هي المحرك الأساسي للدولة؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى وكأنه يفرض علينا الاختيار بين نموذجين متعارضين، لكنه في الحقيقة سؤال مضلل، فالدولة الحديثة لا تقوم على السياسة وحدها، ولا على التكنوقراطية وحدها، وإنما على التوازن بينهما، فالسياسة تمنح المؤسسات الشرعية، بينما تمنحها الإدارة المهنية القدرة على الإنجاز، وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ المؤسسات بفقدان فاعليتها، مهما حسنت النوايا أو كثرت الإمكانات.
لقد أثبتت تجارب بعض الدول أن أكبر الأخطاء لا تكمن في حضور السياسة، بل في تسييس الإدارة، فحين تصبح الوظيفة العامة امتدادًا للصراع السياسي أو للمحسوبيات والولاءات تتراجع معايير الكفاءة، ويتحول الجهاز الإداري من أداة لخدمة المواطنين إلى ساحة لتصفية الحسابات أو توزيع المكاسب، وفي المقابل فإن تحويل الدولة إلى مجرد مؤسسة يديرها الخبراء بمعزل عن المجتمع ليس حلاً أيضًا، لأن القرارات العامة لا تُبنى على الأرقام وحدها، بل على فهم احتياجات الناس وتوازنات المجتمع وتطلعاته.
التكنوقراطية في جوهرها ليست مشروعًا سياسيًا، بل هي أسلوب في الإدارة يقوم على إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الاختصاص والخبرة، وهي ضرورة في إدارة الاقتصاد وإصلاح الإدارة، وتطوير الخدمات، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمار، لكن التكنوقراطي مهما بلغت كفاءته لا يستطيع أن يحل محل السياسي، لأن السياسة هي التي تحدد الاتجاهات الكبرى للدولة، وترسم أولوياتها وتوازن بين المصالح المختلفة داخل المجتمع.
بعض التجارب الدولية تقدم دروسًا مهمة في هذا المجال، فقد لجأت إيطاليا في أكثر من أزمة اقتصادية إلى تشكيل حكومات تكنوقراط قادها خبراء اقتصاديون وإداريون بهدف استعادة الاستقرار المالي، وقد نجحت هذه الحكومات في تحقيق قدر من الانضباط الاقتصادي، لكنها واجهت في الوقت نفسه انتقادات لأنها ركزت على المؤشرات المالية وسياسات التقشف أكثر من تركيزها على الآثار الاجتماعية، وخاصة على فئات الشباب والطبقات المتوسطة، وتكشف هذه التجربة أن الخبرة الفنية مهما بلغت أهميتها لا تستطيع وحدها معالجة القضايا ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، لأن إدارة الدولة ليست مجرد حسابات اقتصادية، بل هي أيضًا إدارة للمصالح والتوقعات والعدالة الاجتماعية.
وفي سورية، تبدو الحاجة إلى هذا التوازن أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالبلاد لا تعيد بناء طرق وجسور ومؤسسات فحسب، بل تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، التي فُقِدت في الحقبة الأسدية، وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها القرارات السياسية وحدها، كما لا تستطيع الإدارات الفنية أن تحققها بمفردها، إنها عملية متكاملة تتطلب رؤية سياسية واضحة، وجهازًا إداريًا محترفًا، ومشاركة مجتمعية واسعة.
ومن المؤشرات الإيجابية في هذا السياق تزايد الحديث عن توسيع حضور الكفاءات والخبرات في مؤسسات الدولة، وإعطاء مساحة أكبر للشباب وأصحاب التخصصات للمشاركة في الحياة العامة، فهذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن إعادة البناء ليست مشروعًا سياسيًا فقط، بل مشروعا إداريا وتنمويا يحتاج إلى عقول قادرة على التخطيط والتنفيذ والابتكار.
لكن نجاح هذا التوجه لن يُقاس بعدد الخبراء الذين يدخلون المؤسسات، ولا بنسبة تمثيل الشباب والنساء أو الشخصيات العامة، بل بقدرة هذه المؤسسات على تحسين حياة المواطنين، فالمواطن لا يحكم على نجاح الدولة من خلال الخطابات، وإنما من خلال سرعة إنجاز معاملته، وجودة الخدمات التي يحصل عليها، وشفافية الإدارة، وعدالة تطبيق القانون، وتكافؤ الفرص بين الجميع.
ولهذا فإن الإصلاح الإداري يجب أن يصبح أحد أعمدة المرحلة الانتقالية، والإصلاح هنا لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يبدأ بإعادة بناء قواعد العمل داخل المؤسسات، واعتماد الجدارة معيارًا للتعيين والترقية، وتطوير نظم التدريب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديث القوانين بما يتناسب مع متطلبات الإدارة الحديثة.
وفي هذا الإطار، تمثل الرقمنة فرصة تاريخية لسورية، فالتحول الرقمي لم يعد ترفًا إداريًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء دولة عصرية، فكل خدمة تُنجز إلكترونيًا تعني وقتًا أقل للمواطن، وكلفة أقل على الدولة، وفرصة أقل للفساد، وشفافية أكبر في الإجراءات، كما أن البيانات الرقمية أصبحت اليوم أساس التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، ولا يمكن لأي دولة أن تدير مواردها بكفاءة من دون امتلاك منظومة معلومات دقيقة وحديثة.
وبالتوازي مع ذلك فإن الرقابة المجتمعية تشكل الضلع الثالث في مثلث الإصلاح، فالدولة العصرية القوية ليست تلك التي تخشى النقد، بل التي تستفيد منه، وعندما تقوم الجامعات ومراكز البحوث والدراسات والإعلام المهني ومنظمات المجتمع المدني بدورها في تقييم السياسات العامة واقتراح البدائل، فإنها لا تنافس مؤسسات الدولة، بل تساعدها على تصويب مسارها وتعزيز ثقة المواطنين بها.
إن المرحلة الانتقالية لا تحتاج إلى صراع بين السياسي والتكنوقراطي، بل إلى شراكة بينهما، فلكل منهما وظيفة لا يستطيع الآخر أن يؤديها، السياسي يحدد الاتجاه ويصنع التوافقات ويمنح القرار شرعيته، أما التكنوقراطي فيحول هذا القرار إلى برامج قابلة للتنفيذ، ويقيس نتائجها، ويطور أدواتها، وعندما يعمل الاثنان ضمن مؤسسات مستقرة تحكمها القوانين لا الأشخاص، يصبح الإصلاح أكثر واقعية واستدامة.
إن مستقبل سورية لن يصنعه السياسيون وحدهم، كما لن يصنعه الخبراء التكنوقراط وحدهم، بل ستصنعه مؤسسات تجمع بين الرؤية والكفاءة، وبين الشرعية والاحتراف، وبين الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة، فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تنجح لأنها اختارت السياسة على حساب الخبرة، أو الخبرة على حساب السياسة، وإنما لأنها استطاعت أن تجعل السياسة ترسم الطريق، وتجعل الإدارة المهنية تنفذه بكفاءة وشفافية.
واليوم تبدو سورية أمام فرصة لبناء هذا النموذج، فإذا نجحت في ترسيخ إدارة قائمة على الجدارة، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وسياسات تستجيب لاحتياجات المجتمع، فإن المرحلة الانتقالية لن تكون مجرد عبور من أزمة إلى أخرى، بل ستكون نقطة انطلاق نحو دولة عصرية أكثر قوة، وأكثر كفاءة، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار، فالتحدي الحقيقي ليس في المفاضلة بين السياسة والتكنوقراطية، وإنما في بناء معادلة وطنية تجعل منهما شريكين في مشروع واحد عنوانه: دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وخدمة المواطن.
