«توغُّل توغُّل»

«كم سيارة؟»

«تقريباً 15 على طريق جباتا الخشب»

«قوّصوا شب برجله وأخذوه معهم لجوا»

لا أدري إن كان من سوء الحظ، أم من حُسن حظ «الصحفي»، أننا شهدنا، خلال زيارتنا الأخيرة إلى محافظة القنيطرة، كثيراً من الأحداث التي يعيشها السكان يومياً منذ أكثر من عام ونصف، ويستيقظون وينامون على إيقاعها، وقد باتت في الأشهر الأخيرة أكثر تواتراً.

لكننا عشناها معهم فقط لساعات معدودة، بينما غدت خبزهم اليومي.

منذ الصباح الباكر سِرنا بين الأراضي الزراعية، وفي الحقول الواسعة المليئة بعرائش العنب. ينتشر الفلاحون بينها وهم يقطفون محاصيلهم الوفيرة، عينٌ على العناقيد وأخرى على الطرق والسماء، فصوت «الزنّانة» أو طيران الاستطلاع يكاد لا يُفارِق المنطقة، ومرور دوريات وجنود الاحتلال في أيِّ وقتٍ دون سابق إنذار لم يعُد بالأمر الغريب. «نكتفي بأن نقف وننتظر مرورها وخروجها، حتى إن لديهم أوامر لنا بذلك، وإن كنا قريبين منها نقف على جانبي الطريق مفسحين لها المجال»، يُخبرني أحد المزارعين.

استبشر الأهالي في المحافظة التي تشتهر بمواسم ذات نوعية ممتازة وعلى رأسها العنب والكرز والرمان والزيتون والتين، بمحاصيل وفيرة هذا العام، خاصةً مع غزارة الأمطار، لكن ذلك لا يعني غياب التحديات. فإلى جانب التوغُّلات اليومية والاعتقالات من قبل قوات الاحتلال، والاعتداءات على البيئة والأراضي بما فيها التجريف ورشُّ المبيدات، يُعاني المزارعون من ارتفاع التكاليف فيما يتعلّق بالمحروقات والسماد، ومن صعوبات التسويق، خاصة أن السوق المحلية بالنسبة إليهم صغيرة وغير كافية لاستيعاب كلِّ الكميات، ويحتاجون إلى نقلها إلى أسواق دمشق، ما يعني أعباء مادية إضافية.

«النزلة عالشام يعني خسارة بخسارة. لو الوضع مستقر أكثر، كان ممكن يجي استثمارات مثل معامل الكونسروة، لكن اليوم مين ممكن يجي يستثمر بمنطقة غير مستقرة؟ الناس هون فقيرة معتمدة على الوظيفة والزراعة والحيوانات، وكله ما جايب همه»، يقول محمد وهو أحد السكان.

تُقدّر مديرية الزراعة في القنيطرة أن قوات الاحتلال اليوم تمنع المزارعين من الوصول إلى أكثر من 1100 هكتار من الأراضي في قريتَي طرنجة والحميدية، ومعظمها مزروع بالمحاصيل والأشجار المثمرة، إلى جانب تجريف نحو 500 هكتارٍ من الأراضي المزروعة بالأشجار الحراجية في طرنجة وجباتا الخشب وكودنة والحميدية وصيدا، وتضرُّر نحو 5000 دونم من عمليات رشِّ المبيدات، شملت محاصيل شتوية وأشجاراً مثمرة ومراعٍ. كما دمرت قوات الاحتلال آباراً لمياه الشرب واحتجزت أكثر من 210 رؤوس من الأغنام والأبقار، وهي تمنع المربين من الوصول إلى المراعي، خاصةً في القطاع الجنوبي الذي يضمُّ قرى كودنة وبريقة وبير عجم وسويسة وصيدا.

نخرج من المزارع ونتجوّل في الطُّرق التي تؤدي إلى القرى المحيطة، ومنها طرنجة وجباتا الخشب وأوفانيا وغيرها، فنرى عبارات خُطّت على الجدران ومواقف الحافلات المهجورة. «جباتا الخشب ترفض الاحتلال».. «إسرائيل إلى زوال».. «نتنياهو جايينك».. تكاد الحركة تنعدم على بعض الطرقات، تمر سيارات زراعية وأخرى صغيرة بين الحين والآخر، فيما يندر أن نلمح بعض المشاة أو المارة. لكن في إحدى الأراضي الزراعية في جباتا الخشب، كان الوضع مختلفاً، فقد غادرت دوريات الاحتلال للتو بعد أن أطلقت النار على شاب من ذوي الإعاقة الذهنية، وسَحَبَه الجنود معهم إلى الأراضي السورية المحتلة. تجمّع الأهالي في موقع الحادثة وتعالت أصواتهم، وكلٌ يحكي روايته عمّا شاهده.

لا أحد يقبل الحديث باسمه الكامل أو الظهور في الإعلام بالصوت والصورة، خشية استهدافه من جنود الاحتلال خلال المداهمات شبه اليومية. «بيجوا بالليل يكسرولنا البيوت. عم يعرفوا مين عم يحكي». عندما اقتربتُ من أحد السكان، اسمه أبو عمار، لأسأله عمّا حدث، قاطعنا صوت زوجته قادماً من بعيد: «الله يوفقك لا تحكي شي. هلأ بيجوا الإسرائيلية علينا». أخبرني الأهالي لاحقاً، بعد أن أكدت لهم عدم ذكر اسم أحد بشكل صريح، أن الشاب كان يسير في الأرض الزراعية حينما شاهد الدورية، فارتعب وصار يتحرك بشكل عشوائي، فأطلق الجنود عليه النار وسقط أرضاً. ثم اقتربوا منه وضمّدوا جُرحه وأخذوه معهم، وكانت برُفقتهم سيارة إسعاف، وهو أمر غير معتاد. وبعد ساعات وردت أنباءٌ عن إطلاق سراحه. وقد عرض عليّ أحد الرجال مقطع فيديو قصيراً صُوِّر من منزل قريب بأيدٍ مرتجفة، ويظهر فيه الجنود بشكل واضح وهم يقتربون من المصاب.

كان الناس يشعرون بغضب شديد من الحادثة، اقترب منّي شاب يحمل شريطاً بلاستيكياً صلباً يستخدمه الجنود في ربط أيدي من يعتقلونهم، يبدو أنهم تركوه وراءهم. «انظري كم هو قاسٍ. يتعاملون معنا كأننا مجرمون». كما أن الحادثة أعادت إلى أذهان الأهالي حادثة أخرى حصلت قبل يومين فقط، حين أطلق الجنود النار على الشاب العشريني محمد دبور الذي اقترب من قاعدة عسكرية في محيط قرية الحميدية، فأردوه قتيلاً، وكان أعزلَ لا يحمل أيَّ سلاح. «ما هي الذريعة كي تقتل شخصاً سورياً في أرض سورية؟ الاقتراب من القاعدة ما هو إلا حجة واهية، وقوات الاحتلال تبحث عن أي مسوّغٍ لأفعالها»، يتحدث أحمد وهو من سكان قرية طرنجة. الغضب يزداد كذلك مع إحساس السكان بالتهميش التام، والخذلان من كل الجهات، وبأنهم متروكون وحدهم لمواجهة كل ما يحدث. حتى قوات الأمم المتحدة الموجودة في المنطقة، والتي نمرّ أمام مقراتها مراراً، لا تفعل شيئاً سوى أنها «عم تعد الكفوف اللي عم ناكلها» وفق تعبيرهم.

أسألهم عن السبب الذي يعتقدون أنه وراء التصعيدات الأخيرة غير المسبوقة، فيقولون إن أنباءً تواردت عن تعيين مسؤولين عسكريين جُدد، يبدو أنهم أكثر وحشية ممَّن قبلهم، ويريدون أن يُثبِتوا بعض «الإنجازات» على الأرض، فيما يربط آخرون كلَّ ذلك بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

«للاحتلال سياسة عامة لإفراغ المنطقة، وهو هدف طويل المدى. يفرضون أنفسهم كأمر واقع، بطائرات الدرون والتوغلات اليومية، كي يصل الناس نفسياً إلى مرحلةٍ تجعلهم مُستعدين للمغادرة. في نهاية المطاف نحن نريد الأمان لنا ولأطفالنا، وسنبحث عن هذا الأمان ولو كان في آخر أصقاع الأرض»، يتابع أحمد.

أسأل إحدى السيدات عمّا إذا كانوا يُفكِّرون في الرحيل، فتجيب: «وين بدنا نروح؟ أرضنا هون، بقراتنا هون. اليوم ما حدا بيحمل حدا، وإذا طلعنا من هون رح يستحلّوا المنطقة». بالنسبة إلى أحمد، شأنه شأن كثيرين غيره، فإن أبناء القنيطرة وصلوا إلى «صفر خيار»، فمعظمهم من متوسطي الحال أو الفقراء، ولا يملكون منازل أو أماكن يلجأون إليها خارج المحافظة. «لا نفكر بالحركات البطولية والاستعراضات. نريد الأمان أولاً وأخيراً. الوجع كبير لكننا أيضاً ثابتون ومتمسكون بأرضنا»، يقول الشاب العشريني.

ومع كل ذلك، لا يفوت سكان القنيطرة الذين زرناهم حسن الضيافة. على وقع كل هذه التوترات وأصوات «الزنّانة»، لا يُمكن أن نغادر المكان دون فنجان من القهوة، وصحن من الجوز يفخرون بأنه من إنتاجهم، ودون أن نتذوق من كافة أصناف الفواكه التي تُثمر في أراضيهم، من تفاح وعنب وتين. كأنّ الناس هناك يُحمّلون الزائر «أمانة» أن يتعرّف إليهم ويتحدث عنهم وعن كرمهم وطيبتهم، حتى بعد أن يغادر.