أخذ المُخرج د. عجاج سليم عرض “شهرزاد”، الذي قُدّم على خشبة مسرح الحمراء بدمشق، عن الشاعر والكاتب المسرحي السوري ممدوح عدوان (1941-2004) في مسرحيته “حكايا الملوك”. وهي من تمثيل: عادل التازي في دورين: سليمان والملك شهريار، بيان كوليك في دور: شهرزاد، آية أبو عساف في دورين: نورمان وأمير الصين، عبيدة شلغين في دورين: ياسين وملك الصين، أحمد اللبان في دورين: أم فتحي وزوجة الحلاق، مضر حرب في دورين: أبو فتحي والخياط، مجد اللحام في دورين: الحكواتي والحلاق، حسام خازم في دورين: وليد وقيصر، نادر باكير في دورين: سعيد وكسرى، ديرسم عليلكو في دورين: عامر ومسرور. موسيقى سمير قصيباتي، رقصات: سوزان حافظ، إضاءة: إياد العساودة. وتراهُ فيها يسخرُ من الملوك، وأنَّ نهايتهم هي ملهاةٌ أكثر منها مأساة، وكأنَّه ينعي ذاك العصر البطولي؛ عصر الفروسية. وما “شهريار” و”شهرزاد” سوى شخصيتين متناقضتين؛ واحدةٌ – شهرزاد، تفكِّر وتحكي وهي في حالة صحو، وواحدةٌ – شهريار – تَسمعُ لا تُصغي، لِتتخدَّر وتنام وتنهزم في حروب مثل حرب 1967. شهرزاد تريد إنقاذ رأسها من سيف شهريار، وبذلك تنقذ رؤوس نساءٍ ونساء، لأنَّها تريد تغيير أو إيقاف مذبحة النساء/ مذبحة أمَّة على يد هذا السفَّاح الذي كمن يملكُ ختم السلطة الإلهية. ممدوح عدوان في المسرحية يُبارز السلطة/ الدولة، يُنازلها وهي بكامل قوتها وجبروتها، ويطعنها عدَّة طعنات لينتزع منها الختم، ليختم على طغيانها وجبروتها، ولعلَّه أكثر مسرحي سوري جاهر بعدائه للاستبداد ولعائلة الأسد الدموية.
المُخرج عجاج سليم في استناده أو اتِّكائه على فكرة هذه المسرحية تراه قد ترك اللب/ الجوهر الذي كتب ممدوح المسرحية من أجله. فهو برأيي لم ينازل الاستبداد كما نازله مؤلف النص؛ بل ومن وراء جدران وحيطان وبكثير من اللطف وبصوت المطرب الشعبي أبو رياح: (يا أهل الشام لَوْلا المظالم كانت فوق المدن جنَّات – واللي بيدْعي على الشام يا ربي تحرمو الجنَّة… يا… يا… يابا). بالدعاء سيزيل الظلم والقهر عن الشام، مع أنَّه إنْ كان يخاف من آل الأسد فإنَّهم هربوا، وقد جاءته الفرصة الآن وعلى المرتاح، ليُرينا موقفه كمسرحي سوري من هذا النظام الذي شغلَ في عهده الكثير من المناصب والمسؤوليات: مدير مهرجان إدلب الخضراء للفنون الشعبية، مدير مهرجان الشباب المسرحي في الحسكة ودمشق وطرطوس، مدير مهرجان المحبة في اللاذقية، مدير مهرجان دمشق المسرحي، رئيس قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكيل المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، مدير المسرح القومي في دمشق، مدير المسارح والموسيقى في دمشق، عميد المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. كما أخرج أكثر من 20 عرضًا مسرحيًا لِكُتَّاب مثل: سعد الله ونوس وممدوح عدوان وأسعد فضة وأليخاندرو كاسونا ونيقولاي غوغول وأنطون تشيخوف. وحازَ عديد الجوائزِ، وما من مهرجان مسرحي محلي وعربي إلاَّ وله حصة فيه. فما الذي يمنعه في هذه المسرحية “شهرزاد” وإن لم يفعل مثلما فعل المؤلف، فيتقيَّد بمقولته التي صَدَّر فيها بروشور العرض: (المسرحية لا تُروى لتُنسى. بل لتُغيِّر مصير من يسمعها) فتكون على مقاسها، فلا تتحوَّل إلى حِكم وشعارات ومواعظ وخطب تجييشية ورقصات، إلى الحكواتي قائلًا: “مو عنترة اللي بيقبل بالانهزام، عنترة ما بيخاف من الموت، فارس وما بيموت إلاَّ واقف”.
أين ذاك البطل الذي لم ينهزم ولا يقبل بالانهزام؟ وإلى سيرة “الزير سالم”، فإلى مشادَّة كلامية بين المتحاورين عن مستهلك عرضي ومالي، إلى معزوفة أغنية ألف ليلة وليلة لبليغ حمدي (1931-1993)، وموسيقى سيمفونية شهرزاد للموسيقي الروسي ريمسكي كورساكوف (1844-1908). موسيقى يفترض أن تسرِّع في رفع الإيقاع الدرامي/ الصراع إلى مستوى أعلى، بحيث أنَّ نغمات هاتين المقطوعتين الأولى فَرِحَة راقصة، فيما الثانية لكورساكوف رومانسية حالمة تهدئ وتسلِّم للخضوع، وقد بدتا حشوًا تزيينيًا لا تناغم بينهما. فإلى: “الِّلي كَتب التاريخ هو القوي، وهو الِّلي بيخلق أساطير بس لَيمَشِّي بطولاته، هو اللي معو الورق والقلم والحبر والسلطة”. و: (هااااا) الساخرة المُتعجِّبة المتكرِّرة، فتطل شهرزاد ألف ليلة وليلة، شهرزاد أصل الحكاية – شهرزادُ أحلامِنا، حاملة الحلم والأمل، منقذة السوريين من آلهة الرعب في القلاع الأمنية الذين مع أبي الكلسون قاموا بحرق أحلامنا – شهرزادُ التي صنعناها كما تُخاطبُ المتفرجين لأنَّها ليست حقيقية في كسرٍ للإيهام، حتى إن شهريار ليس موجودًا، ونحنُ كما تقول شهرزاد الذينَ صنعناهُ من أحلامنا وتخيلاتنا فيما هو موجودٌ في كل واحد فيكم مخاطبةً المتفرجين. ثم يُستَحضَر الملك “كسرى” وسيُصاب بالزكام لو خرجَ على شعبه عاريًا، ومن هو الذي سيجرؤ بالضحك من مظهره هذا – ما الذي يمنع – هنا أو يخيف المُخرج عجاج سليم لو أسقط صورة الرئيس بشار الأسد أبي الممانعة زوج سيِّدة الياسمين وهو في “الكلسون” على خلفية شاشة المسرح بشكل خاطف، وهي الشاشة التي مرّرت صورًا للوحات الرسام الشعبي أبي صبحي محمد حرب التيناوي (1888-1973) في بداية العرض، والتي ظهرت في أرشيفه عندما هرب من سورية ليلة سقوط نظامه؟ وسترى كَمْ كُنَّا سنضحك ونضحك – ونبكي، وسنرى كَمْ ستكون هذه الصورة ملهمًا جماليًا، بوصف الأسد مخلوقًا عقلانيًا فيما نحن المجانين، وحكاية “أوديب” لسوفوكليس (496-405 ق.م) الطفل الذي أمر والده الملك “لايوس” أحد عساكره/ وزيره بقتله، ولم يطاوعه قلبه وأشفق عليه وأعطاه لأحد الرعاة ليُربيه، والذي سيعود ليحكم مدينة طيبة بعد أن قتلَ أباه وتزوَّج أمَّه من دون أن يدري، ثم دعوة الملك الوزير ليأكل من لحم المرحوم في عودةٍ إلى مرتبة الوحوش والقرود؛ ما هذه الدعوة للوحشية – في حين أنَّها تجيء في النص (العدواني) للسخرية والتهكُّم التبشيعي، وسلاحًا سياسيًا، لكشف غريزة النهم إلى السلطة، فما أن يدعو الحكيم لأكل أكبر قطعة من لحم الملك الإله حتى يقوم مشتهو السلطة بأكل الجثَّة تارة القدم، وتارة الرأس، وتارة اليد، ويشتدُّ الحماس بهم، ويبدأ العراك بينهم وتلتمع السكاكين التي تشهر وتطعن مع وصول سيارة الشرطة.
كل مشهد في أي عرضٍ مسرحي بما ينشر من قبح أو جمال، فإنَّه يؤدي مهمة فكرية، وبقيم تمثيلية بصرية، وبأنظمة سيميائية تتناغم مع المتفرِّج. هذا وإن تحقق بعض منها إلاَّ أن المخرج كان مفرطًا في مباشرته، وإنَّه عرض تَخرُّج الدفعة الثالثة من طلاب قسم الفنون المسرحية والإخراج السينمائي في الجامعة العربية الدولية. وكان كلُّ ممثل يقوم بأداء دورين.
المسرح، أو المسرحية تُنتج ذاتها، ولمَّا تتحوَّل إلى عرض تَخرُجُ من عالمِها اللغوي الكتابي إلى عالم (بصري) – هذه يجب أن نَدْرُسُها ونُدَرِّسُها لطلابنا، ولا يهم إن كانت خشبة المسرح تتبع نظامًا رجعيًا أو تقدميًا. المسرحية على الخشبة مسألةٌ رياضية وليست أقوالًا وحكمًا ومواعظ، لأن المسرح يملك شجاعة القول في التاريخ.