
غلاف كتاب “المفتش: قضية شيرلوك هولمز الحقيقي” (اندبندنت عربية)
ملخص
عند وفاة جوزيف بيل عام 1911، وصفته مقالات نعي كثيرة بشيرلوك هولمز الحقيقي، ولكنه مثلما تبين فيتزهاريس كان أكثر من ذلك كثيراً، فقد جسد شخصية هولمز الروائية شغف جوزيف بيل بالتفاصيل والمنطق، لكن محقق روايات كونان دويل لم يبد قط من الطيبة والتفاني من أجل العدالة الاجتماعية مثل ما كان يتسم به جوزيف بيل الذي يدور حوله هذا الكتاب الثاقب الممتاز، ومثلما أحيا كونان دويل شخصية هولمز بعد الموت، بضغط من القراء، تعيد فيتزهاريس جوزيف بيل مرة أخرى إلى الحياة، هو وعصره كله معه.
قد لا يكون بيننا اليوم، سواء أكنا من قراء الأدب أم لم نكن، من لا يعرف شيرلوك هولمز، فقد بات هذا الاسم من الأسماء القليلة للغاية التي تجاوزت شهرتها الأدب إلى دوائر بعيدة عنه، ومع أنه يفتقر إلى هالة دون كيشوت وأوديب وروميو وجولييت وغيرهم ممن تطبق شهرتهم الآفاق، لكنه مثلهم، مألوف حتى لدى من لم يقرأوا سطراً من الروايات والمسرحيات والقصص التي خلدتهم.
تذكر الموسوعة البريطانية في نسختها المتاحة على الإنترنت أن هولمز “شخصية خيالية، اخترعها الكاتب الاسكتلندي آرثر كونان دويل، وهو النموذج الحديث للمحقق العبقري، ظهر أول ما ظهر في قصة (دراسة للون القرمزي) التي نشرها كونان دويل في عدد عيد الميلاد من مجلة (بيتونز) عام 1887، وظهرت أول مجموعة قصص من بطولته بعنوان (مغامرات شيرلوك هولمز) عام 1892. وبوصفه (المحقق الاستشاري) الأول، ولعله الوحيد، في العالم، كان يلاحق المجرمين في لندن بالعصرين الفيكتوري والإدواري، وفي أوروبا كلها”، وتنهي الموسوعة فقرتها الأولى عنه بأنه “ترك أثراً فريداً على المخيلة الشعبية وبات الشخصية الأكثر بقاء في قصص الجريمة”.
غير أن الفقرة التالية مباشرة في الموسوعة تهوي بنا من سماء الخيال إلى أرض الواقع: “رسم كونان دويل شخصية هولمز مستلهماً ما كان يتبعه د جوزيف بيل، الذي كان أستاذاً في كلية الطب بجامعة إدنبره من أساليب ووسائل”، ويجدر بهذه الانتقالة أن تثير الفضول إلى طبيعة تلك المناهج والأساليب التي كان يتبعها أستاذ في كلية الطب فتلهم كاتباً تجارياً شخصية محقق عبقري.
تضيف الموسوعة أن “قدرة هولمز الفائقة على جمع الأدلة – بالاعتماد على مهاراته المصقولة في الملاحظة والتفكير الاستدلالي – كانت تماثل منهج بيل في تشخيص الأمراض”، وأن هولمز نفسه ألقى بعض الضوء على هذا المنهج بقوله “إنك حينما تستبعد المستحيل، فلا بد لما يبقى بين يديك، مهما يكن بعيد الاحتمال، أن يكون هو الحقيقة”، فهل يساعد هذا في تفسير علاقة أستاذ جامعي من لحم ودم، بشخصية محقق خيالية؟
إن لم يكف هذا لإيضاح هذه العلاقة، فثمة كتاب حديث الصدور عنوانه “المفتش: قضية شيرلوك هولمز الحقيقي” للكاتبة والمؤرخة والمذيعة التلفزيونية الأميركية ليندسي فيتزهاريس لعله يساعد في كشف هذه الصلة.
في استعراض كيركوس رفيو للكتاب أن “جوزيف بيل كان كبير الجراحين في المستشفى الملكي بإدنبره، وتكتب فيتزهاريس أنه (حول تشخيص الأمراض إلى عرض مسرحي مثير) إذ كان بوسعه أن يقطع بأن رجلاً معيناً كان جندياً في فوج المرتفعات من طول قامته وطبيعة مشيته، أو يعرف أن رجلاً مصاب بمسمار القدم بسبب شقوق في حذائه”، ويشير الاستعراض إلى أن “طالباً فقيراً عند بيل كان يراقب هذه العروض الدرامية ويدون ملاحظات مسهبة”.
تكتب فيتزهاريس أن “مسرح المستشفى الملكي كان يتألف من منصة محاطة بشبه دائرة من المقاعد المدرجة المتصاعدة صوب نافذة ضخمة تضيء القاعة، وفي وسط الغرفة طاولة عمليات خشبية تحتها حوض مليء بنشارة الخشب لالتقاط الدم وغيره من السوائل، لكن المكان في هذه المرة، لم يكن معداً لعرض جراحي”.
كانت القاعة تغص بحشد من طلبة الطب ينتظرون أستاذهم جوزيف بيل، فـ”ما كاد بيل يدخل حتى هدأت جلبتهم، ناول قبعته ومعطفه لمساعده الشاب، ومضى إلى منتصف الغرفة الدائرية، فجلس إلى مقعده، وجيء بمريض إلى القاعة، فحص بيل بأصابعه النحيلة ثوب المريض الماثل بين يديه، وحركاته، وملامحه، وتعابيره، وسماته، وساد الصمت بين الحاضرين، وقد استولى عليهم الفضول إلى عرض جديد من العروض التي صنعت شهرة بيل الواسعة في عالم الطب”.
تتابع فيتزهاريس “قال بيل، كاسراً الصمت الذي جثم على القاعة: بالطبع أيها السادة، هذا جندي في فوج بالمرتفعات، وأضاف في ثقة أن قامة الرجل القصيرة تعني أنه على الأرجح موسيقي في الفرقة، وأن مشيته المتباهية تشي بعازف مزمار في موسيقى القرب، وما كاد ينهي تقييمه هذا حتى التفت إلى المريض، الذي فاجأ بيل بأن هز رأسه نفياً، وقال إنه في الواقع لم يخدم قط في القوات المسلحة، وإنه ليس أكثر من إسكافي بلا أي خلفية عسكرية”، تضيف “حكى بيل لاحقاً أن (تلك الواقعة أربكتني، لكنني لما كنت شبه موقن من صحة تقييمي، رأيت أن وراء الأكمة ما وراءها، فما كان مني إلا أن فعلت أمراً غريباً، في برود تام)، أمر بيل مساعدين قويين بأن يخلعا عن المريض ثيابه حتى خصره، وانكشف الكذب، إذ رأى الجميع على صدره وشماً بحرف D… وكان ذلك الوشم معروفاً لدى الحاضرين، وعاراً على صاحبه”، إذ كان الوشم بحرف D يعني أن صاحبه هارب من الجيش.
تكتب فيتزهاريس أن بيل في مثل هذه العروض “كان يحول التشخيص إلى عرض مسرحي مثير، وأن طلبته كانوا يتابعونه مشدوهين، ولم يكن أي منهم أشد افتتاناً من شاب نحيل ذي شارب كث يجلس دائماً في مقدم الحاضرين، وتحت ضوء المسرح، ينهل تفاصيل كل إنجاز عظيم من إنجازات أستاذه الذي ألهمه لاحقاً إبداع شيرلوك هولمز”، كان ذلك الشاب هو آرثر كونان دويل.
لعلنا اليوم لا نعرف جوزيف بيل ذلك، لكنه في زمنه لم يكن مغموراً، كان على قدر كبير من الشهرة في عالمه، وإذا كانت تلك الشهرة لم تضمن لصاحبها الخلود، أو حتى نزراً منه، بعد رحيله “فقد حان الوقت لأن يوضع بيل وقدراته الاستثنائية في مركز حكايته” بحسب ما تتعهد فيتزهاريس، غير أن هذا العهد لا يعني أن يخيب رجاء القراء ممن يجذبهم إلى الكتاب عنوانه، وحضور اسم شيرلوك هولمز فيه، فجوزيف بيل لم يكن محض ممارس عبقري للطب، ذي مناهج مبتكرة في الاستدلال والتشخيص، لكنه كان أيضاً كثير التعاون مع جهات تنفيذ القانون في زمنه، وبصفة خاصة مع جراح في الشرطة يدعى دنكان ليتلجون، لبحث قضايا جنائية تستوجب معارف طبية، وهذا ما يمنح الكاتبة سبباً لتورد “قصص قضايا قتل، مع مسح سريع للتطور في مجالات الطب والطب الشرعي خلال حياة جوزيف بيل، بين عامي 1837 و1911. وعلى رغم أن جوزيف بيل وليتلجون يحظيان بلمحات عن حياتيهما في الكتاب، فإن التركيز ينصب على الجرائم التي توصلا إلى حلول لها، والجناة الذين أوقعا بهم” وعلى رغم أن سرد فيتزهاريس “متقطع وغير مركز” فسيجد عشاق أدب الجريمة حكايات نابضة بالحياة وتفاصيل لجرائم مروعة، وأوصافاً دقيقة لبعض حالات الإعدام، أو هذا ما يعد به استعراض كيركوس رفيو.
تطرح الكاتبة ديبورا بلوم مزيداً من التفاصيل في استعراضها الكتاب (ذي نيويورك تايمز- الـ23 من أكتوبر 2026): “في خريف عام 1876 أصبح الشاب الاسكتلندي آرثر كونان دويل طالباً يدرس الطب في جامعة إدنبره، وبدافع من الإفلاس الذي تسبب فيه أب مسرف مدمن الخمر، كانت أسرة آرثر ترجو منه وهو أكبر أبنائها أن ينقذها بأن يصبح طبيباً، لكن تبين أن آرثر طالب متوسط المستوى، وقد عرف هو نفسه هذا، فلما حصل على درجته الجامعية عام 1881 رسم صورة لنفسه والشهادة في يده معلقاً عليها بقوله (مرخص له بالقتل)، وبعد عقد من المحاولات لبناء مسيرة مهنية في الطب، بدأ يحاول الحصول على دخل إضافي من خلال الكتابة، ويخطط للاستفادة من سوق جديد لأدب الجريمة”.
تكتب ديبورا “وإذ ذاك خطر له بارق من الإلهام، كان كونان دويل يريد أن يكتب لوناً مختلفاً من شخصية المحقق السري” التي لم تكن جديدة على الأدب، إذ سبق إليها كتاب في قامة إدغار آلن بو وغيره، لكن كونان دويل أراد للمحقق السري أن “يكون ذا ذكاء علمي حاد، وهوس بالأدلة، فبدأ يفكر في أستاذه جوزيف بيل، وكان معروفاً لطلبته وكليته بأنه ذو موهبة استثنائية في قراءة أوهى تفاصيل الحالات التي يفحصها”.
قاد هذا التفكير كونان دويل ـ بحسب ما تكتب ديبورا بلوم ـ “إلى أن يصبح أشهر كاتب روايات جريمة في العالم، وجعل من جوزيف بيل – دونما قصد منه – النموذج الواقعي لشرلوك هولمز، كان بيل أستاذاً جامعياً وفي الوقت نفسه جراحاً كبيراً في مستشفى إدنبره الملكي، وقد أفضى به شغفه بالبحث الطبي القائم على الدليل إلى أن بات مساعداً في بعض تحقيقات الشرطة”.
تكتب فيتزهاريس “لولا بيل يحتمل أن شيرلوك هولمز الذي عرفه العالم وأحبه ما كان ليوجد من الأساس”، فقد وصف كونان دويل في حوار أجرته إحدى المجلات معه عام 1891 “شخصية هولمز بــ’التجسيد الأدبي‘ لأستاذه السابق الذي كرمه كونان دويل في العام التالي بأن أهدى إليه أول كتاب يضم مجموعة من قصص هولمز”.
تشير ديبورا بلوم إلى أن المجال الذي يتناوله كتاب “قضية شيرلوك هولمز الحقيقي” مألوف لليندي فيتزهاريس، فهي حاصلة على درجة الدكتوراه في تاريخ العلم والطب والتكنولوجيا وقد حكى كتابها السابق (تاريخ الجزارة) الصادر عام 2017 قصة الجراح البريطاني جوزيف ليستر وكفاحه من أجل تعزيز النظافة في ممارسة الطب في القرن الـ19، وتشير بلوم إلى أن جوزيف بيل نفسه “كان من أوائل من تبنوا قواعد ليستر في النظافة، هو وشريكه في التحقيق الجنائي على مدى عمره هنري دنكان ليتلجون الذي كان يشغل منصب جراح الشرطة ومسؤول الصحة الطبية في مدينة إدنبره”.
ليس كتاب “قضية شيرلوك هولمز الحقيقي” أول كتاب يعرض لحياة جوزيف بيل، فقد سبقته إلى ذلك كتب أخرى، لكن الكتاب ليس محض كتاب يعرض سيرة رجل، بات مغموراً، على رغم أنه ألهم شخصية طاغية الشهرة وعظيمة الحضور، صحيح أنه يعرض سيراً قصيرة لكونان دويل وجوزيف بيل، كما يشير استعراض موقع (historynerdsunited)، وأنه يعرض لحياة بعض الرجال الأقل شهرة من قبيل الجراح الشرطي هنري دنكان ليتلجون، لكن “ما تفعله فيتزهاريس هو أنها تضع أولئك الرجال جميعاً في سياق عصرهم ووسط الجرائم التي عاشوا أحداثها وساعدوا في حلها، وثمة فارق كبير بين القراءة عن جوزيف بيل وهنري دنكان ليتلجون وشخصيتيهما، وبين أن تقرأ عن القضايا التي تورطا فيها، وكيف ساعدا (في غالب الحالات) في تقديم الجناة للعدالة، فهذا يعني أن يطلع القارئ على كثير من قصص الجرائم الحقيقية، فضلاً عن نوادر كثيرة تبرز قدرات دكتور بيل الاستثنائية في الاستنتاج، وبذلك يكون الكتاب في آن عملاً قادراً على تسلية عموم القراء، ونظرة ثاقبة إلى عالم الجريمة في العصر الفيكتوري يروق حتى للقراء المتخصصين في التاريخ”.
تنتهز فيتزهاريس إذاً حياة جوزيف بيل، وتستدرج القراء باسم شيرلوك هولمز، لكي تعيد فتح التحقيقات، بحسب تعبير ديبورا بلوم، “في جرائم القتل التي بحثها بيل وليتلجون، ولكي تفتح من خلال ذلك باباً للبحث في الأوضاع الاجتماعية في ذلك العصر، بدءاً بمعاناة الأطفال الفقراء وحتى القواعد المتزمتة للهيراركية الاجتماعية في بريطانيا”.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بمحاكمة أجريت عام 1888 في شأن امرأة بريطانية تدعى جين كيلي، “كانت كيلي قد تعرضت على يد زوجها لضرب أفضى إلى الموت، وجمع جوزيف بيل وليتلجون أدلة دامغة على وحشية الضرب الذي تعرضت له الزوجة، وأدى في نهاية المطاف إلى وفاتها، لكن ضرب الزوج لزوجته في ذلك الزمن لم يكن سلوكاً مستهجناً، فعلى رغم وفرة الأدلة الطبية المقنعة بالإدانة، لم تجد هيئة المحلفين موتها كافياً لتبرير الإعدام الذي كان في ذلك الوقت هو العقوبة المعيارية للقتل، فصدر الحكم بحسب ما تكتب فيتزهاريس ليعزز مفهوماً شائعاً، على المستويين القانوني والاجتماعي، في تلك الحقبة، وهو أن المرأة قد تتعرض للضرب حتى الموت، ومع ذلك ينجو قاتلها من المشنقة”.
تضيف ديبورا بلوم “بعد أعوام قليلة من تلك المحاكمة، اعترف آرثر كونان دويل للصحافة بأن جوزيف بيل هو مصدر إلهام شخصية محققه الشهير، وكتب يوجه الشكر لبيل الذي ساعده على إطلاق سلسلته البوليسية، ولكنه حرص أيضاً على أن يحذر أستاذه القديم من طاعون شهرة شيرلوك هولمز الذي سيجتاحه على الأرجح (وذلك ما كان)، فشكر له بيل لفتته تلك، وإن أضاف بعد أشهر أن (شياطين مهنتك ما عادوا يتركونني وشأني)”.
تكتب ديبورا بلوم أن “كونان دويل نفسه سئم من شهرة هولمز في نهاية المطاف، فكتب عام 1893 قصة عرض فيها المحقق الأسطوري لسقطة أفضت إلى وفاته، وكتب في يومياته: (لقد قتلت هولمز اليوم)، ولكنه اضطر بعد 10 أعوام أن يخضع للضغط الجماهيري ويحيي هولمز إرضاء للقراء”.
أما جوزيف بيل فعند وفاته عام 1911 وصفته مقالات نعي كثيرة بشيرلوك هولمز الحقيقي، ولكنه مثلما تبين فيتزهاريس كان أكثر من ذلك كثيراً، فقد جسد شخصية هولمز الروائية شغف جوزيف بيل بالتفاصيل والمنطق، لكن محقق روايات كونان دويل لم يبد قط من الطيبة والتفاني من أجل العدالة الاجتماعية مثل ما كان يتسم به جوزيف بيل الذي يدور حوله هذا الكتاب الثاقب الممتاز، ومثلما أحيا كونان دويل شخصية هولمز بعد الموت، بضغط من القراء، تعيد فيتزهاريس جوزيف بيل مرة أخرى إلى الحياة، هو وعصره كله معه.
العنوان: SLEUTH-HOUND: The Case of the Real Sherlock Holmes
تأليف: Lindsey Fitzharris
الناشر: Farrar, Straus & Giroux